الأندلسُ حاضرةُ الدنيا وغُرَّةُ جبينها
واحةُ علمٍ غناءٍ، كانت على
تُخومِ بيداء؛ بيداءِ جهلٍ معتم. لألأت فيها المعارفُ مصابيحَ تُرسل النورَ
متوهّجًا، فيبهرُ كلَّ الناظرين، فاجتذبتِ القلوبَ هُفُوًّا إليها، لتُصاغَ
الأحلامُ وتداعبَ أخلادَ بني الغرب جميعًا، أن يظفروا فيها بالمقام.
وراحوا يُقلِّدون بنيها في لباسهم والكلام،
ويقتبسون من ضيائها ليُبصروا بعد عمًى؛ فكانت قبستهم منها نبتةً أينعت بعد قرون،
حضارةً بها تبوَّؤوا صدارةَ الأمم.
لكن كانت بهم خِسَّةٌ غلبت
عليهم، فأزَّت بهم أن يمكروا المكرَ السَّيِّئ، حتى سنحت لهم الفرصة فاغتنموها،
وأعملوا الخرابَ فيها، فهدموا بنيانها بعد أن بقي منارةً ثمانيةَ قرونٍ بتمامها.
الأندلسُ حاضرةُ الدنيا
وغُرَّةُ جبينها؛ زخرت بكل خير، وازدهى على أرضها كل جميل: علمٌ وعمارةٌ ورُقِيٌّ
وحضارةٌ وثقافةٌ ذات نضارة.
ساسها الرجالُ من بني أمية
بالحكمة والعدالة، وجعلوها درةَ التاج على هامة التاريخ ردحًا من الزمان، فكانت
عاصمةَ الدنيا وواسطةَ عقدها.
وقرطبةُ هي قلبُها، وفي
قرطبةَ تبرقُ الزهراءُ بجمالٍ ما على أديم الأرض له شبيه. قد بنى بها الخليفةُ
عبدُ الرحمن الناصر القصر المشيد، فزيَّنه وزوَّقه حتى كان بروعةٍ تلوى كلَّ جيد.
وانتشى الناصرُ بما شيَّد، وجعل يُباهي به كلَّ من حضر ورأى.
وفي جلسةٍ له مع خاصته قال
لهم سائلًا:
هل رأيتم أو سمعتم ملكًا
كان قبلي فعل مثلما فعلت، وبنى مثل ما بنيت، أو قَدَر عليه؟
قالوا: لا والله، وإنك
لأوحدُ في شؤونك كلها؛ ما سبقك إلى هذا ملكٌ رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره.
ثم دخل القاضي المنذرُ بن
سعيدٍ البلوطي، فأعاد عليه الخليفةُ السؤال. فوجم القاضي، ثم أطرق مليًّا، لتتحدر
الدموعُ من عينيه، ثم رفع رأسه وحدَّج الخليفةَ ببصره، وقال:
لا والله يا أمير المؤمنين،
ما ظننتُ أن الشيطان — لعنه الله — يبلغ منك هذا المبلغ، ولا يُمكِّن منك هذا
التمكين، مع ما آتاك الله من فضله ونعمه، وفضَّلك به على العالمين، حتى يُنزلك
منازلَ الكافرين.
هنالك فزع الخليفة، وغضب،
وثار ومار، وقال بغضبٍ مكتوم للقاضي:
انظر ما تقول! كيف تجعلني
مع الكافرين، وكيف يُنزِلني الله منازلهم؟
قال القاضي:
أما يقول الله تعالى في
كتابه الكريم:
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾؟
سمع الخليفةُ الجواب،
فبُهِت، وبردت نارُ ثورته، وغشاه الخجلُ وفيه كثيرُ ندم. فبكى، وسال دمعُه على
مآقيه، وقال مسديًا الشكرَ للصادع بالحق:
جزاك الله عنا، وعن نفسك،
وعن المسلمين، أجلَّ جزائه، وكثَّر من أمثالك. ما قلته هو الحق.
وأمر من ساعته بنقض قباب
الذهب والفضة من سقف القصر، لتكون كسائر القباب.
بيان وفوائد:
تهمة معلبة يدحضها التاريخ
تلك واقعةٌ من وقائع يزخر
بها تاريخُ أمتنا، صدع فيها علماؤها بالحق، منكرين على أصحاب الرأي ما ارتكبوا من
خطأ، لتكون خيرَ نفيٍ لبهتانٍ رماه بأمتنا الشانئون من الغربيين والمستغربين، بأن
خلافتها حكمٌ ثيوقراطيٌّ يُسبغ القداسةَ على حاكمها، فيكون فوق المراجعة، ودونه
أيُّ حساب.
عندما
تنحني القمم تعظيما لله
عظمة عبد الرحمن الناصر لم
تكن فيما شيّد، بل في دمعةٍ نزلت حين ذُكِّر بالله، وفي قبةٍ هُدمت حين خاف مقام
ربه، وهذا هو ديدان الكبار، فالاستماعُ لنصح المصلحين ليس كلَّ ما يُراد، ولا هو
كافيًا للإصلاح حتى يترجم إلى واقع عملي ملموس، كما فعل الخليفةُ الناصر حين أمر
من فوره بهدم قباب الذهب والفضة من سقف قصره.
الإيمان أساس البنيان
ليس في بناء الحضارة
المادية دليل على الخلودٍ، ولا وتشييدِ القصور والقباب الذهبية صكُّ أمانٍ للأمم؛
فكم من حضارةٍ علت جدرانُها، ثم هوَت حين ثقل ميزان الشهوة وخفَّ ميزانُ القيم في
قلوب أهلها. فكل عمران أسس بنيانه على غير إيمان إنما هو ضجيجٌ صامت، لا يلبث أن
يتحول إلى أطلال.
فمن هذه الدروس تبعث قصة الأندلس رسالةً متجددة، تُذكّر بأن التاريخ لا يُعيد نفسه عبثًا، بل ليوقظ الغافلين قبل فوات الأوان.
اقرأ أيضًا
الفارس الأندلسي الأخير.. قصة موسى بن أبي الغسان
هيبة الوالي وزهد الخليفة .. حكاية لقاء بالشام بين السادة معاوية وعمر