سرٌّ من أسرار الدعاء

سرٌّ من أسرار الدعاء

كثيراً ما يتساءل الإنسان: لماذا يُستجاب دعاء بعض الناس دون بعض، مع أنهم يدعون بنفس الألفاظ وفي نفس الأوقات؟

والجواب يكشفه لنا ابن قيّم الجوزية في كتابه «الداء والدواء» بعبارة بالغة الدقة، يقول يرحمه الله: «كثيراً ما نجد أدعية دعا قومٌ فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو حسنة تقدّمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكراً لحسنها، أو صادفت وقت إجابة، فأُجيبت دعوته، فيظن الظانّ أن السر في لفظ الدعاء، فيأخذه مجرّداً عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي، وهذا كما إذا استعمل رجلٌ دواءً نافعاً في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به، فظنّ غيره أن استعمال الدواء بمجرّده كافٍ لحصول المطلوب، فإنه يكون بذلك غالطاً، وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس، ومن هذا قد يتّفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيُجاب، فيظن الجاهل أن السرّ للقبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجوء إلى الله تعالى، ولو حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحبّ إلى الله».

ما أشار إليه ابن القيم جوهر يغفل عنه كثيرون: السببُ الأعظم في إجابة الدعاء ليس الصيغة ولا اللفظ، بل الافتقار الصادق والانكسار الحقيقي بين يدي الله.

غير أن هذا لا يعني إهمال الأسباب المعينة التي تُهيئ القلب لهذا الصدق وتُعينه عليه، كاختيار الأوقات الفاضلة من ثُلُثٍ أخير وما بين الأذان والإقامة وغيرها، والتأدب في الدعاء من حمد لله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكنّ هذه الأسباب وسائل مُعِينة، وليست «أسراراً» تعمل وحدها بمعزل عن حال القلب.

والفرق دقيق لكنّه بالغ الأثر؛ مَن يطلب الأوقات الفاضلة لأنها تُعينه على حضور القلب والانكسار؛ سيجد ثمرتها، ومن يطلبها وكأنها «المفتاح السحري» للإجابة؛ فقد وقع في نفس الغلط الذي حذّر منه ابن قيم.

فاجعل همّك الأول أن يكون قلبك حاضراً مُفتقِراً، وما سوى ذلك فهو عَوْنٌ على بلوغ هذا الحضور.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة