دور الكفاية المادية في القيام بالعبادات المُرضية
يعتبر تحقيق
الكفاية المادية للفرد من مطعم، وملبس، ودواء، ومسكن، وأدوات حرفة، وزوجة، أمرًا
مهما وعاملًا مساعدًا في قيام المرء بفرائض دينه ومستحبات شريعته ومكارم أخلاقه.
الكفاية المادية عون للمرء على القيام بالعبادة
قرر الإمام محمد
بن الحسن الشيباني رحمه الله أن الكفاية المادية أساس للقيام بالعبادة حيث قال: «إن
المرء لا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا بالاكتساب، أو التغالب والانتهاب، والانتهاب
يستوجب العقاب، وفي التغالب فساد، والله لا يحب الفساد، فتعين جهة الاكتساب لتحصيل
القوت، وكما أنه لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بالطهارة، ولا بد لذلك من كوز
يُستقى به الماء، أو دلو ورَشا يُنزح به الماء من البئر، كذلك لا يتوصل إلى أداء
الصلاة إلا بستر العورة، وإنما يكون ذلك بثوب، ولا يحصل له إلا بالاكتساب عادة،
وما لا يتأتى إقامة الفرض إلا به يكون فرضاً في نفسه»(1).
فالصلاة عبادة
بدنية يحتاج المسلم للقيام بها إلى قوة جسدية تمكنه من أدائها على الوجه المطلوب،
ويحتاج إلى ثياب يستر بها عورته كي تقع الصلاة صحيحة، والقوة الجسدية تتأتى
بالطعام الذي هو أحد مقومات الكفاية، وكذا الثياب ثمرة سعى المرء في الأرض زراعة
وصناعة، فإذا تُرك المرء بدون قوتٍ يطعمه، أو بلا ثوبٍ يستره؛ تعذر عليه القيام
بفريضة الصلاة.
والزكاة كذلك
عبادة مالية عمادها الأساسي توفر قدر معين من المال؛ وذلك لأنها إنما تجب في
المال، فإذا خلا المرء من المال فلن يتمكن من إخراج الزكاة، وبالتالي لن يكفل
يتيماً ولن يعالج مريضاً، ولن يساعد غريماً، ففاقد الشيء لا يعطيه، وعليه فالمسلم
الذي تحققت له الكفاية هو الذي يستطيع القيام بهذه العبادة الجليلة.
والحج وهو عبادة
بدنية مالية، قائم على تحقق الكفاية المادية، فالمسلم غير المقيم بمكة كي يؤدي
فريضة الحج لا بد له من مال يشتري به راحلته وزاده، وما يسد به حاجة أهله حتى يعود،
ومعلوم في كتب الفقه الإسلامي أن الحج لا يجب على المسلم حتى تتوفر لديه الراحلة
والزاد؛ وهو ما يعني تحقق الكفاية المادية لديه.
والجهاد في سبيل
الله عبادة بدنية مالية، مبناها كذلك على تحقق الكفاية المادية؛ وذلك لأن الجهاد
الحربي يعتمد على قوتين؛ الأولى: قوة إيمان المجاهد بربه عز وجل، والأخرى: القوة
المادية المتمثلة في وسائل الجهاد وأدواته، وفي غالب آي القرآن يتقدم الجهاد
بالمال على الجهاد بالنفس، إذ هو كالأساس له، والوسيلة المساعدة عليه؛ وعليه،
فبدون الكفاية المادية قدر المستطاع لن يتمكن مسلم من أداء واجب الجهاد.
وكذلك كثير من
العبادات الإسلامية، تقوم على أساس من الكفاية المادية، مثل صلة الأرحام؛ فهي لا
تعني فقط مجرد التواصل بالزيارة، وإنما هي فوق ذلك عطاء وإحسان وبذل للمال، والإصلاح
بين المتخاصمين يحتاج في كثير من أحيانه إلى بذل مال أو تَحمُّل حَمالة لإنهاء
الخصام من أقرب طريق.
وكذلك كثير من
السنن المستحبة في الشرع يتوقف القيام بها على الكفاية المادية، مثل: سُنة وليمة
العُرس، وسُنة العقيقة للمولود، والتهادي بين المسلمين، وفك الرقاب، وإطعام ذي
المسغبة.. إلخ، كل هذه الصالحات من الأعمال يتمكن منها المسلم حين تتوفر لديه
الكفاية المادية.
الفوائد الدينية للمال
قرر الإمام أبو
حامد الغزالي رحمه الله حقيقة أن الكفاية المادية أساس للقيام بالعبادة في معرض
حديثه عن الفوائد الدينية للمال، فقال: وأما الفوائد الدينية للمال فتنحصر جميعها
في 3 أنواع:
الأول: أن ينفقه
على نفسه إما في عبادة أو في الاستعانة على عبادة.
أما في العبادة،
فهو كالاستعانة به على الحج والجهاد، فإنه لا يتوصل إليهما إلا بالمال، وهما من
أمهات القربات، والفقير محروم من فضلهما، وأما فيما يقويه على العبادة، فذلك هو
المطعم، والملبس، والمسكن، والمنكح، وضرورات المعيشة، فإن هذه الحاجات إذا لم
تتيسر كان القلب مصروفاً إلى تدبيرها فلا يتفرغ للدين، وما لا يتوصل إلى العبادة
إلا به فهو عبادة، فأخذ الكفاية من الدنيا لأجل الاستعانة على الدين من الفوائد
الدينية.
الثاني: ما
يصرفه إلى الناس، وهو 4 أقسام؛ الصدقة، والمروءة، ووقاية العرض، وأجرة الاستخدام، أما
الصدقة فلا يخفي ثوابها، وأما المروءة فنعني بها صرف الأموال إلى الأغنياء
والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة وما يجري مجراها، فإن هذه لا تسمى صدقة، بل الصدقة
ما يسلم إلى المحتاج، إلا أن هذا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد الإخوان،
والأصدقاء، وبه يكتسب صفة السخاء، ويلتحق بزمرة الأسخياء.
وأما وقاية
العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء، وثلب السفهاء، وقطع ألسنتهم، ودفع
شرهم، وهو أيضاً مع تبخر فائدته في العاجلة من الحظوظ الدينية، وكيف لا وفيه منع
المغتاب عن معصية، واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكافأة
والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة.
وأما الاستخدام،
فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة، ولو تولاها بنفسه
ضاعت أوقاته وتعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر والذكر الذي هو أعلى مقامات
السالكين، ومن لا مال له فيفتقر إلى أن يتولى بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام،
وطحنه وكنس البيت حتى نسخ الكتاب الذي يحتاج إليه، وكل ما يتصور أن يقوم به غيرك
ويحصل به غرضك فأنت متعوب إذا اشتغلت به، إذ عليك من العلم والعمل والذكر والفكر
ما لا يتصور أن يقوم به غيرك فتضييع الوقت في غيره خسران.
الثالث: ما لا
يصرفه إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام كبناء المساجد، والقناطر، والرباطات،
ودور المرضى، ونصب الجبات في الطريق، وغير ذلك من الأوقاف المرصدة للخيرات، وهي من
الخيرات المؤبدة الدارَّة بعد الموت المستجلبة بركة أدعية الصالحين إلى أوقات
متمادية، وناهيك بها خيراً(2).
فالإمام الغزالي
أفاض في ذكر فوائد المال الدينية، وبيّن أن المال عون على القيام بأمهات العبادات،
وجليل القربات، ومحاسن العادات، فهو يفتح للمسلم أبواباً شتى من الخيرات، ما كان
له أن يلجها إلا بالمال.
وقد أخبر الله
تعالى أنه جعل الأموال قياماً لحياة الناس بصفة عامة، ولذا أمر بالمحافظة عليها
وتنميتها وصونها عن أيدي العابثين، فقال تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) (النساء: 5)؛ يقول الإمام الرازي: قوله
تعالى: (الَّتِي جَعَلَ
اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) معناه: أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا
المال، فلما كان المال سبباً للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب
على السبب على سبيل المبالغة(3).
أي إن المال سبب
عظيم في قيام الحياة وتيسير معايش الخلق وأعمالهم، حتى إن الله عز وجل سمى المال
نفسه قياماً مبالغة في أهميته وبياناً لعظيم دورة في حياة الخلق.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نِعمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ»(4)؛ لأنه سيكون عونًا له على صلاحه.