خبراء يقدمون قواعد ذهبية لتحصين الطفل من الأخطار والكوارث
تصدر ترند «صافرات
الإنذار» في الكويت، خلال الأيام الماضية، عقب الهجمات التي استهدفت الكويت ودول
الخليج من قبل إيران في ردها على الهجمات «الإسرائيلية» الأمريكية.
صافرات الإنذار
تعني انتشار حالة الذعر بين الجميع، لكن الأطفال تكون حالة الذعر لديهم مركبة بسبب
الحالة نفسها ومن رؤيتهم لحالة الكبار، خاصة الوالدين اللذين يمثلان لهما مصدر
الأمان.
ولأجل التغلب
على هذه الحالة وجعل الأطفال في حالة استقرار وطمأنينة، تواصلت «المجتمع» مع عدد
من الخبراء النفسيين لتقديم روشتة نفسية وتربوية للأسرة؛ لصنع طفلاً إيجابياً
بمشاعر مستقرة قادرة على مواجهة الأخطار والكوارث.
خطورة التكيف الجبري مع الأخطار
د. مجدي هلال،
أستاذ الصحة النفسية بالجامعة الإسلامية، أكد، في حديثه لـ«المجتمع»، أهمية العلاج
المعرفي السلوكي (CBT) في تنفيذ برامج العلاج والدعم والتدريب على
المرونة النفسية وتنظيم وتغيير الأفكار وصولاً إلى التعافي.
وأوضح أن الحروب
والكوارث تتسبب في مشكلات خاصة بالنمو والصحة النفسية، واضطرابات في الذاكرة
والتركيز، وفقدان الشعور بالأمان.
وأضاف هلال أن
الأكثر بشاعة أن يصل عدد كبير من الأطفال إلى حالة تكيف جبري مع هذه الاضطرابات
كجزء من حياتهم الاعتيادية؛ لذا يجب حثهم على تغيير طريقة التفكير النمطية؛ لأن
ذلك يخفف من الشعور بالضيق، والمساعدة على اتخاذ نمط حياة صحي يساعده هو نفسه،
ويساعد الأشخاص من حوله في التعامل الإيجابي مع الطوارئ.
كما شدد على
ضرورة التعاطي مع مثل هذه الأمور، فقد أُجريت دراسة على أطفال دون سن الخامسة في
56 دولة نامية عاشت حروباً ونزاعات مسلحة، مبيناً أن 6.6% من الأطفال أقصر قامة من
نظرائهم، و9% من الأطفال أنحف من نظرائهم، كما أن 2% من الأطفال يتعرضون للتقزم
والهُزال، بالإضافة إلى أمراض الجهاز الهضمي والتنفسي والعصبي والدماغ.
تحصين الطفل لا يعني حجبه عن الواقع
بينما قدّم
الخبير التربوي والنفسي محروس سليمان عدة أمور مهمة لتحصين الطفل من الأخطار،
مؤكداً، خلال حديثه لـ«المجتمع»، أن تحصين الأطفال نفسيًا وتربويًا في زمن الأزمات
ليس هدفه خلق فقاعة زائفة تحجب عنهم الواقع، بل هو تجهيز عميق لمواجهة هذا الواقع،
إنه بناء إنسان متكامل؛ له عقل قادر على الفهم والتحليل، وقلب يجد طمأنينته في حضن
الأسرة والإيمان، ونفس تمتلك المهارات اللازمة لمواجهة الخوف والتعافي من الصدمة.
وبهذه الرؤية
المتكاملة، يمكن للأسرة والمجتمع معًا أن ينشئا جيلًا شجاعًا بهدوء، قويًا من
الداخل، قادرًا على العيش بإنسانية وعزة وسط العواصف، مبينا أنه يجب:
1- إشراك الطفل
في إجراءات السلامة بشكل يتناسب مع عمره، ولذلك يمكن للطفل أن يتعلم أرقام
الطوارئ، وأن يعرف حقيبة الطوارئ العائلية ومحتوياتها.
2- مشاركة الطفل
في وضع خطة الأسرة عند سماع صفارة الإنذار، هذا الإحساس بالمشاركة والاستعداد يقلل
من مشاعر العجز ويمنح الطفل ثقة بأن للأسرة خطة ولديه دوراً فيها.
3- عدم التقليل
من دور التربية الإيمانية العميقة، حيث إن الإيمان ليس مجرد طقوس، بل هو إطار
متكامل يمنح الإنسان طمأنينة ومعنى يتجاوز الواقع المؤلم.
وفي القرآن
الكريم نموذج فريد في بث السكينة: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:
40)، فمع إحاطة الخطر، لم ينفِ وجوده، بل غرس في قلب صاحبه يقينًا أكبر من
الخطر؛ وجود الله معهما، وهذا اليقين هو ما نريد غرسه في أطفالنا؛ أن الله معنا، ويرانا،
ويسمعنا، ولن يتركنا.
رد الفعل أشد خطراً على الطفل من الحدث نفسه
وينصح الخبير
التربوي علاء حسني باتباع دليل حماية الأطفال من القلق، وبث الطمأنينة داخل نفوسهم
في ظل التوترات الإقليمية.
وبين حسني لـ«المجتمع»
أنه في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم بعد الهجمات المتبادلة
بين إيران والولايات المتحدة، التي امتدّ أثرها ليشمل مواقع مدنية وعسكرية في دول
الخليج العربي، مسبّبة حالة قلق مجتمعي عام، يظلّ البيت الحصن الأول الذي يتلقى
فيه الطفل صور الأمان أو الخوف.
وتابع في حديثه: الأطفال لا يخافون من الحدث نفسه بقدر ما يخافون من رد فعل والديهم تجاهه، فعند سماع صافرات الإنذار أو وصول الرسائل التحذيرية، لا ينبغي للوالدين إظهار الهلع والجزع، بل يجب التعامل معها كإجراء طبيعي لحماية الناس، مع شرح مبسط، أن هذه تنبيهات تساعد الدولة على الحفاظ على أرضها ومؤسساتها وحماية المواطنين والمقيمين، وأن العائلة بخير ولله الحمد، كما نبّه أنه من المهم أيضاً:
1- إبعاد
الأطفال عن المشهد الإعلامي المليء بالصور الصادمة؛ لأن التعرض المفرط لها مرتبط
بارتفاع مؤشرات القلق.
2- عدم ترك
الفراغ الداخلي بلا بديل؛ وإنما ملؤه بالدفء العاطفي، وممارسة الروتين اليومي،
وتنفيذ ألعاب وأنشطة يتخللها استثمار تدريب أطفالنا على حماية أنفسهم وقت الشدة
كالالتزام بالبيت، والأماكن الآمنة في البيت أو الأماكن التي تشير إليها الدولة،
وإغلاق النوافذ.
3- مرافقة ذلك
كله باطمئنان هادئ يراه الطفل في رد فعل والديه وطريقة تلقيهم للأخبار وتفاعلهم
معها كلاماً ولغة جسد، فالطفل ذكي يراقب ويتعلم من المشهد لا من الشرح، وفق قاعدة «أرني
وسأتذكر».
4- يحتاج الطفل
في هذه الظروف إلى تربية على طمأنينة الإيمان لا على طمأنينة المعلومات فقط؛ فنعيش
مع آيات الله تدبراً وتطبيقاً.
وأشار حسني إلى
أن ترك القلق وبلوغ درجات اليقين ليس درساً نظرياً، بل ممارسة يومية، فإذا رأى
الطفل في عيون والديه طمأنينة المتوكلين، ورأى في سلوكهما انضباطاً وهدوءاً عند
الاستنفار، نشأ في داخله صوت يقيني، وهكذا يتحول الحدث المقلق إلى درس تربوي يغرس
الأمن والإيمان معًا.
الاستقرار النفسي للكبار مفتاح الطمأنينة للصغار
فيما ترى الاختصاصية
اللبنانية ناهد المصري أنه لأجل مساعدة الطفل على خفض القلق في الطوارئ والكوارث،
لا بد من وجود القاعدة الذهبية، وهي أن الاستقرار النفسي يبدأ بكبار مستقرين
انفعالياً، مبينة أنه وفق مبادئ الصحة النفسية لا بد من الالتزام بالآتي:
1- التنظيم
الانفعالي (Emotional
Regulation): ساعده على
تسمية مشاعره وتقبّلها بدل إنكارها.
2- الإحساس
بالأمان (Sense of Safety): طمأنته بمعلومات واقعية مختصرة تعزّز
الشعور بالحماية.
3- إعادة بناء
الروتين (Restoring
Routine): تثبيت
أوقات نوم وأكل ونشاط لدعم الاستقرار النفسي.
4- الإحاطة
الداعمة (Supportive
Containment): احتواء
مخاوفه دون تهويل أو تقليل.
5- تمكين الطفل
(Empowerment): تعليمه خطة أمان واضحة لتعزيز الشعور
بالسيطرة والكفاءة الذاتية.
6- التفريغ
النفسي عبر اللعب أو الرسم (Therapeutic
Play): لتخفيف
التوتر غير المعبر عنه لفظياً.
7- المراقبة
المبكرة للأعراض (Early
Screening): الانتباه
لعلامات اضطراب ما بعد الصدمة أو القلق المستمر وإحالة عند الحاجة.
اقرأ
أيضاً:
أطفال غزة..
كيف يعبرون «التروما»؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً