أم سلمة المخزومية.. قراءة في فقه السياسة والحكمة النسوية
في لحظات التحول
الكبرى في تاريخ الأمم، غالباً ما تبرز أسماء تكسر القواعد المعتادة؛ ولم تكن هند
بنت أبي أمية، الشهيرة بـ«أم سلمة»، مجرد زوجة في بيت النبوة، بل كانت صوت التعقل
في ذروة الأزمات،
حين وقف الرجال
مذهولين أمام صدمة الشروط في «الحديبية»، كانت هي من صاغ مخرجاً إستراتيجياً غيّر
مجرى التاريخ بكلمات معدودات.
إن استحضار سيرة
أم سلمة اليوم ليس مجرد استعراض لتاريخ مضى، بل هو استعادة لنموذج المرأة التي
تملك الرؤية الشاملة والقدرة على صناعة القرار في أحلك الظروف.
بعد إبرام «صلح
الحديبية»، شقّ على الصحابة شروط الصلح التي ظنوها مجحفة، وحزنوا لأنهم لن يدخلوا
مكة ذلك العام، عندما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنحر والحلق للتحلل من
العمرة، لم يقم منهم أحد؛ ذهولاً من الصدمة وليس عصياناً، كرر النبي صلى الله عليه
وسلم الأمر ثلاثاً، ولم يستجب أحد.
دخل النبي صلى
الله عليه وسلم على زوجته أم سلمة وهو حزين، وشكا لها حال المسلمين، هنا تجلى ذكاء
أم سلمة فهي لم تقاطعه، بل استوعبت ألم القائد وقلقه، أدركت أن الصحابة ليسوا
متمردين، بل مصدومين عاطفياً!
فقدمت الحل
الفعلي لا القولي: قالت له: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم
كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك.
وكانت النتيجة
المبهرة، بمجرد أن رأى الصحابة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، تسابقوا للاقتداء به
ونحروا وحلقوا، لقد نقلت أم سلمة الموقف من التنظير والأمر والنهي إلى القدوة
والعمل.
هذا الموقف يعد
نموذجاً للمرأة المعاصرة؛ فقد كسر الصورة النمطية، وأثبت أن الإسلام لم يحصر دور
المرأة في المنزل فقط، بل جعلها شريكاً في القرار السياسي والعسكري في أدق لحظات
الدولة.
في وقت كان فيه
كبار الصحابة في حالة غضب وحزن شديدين، بينما كانت أم سلمة هي صوت العقل الهادئ
والمنظم.
سيكولوجية الجماهير
أدركت أم سلمة
رضي الله عنها سيكولوجية الجماهير؛ أدركت أن الناس في لحظات الصدمة يحتاجون رؤية
فعل لا سماع قول، وهو جوهر القيادة الحديثة.
هذا ولا ننسى
المحطة الأولى في حياة السيدة أم سلمة وهي محطة الفقد والصمود حين أسلمت وبقيت
وحيدة في مكة بلا زوجها ولا طفلها الذي نزع منها انتزاعاً، وقضت سنة كاملة وهي
تخرج إلى الصحراء تبكي حتى المساء حتى أشفق عليها قومها.
امرأة صامدة لم
تستسلم، لم تقبل بالأمر الواقع، ولم يكسر البكاء عزيمتها.
هاجرت هذه
المرأة المسلمة الصابرة وقطعت طريقها يصحبها عثمان بن طلحة الذي لم يكن قد أسلم
بعد، ولكنه ذهل من شجاعتها وقرر مرافقتها حياء وتقديراً لمروءتها، لتؤكد بذلك أن
الاحترام ينتزع انتزاعاً بقوة الشخصية نحو هدفها؛ المدينة المنورة.
الوضوح العاطفي
محطة أخرى في
حياة هذه السيدة الصابرة، هي بعد وفاة زوجها أبي سلمة متأثراً بجراحه في غزوة «أُحد»،
حزنت عليه حزناً شديداً، فكانت تقول: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟ لكنها
استرجعت وقالت الدعاء الذي علمه لها النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أجرني في
مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها».
عندما انقضت
عدتها، أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها، هنا لم تأخذها العاطفة أو
تبهرها المكانة (رغم أنها أمنية كل مؤمنة)، بل كانت واقعية جداً وقدمت اعتذاراً
مبنياً على معرفتها بنفسها.
أرسلت إلى النبي
صلى الله عليه وسلم تقول له: إن مثلي لا ينكح، أما أنا فإني امرأة غيور (تخاف أن
تظهر منها غيرة لا تليق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم)، وامرأة مُصْبِية (لديها
أطفال يحتاجون رعاية، وتخشى أن يشغلوا النبي صلى الله عليه وسلم)، وامرأة ليس لي
وليّ شاهد (كبار قومها غائبون).
فجاء الرد
النبوي يشعر بالاحتواء والتمكين، وبمنتهى الحكمة واللطف ليحل لها هذه العُقد
النفسية والاجتماعية، فقال لها: «أما قولكِ: إني امرأة غيور، فسأدعو الله عز وجل
أن يذهب غيرتكِ، وأما قولكِ: إني امرأة مُصبية، فإنما عيالكِ عيالي (وهذا قمة
الأمان الاجتماعي)، وأما قولكِ: إنه ليس لكِ وليّ شاهد، فليس من أوليائكِ شاهد ولا
غائب إلا سيرضى بي».
فلنتأمل كيف
لهذه الثقة بالذات جعل أم سلمة بهذا الوضوح العاطفي الذي يمنع المشكلات مستقبلاً.
بعد كل هذه
المواقف تظل أم سلمة البرهان الخالد على أن عظمة المرأة تبدأ من صِدقها مع نفسها،
وتنتهي بوضع بصمتها في قلب التاريخ.
اقرأ
أيضاً:
خولة بنت
ثعلبة.. نموذج الوعي الحقوقي والمطالبة بالعدالة
خديجة بنت
خويلد.. ريادة الأعمال والاستقلال المادي المسؤول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً