الإنصاف في تزكية أهل الاختصاص
التواضع العلمي.. شهر بن حوشب وعكرمة مولى ابن عباس
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ ضِمَادِ بنِ عَامِرٍ، عَنِ الفَرَزْدَقِ بنِ جَوَّاسٍ
الحِمَّانِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ بِجُرْجَانَ، فَقَدِمَ
عَلَيْنَا عِكْرِمَةُ، فَقُلْنَا لِشَهْرٍ: أَلَا نَأْتِيْهِ؟ قَالَ: ائْتُوْهُ،
فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ إِلَاّ كَانَ لَهَا حَبْرٌ، وَإِنَّ مَوْلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ حَبْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ(1).
في مدينة جرجان،
بعيدًا عن الحجاز الذي نشأت فيه مدرسة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، دار حوار
قصير يكشف عن جانب مضيء من أخلاق العلماء، وعن منهج رفيع في توجيه طلاب العلم إلى
أهل الاختصاص، فحين قدم عكرمة مولى ابن عباس، وكان شهر بن حوشب في جرجان، سأل
أصحابه عن الذهاب إلى العالم القادم، فلم يكتفِ شهر بالإذن لهم، بل حثهم على
لقائه، وأثنى على منزلته العلمية ثناءً بالغًا.
إنها كلمات
قليلة، لكنها تفتح أبوابًا واسعة للتأمل في التواضع، وصدق الاعتراف بالفضل،
ومعايير المرجعية العلمية، وتربية الطلاب على طلب الحق من مظانه.
رحلات عكرمة في نشر العلم خارج الحجاز
وقع هذا الموقف
في جُرْجانُ، وهي مدينة تاريخية في شمال شرقي بلاد فارس، جنوب شرقي بحر قزوين،
بالقرب من طبرستان وخراسان(2).
وكانت الأقاليم
الإسلامية خلال القرن الأول الهجري وبدايات القرن الثاني تشهد حركة متزايدة في
انتقال العلماء والرواة والطلاب، مع اتساع الحاجة إلى معرفة القرآن والسنة وأحكام
الدين.
وقد اشتهر عكرمة
بكثرة الأسفار؛ فذكر الذهبي أنه سكن مكة والمدينة، وقدم مصر، ووصل إلى إفريقية
ومرو، ونقل عن العباس بن مصعب المروزي أنه كان يدور البلدان وينشر ما يحمله من علم
ابن عباس(3).
وتكشف رحلة
عكرمة عن معنى حضاري مهم؛ فالعلم لم يبقَ محصورًا في موطن نشأته، وإنما انتقل مع
حملته إلى الأقاليم البعيدة، وذلك استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا
عَنِّي وَلَوْ آيَةً»(4)، والتبليغ المسؤول يقتضي العلم بصحة
المنقول، كما يقتضي بذل الجهد في إيصاله إلى مستحقيه.
وفي عصرنا تتجدد
هذه المهمة من خلال الجامعات والمراكز العلمية والمنصات التعليمية، إذ لم تعد
المعرفة حبيسة المكان، لكن اتساع وسائل نشرها يجعل التثبت من المصادر وأهلية
المعلمين أكثر أهمية.
لماذا يدل العالم طلابه على غيره؟
أبرز ما في
الموقف جواب شهر بن حوشب حين سأله أصحابه عن الذهاب إلى عكرمة، فقال: «ائتوه»، لم
يحمل الجواب تثبيطًا عن لقاء العالم القادم، ولا محاولة لإبقاء السائلين في مجلسه،
بل جاء مشجعًا على الانتفاع بعلم آخر.
وهذا السلوك
يصلح شاهدًا على معنى التواضع العلمي، وإن كان النص لا يكشف لنا عن جميع الدوافع
الداخلية لشهر، ولا يثبت أنه كان يواجه غيرة أو حسدًا ثم تغلب عليهما، فالقيمة
الظاهرة في الخبر أنه أرشد أصحابه إلى عالم يرى فيه منزلة علمية عظيمة، قال تعالى:
(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ) (يوسف: 76).
وهذا المعنى
يربي العالم على معرفة حدود علمه، ويمنعه من تصور أن كثرة طلابه أو شهرته تغنيه عن
الاعتراف بكفاءة غيره.
وفي التعليم
والعمل، يظهر هذا الخلق حين يحيل الأستاذ طلابه إلى متخصص أقدر على بيان مسألة، أو
حين يرشح المسؤول شخصًا أكثر تأهيلًا منه لمهمة معينة، بل إن توجيه الناس إلى
الأعلم لا ينتقص من منزلة العالم، بل يكشف عن أمانته في أداء رسالته.
الاعتراف بفضل الأقران في بيئات التنافس العلمي
قد يصعب على بعض
الناس الاعتراف بتفوق معاصر لهم، خصوصًا إذا كانوا يشتركون معه في المجال نفسه؛
لأن المنافسة على المكانة قد تختلط أحيانًا بالرغبة في خدمة العلم.
لكن خبر شهر بن
حوشب يعرض نموذجًا مختلفًا؛ فهو يثني على عكرمة أمام أصحابه، ويحثهم على الاستفادة
منه، ولهذا الموقف نظير في سيرة سعيد بن جبير، أحد كبار أصحاب ابن عباس، فقد نقل
الذهبي أنه سُئل: هل يعلم أحدًا أعلم منه؟ فذكر عكرمة(5).
فإذا كان العالم
قادرًا على الثناء على غيره، أصبح الاعتراف بالكفاءة جزءًا من الثقافة العلمية،
بدل أن يكون تهديدًا للمكانة الشخصية، وقد قال تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) (الأعراف: 85)،
والآية في أصل سياقها تتعلق بالنهي عن بخس الحقوق، ويدخل في عموم معناها الأخلاقي
اجتناب إنقاص الناس ما يستحقونه من تقدير وإنصاف، ويظهر أثر غياب هذا الخلق حين
تُحجب المواهب بسبب المنافسة الشخصية، أو تُضعف جهود المتميزين خوفًا من تفوقهم، أما
المؤسسة التي يتعاون خبراؤها على إبراز الكفاءات، فإنها تحفظ مصالحها من أن تصبح
رهينة لأهواء الأفراد.
لقب «حبر الأمة».. تمحيص الشهادة وضبط دلالتها
لم يصف شهر بن
حوشب عكرمة بأنه عالم فحسب، بل استخدم لقبًا عظيمًا: «حبر هذه الأمة»، والحَبْر في
الاستعمال العربي هو العالِم المتبحر(6)، وحين يطلق هذا اللقب على
عكرمة، فإنه يعبر عن تعظيمه لعلمه وتقديره لمكانته.
ولا يلزم من
العبارة أن عكرمة كان العالم الوحيد للأمة، أو أن شهرًا قد أجرى مقارنة شاملة بين
جميع علمائها؛ فمثل هذا التعبير يحمل معنى الثناء البالغ، ولا يصح تحويله إلى حكم
حصري على جميع علماء العصر.
وقد جاءت شهادات
أخرى تعضد أصل منزلته؛ فعن جابر بن زيد قال: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا
أعلم الناس، وقال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من كرمة، وقال قتادة: أعلمهم
بالتفسير عكرمة(7).
وتكشف هذه
الشهادات أن المرجعية العلمية لم تكن لقبًا يمنحه الإنسان لنفسه، وإنما منزلة تظهر
من خلال التحصيل، وشهادة أهل العلم، وانتفاع الناس.
وهذه قاعدة
يحتاجها المجتمع المعاصر عند اختيار مرجعياته الفكرية والدينية؛ فالشهرة لا تساوي
التمكن، وكثرة المتابعين لا تقوم مقام شهادة المختصين.
لماذا لا يحتكر عالم واحد جميع العلوم؟
من الدلالات
المهمة في شهادة شهر لعكرمة أنها لا تعني إلغاء مكانة بقية العلماء، بل يمكن فهمها
في ضوء تنوع الكفاءات العلمية في عصر التابعين.
وقد تأسس هذا
على ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من تنوع الكفاءات في الصحابة الكرام، فعَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ»(8).
وقد نقل الذهبي
عن قتادة تمييزه بين عدد من العلماء بحسب مجالات تميزهم؛ فذكر الحسن البصري في
الحلال والحرام، وعطاء بن أبي رباح في المناسك، وعكرمة في التفسير، كما نقل رواية
أخرى عن قتادة فيها تقديم سعيد بن جبير في التفسير، وعكرمة في سيرة النبي صلى الله
عليه وسلم(9)، ويكشف اختلاف الروايتين عن طبيعة هذه التقديرات؛ فهي
شهادات علمية بحسب المعرفة والاعتبار، وليست ترتيبًا نهائيًا ثابتًا لجميع
التخصصات، وفي ذلك معنى مهم: العالم قد يتميز في باب، بينما يتفوق غيره في باب
آخر.
وقد قال الإمام
النووي عند حديثه عن آداب الفتوى إن من الواجب مراعاة أهلية المفتي، ونقل عن
الإمام مالك قوله: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك(10)، وهذه
الشهادة لا تتعلق بكثرة الأتباع، وإنما بأهلية العلم وتحمل مسؤوليته.
وفي المؤسسات
المعاصرة، يقتضي ذلك توزيع المهام بحسب التخصص، وعدم مطالبة شخص واحد بالإجابة عن
جميع المسائل، مهما بلغت شهرته أو مكانته.
كيفية الجمع بين توقير العلماء ونقد مروياتهم؟
إن وصف شهر
لعكرمة بالحَبْر لا يعني أن أقوال عكرمة صارت معصومة من الخطأ، أو أن تعظيم علمه
يمنع مراجعة رواياته، ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين تقدير العالم وبين التسليم
المطلق بكل ما يقول، وقد روى الذهبي أن عددًا من أصحاب ابن عباس، منهم سعيد بن
جبير وعطاء وطاووس، اجتمعوا إلى عكرمة يسألونه عن حديث ابن عباس، وكان سعيد يوافقه
على ما يرويه، حتى وقع بينهما اختلاف في أحد تفاصيل قصة موسى والخضر، فاحتمل أيوبالسختياني أن ابن عباس قد ذكر الوجهين(11)، فهذه الصورة تكشف عن بيئة
علمية تجمع بين احترام المعرفة والحرص على التحقق، وقد تناول علماء الحديث عكرمة
بالتوثيق والنقد، وعرض الذهبي في ترجمته جملة من الأقوال المختلفة فيه، إلى جانب
اعتماد عدد من كبار المحدثين على رواياته، وهذا يبين أن الإنصاف العلمي لا يقوم
على إلغاء النقد، ولا على تجريح الأشخاص لمجرد الاختلاف معهم.
وفي حياتنا
الفكرية، تتجدد الحاجة إلى هذا المنهج؛ فلا تتحول مكانة العالم إلى مانع من
مناقشته، ولا يتحول الخطأ الجزئي إلى ذريعة لإهدار جميع جهوده.
شجاعة المسؤول في تمكين من يفوقه خبرة
تقدم لنا
استجابة شهر بن حوشب لأصحابه نموذجًا تربويًا يمكن الإفادة منه في القيادة
المعاصرة؛ فحين سُئل عن الانتفاع بعكرمة، لم يحصر التعلم في مجلسه، بل وجه أصحابه
إلى العالم الذي يرى فيه فضلًا عظيمًا، والدلالة هنا ليست في افتراض صراع داخلي
خفي عند شهر، وإنما في سلوكه الظاهر الذي جعل مصلحة المتعلمين مقدمة على حصرهم في
مصدر واحد للمعرفة.
وهذا يلتقي مع
ما نقل عن الإمام مالك من ضرورة سؤال أهل العلم عن أهلية المتصدر، ومع ما ظهر من
تقدير سعيد بن جبير وجابر بن زيد لعلم عكرمة؛ فالمعلم الواثق لا يتردد في إحالة
تلميذه إلى من يفيده، والقائد المخلص لمهمته لا يحجب عن فريقه فرصة الانتفاع بخبرة
أفضل.
وفي المؤسسات قد
تظهر آثار عكس هذا المنهج عندما يمنع المسؤول العاملين من التعلم خارج نطاق
إشرافه، أو ينظر إلى ظهور الكفاءات الجديدة باعتباره تهديدًا شخصيًا.
أما القيادة
الرشيدة فتجعل تنمية الآخرين جزءًا من نجاحها، وتبني بيئة تتيح تبادل الخبرات،
وتقديم الأكفأ للمهمة المناسبة.
إن هذا السلوك
يحتاج إلى قدر من الإنصاف وضبط النفس، وإلى إدراك أن المعرفة لا تنقص بانتقالها
إلى الآخرين، وإنما يزداد أثرها حين تتسع دائرة المنتفعين بها.
معايير اختيار المرجعية الدينية بين التزكية والشهرة
كان شهر بن
حوشب، في هذا الخبر، يؤدي دورًا مهمًا في توجيه أصحابه إلى مرجعية علمية معروفة، ولم
يكن توجيهه قائمًا على إعلان دعائي مجرد، وإنما جاء متصلًا بمنزلة عكرمة التي شهد
بها عدد من علماء عصره.
غير أن بناء
المرجعيات يحتاج إلى الحذر من المبالغة في تعظيم الأشخاص؛ إذ لا يصح أن يتحول
العالم إلى رمز تُترك بسببه الأدلة، أو يُغلق باب الانتفاع بغيره.
وقد قال الشاطبي
عند حديثه عن الافتراق واتباع الرجال: إن الاعتصام إنما يكون بالأدلة الشرعية، لا
بمجرد التعصب للأشخاص، وهو معنى ظاهر في منهجه في نقد التقليد المفضي إلى الفرقة(12).
وتتأكد هذه
الفكرة في واقع الإعلام؛ حيث تستطيع الحملات الدعائية أن تصنع شهرة واسعة في وقت
قصير، دون أن يصاحبها تأهيل علمي حقيقي.
والمعيار الذي
توحي به سيرة عكرمة هو اجتماع المعرفة الراسخة، وشهادة أهل الاختصاص، وحسن الأداء،
وقبول المراجعة.
فالمجتمع لا
يحتاج إلى صناعة رموز منزّهة عن النقد، وإنما إلى إبراز أهل العلم والفضل وتيسير
الانتفاع بهم، مع بقاء مرجعية الكتاب والسُّنة فوق منزلة الأشخاص.
ومن هذا الموقف
تتجلى معانٍ جديرة بالبقاء: أن العلم لا تحكمه حدود الأقاليم، وأن العالم لا تنقص
مكانته حين يثني على غيره، وأن المعرفة لا تُقاس بالأنساب، وأن توجيه المتعلمين
إلى أهل الاختصاص أمانة تربوية.
كما تكشف
الشهادات المتعددة لعكرمة أن المكانة العلمية تنمو بالتحصيل والانتفاع وشهادة أهل
المعرفة، لا بمجرد الألقاب أو الشهرة.
ولعل أجمل ما في الموقف أن شهرًا لم يجعل نفسه حائلًا بين أصحابه وبين عالم آخر، بل كان طريقًا يدلهم عليه، فالعالم العظيم ليس من يريد أن تتجه إليه الأنظار وحده، وإنما من يعرف أهل الفضل، ويعين الناس على الوصول إليهم.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 15).
- 2 معجم البلدان: ياقوت الحموي (2/ 119).
- 3 سير أعلام النبلاء (5/15).
- 4 صحيح البخاري (3461).
- 5 سير أعلام النبلاء (5/ 17).
- 6 المعجم الوسيط (1/ 151).
- 7 صفة الصفوة (1/ 359).
- 8 سنن الترمذي، بسند صحيح (3790).
- 9 سير أعلام النبلاء (5/ 17).
- 10 المجموع شرح المهذب (1/ 41).
- 11 سير أعلام النبلاء (5/ 17).
- 12 الاعتصام (2/ 865).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً