صفقة ماليزيا وميانمار.. هل تفتح طريق العودة أمام الروهنجيا؟

سيف باكير

20 سبتمبر 2026

24

لاجئون من الروهينغا يحملون أمتعتهم ويسيرون على الشريط الساحلي

لم يعد ملف الروهنجيا في ماليزيا مجرد قضية لجوء ممتدة، بعدما دخلت كوالالمبور في مسار دبلوماسي جديد مع ميانمار، يقوم على التفاوض بشأن إعادة آلاف اللاجئين، بالتزامن مع إعلان رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم عزمه دعوة رئيس ميانمار مين أونغ هلاينغ إلى زيارة رسمية.

وتأتي الخطوة فيما تستعد ماليزيا لبدء المرحلة الأولى من برنامج إعادة لاجئين من ميانمار، في 29 سبتمبر 2026م، في وقت لا تزال فيه ظروف العودة محل جدل، وسط تحذيرات أممية من استمرار النزاع والعنف داخل ميانمار.

صفقة العودة.. ماذا تريد ماليزيا من ميانمار؟

قال رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، الأربعاء 16 سبتمبر 2026م: إنه سيدعو رئيس ميانمار مين أونغ هلاينغ إلى زيارة رسمية، في إطار محاولة للدفع بملف إعادة اللاجئين، وفي مقدمتهم الروهنجيا.

وبحسب وكالة «رويترز»، أوضح إبراهيم أن ماليزيا، على غرار رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، لا تعترف بالحكومة الجديدة في ميانمار، لكنها تحتاج إلى جهة يمكنها التفاوض معها بشأن إعادة اللاجئين.

وقال رئيس الوزراء الماليزي: إن دعوة مين أونغ هلاينغ تهدف إلى فتح باب للتعاون، بما في ذلك التجارة والعلاقات الثنائية، مقابل قبول ميانمار عودة مواطنيها الموجودين في ماليزيا.

ويرى إبراهيم أن الحوار يمكن أن يكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بانتقاد ميانمار، مشيرًا إلى أن بلاده تحتاج إلى طرف يمكن التفاوض معه بشأن مصير اللاجئين.

5 آلاف لاجئ على طريق العودة

تعود جذور التحرك الماليزي الحالي إلى إعلان إبراهيم، في يوليو الماضي، أن ميانمار وافقت على استقبال 5 آلاف من الروهنجيا الموجودين في ماليزيا.

وبحسب وكالة «رويترز»، جاءت الموافقة في ظل مساعٍ ماليزية لمعالجة ملف الروهنجيا، بالتزامن مع تزايد التوترات بين بعض اللاجئين والمجتمعات المحلية في البلاد.

وفي أغسطس الماضي، أعلنت ماليزيا استكمال المرحلة الأولى من برنامج العودة الطوعية، على أن تبدأ في 29 سبتمبر الجاري وتضم نحو 1500 شخص من لاجئي ميانمار.

وأفادت الوكالة بأن البرنامج يمثل المرحلة الأولى من اتفاق أوسع لإعادة نحو 5 آلاف شخص.

لكن أعداد المرحلة الأولى لا تعني بالضرورة أن جميع العائدين من الروهنجيا؛ إذ إن اللاجئين القادمين من ميانمار في ماليزيا ينتمون إلى مجموعات إثنية متعددة.

الروهنجيا في ماليزيا.. أرقام كبيرة

تستضيف ماليزيا واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين القادمين من ميانمار في المنطقة؛ فوفق «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها في ماليزيا نحو 215600 شخص حتى نهاية فبراير 2026م، بينهم 193824 من ميانمار.

وتشير بيانات المفوضية إلى وجود أكثر من 126 ألفًا من الروهنجيا في ماليزيا؛ ما يجعلهم أكبر مجموعة لاجئة من ميانمار في البلاد.

وتعيش أزمة الروهنجيا منذ سنوات على وقع النزوح واللجوء، بعدما فر مئات الآلاف من أفراد الأقلية من ميانمار، فيما يستضيف بنغلاديش أكثر من مليون منهم في مخيمات مكتظة.

العودة الطوعية.. أين تقف ضمانات الأمان؟

في مقابل الدفع الماليزي نحو إعادة الروهنجيا، تبرز مسألة أساسية تتعلق بظروف العودة ومدى توافر شروط الأمان.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: إنها لا تشارك في برنامج الإعادة الماليزي، فيما حذرت من أن ميانمار لا تزال غير آمنة بسبب استمرار النزاع المسلح والعنف.

ووفق «رويترز»، شددت المفوضية على أن أي عودة ينبغي أن تكون طوعية ومستنيرة وآمنة وكريمة، وألا تتم إعادة اللاجئين إلى أماكن قد تتعرض فيها حقوقهم للخطر.

وهنا يبرز الفارق بين الموافقة على العودة وتوافر الظروف التي تجعلها عودة آمنة ومستدامة؛ فإعادة اللاجئين لا تنتهي عند وصولهم إلى ميانمار، وإنما تبدأ بعدها أسئلة الأمن والسكن والحقوق والقدرة على استعادة حياة مستقرة.

لماذا يصعب حسم ملف الروهنجيا؟

لا ترتبط أزمة الروهنجيا بوجودهم خارج ميانمار فقط، بل تمتد إلى أوضاعهم القانونية والحقوقية والإنسانية داخل البلاد، ويشير «مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في آسيا والمحيط الهادئ» إلى أن تصاعد العنف والنزاع المسلح في ميانمار أدى إلى موجات نزوح جديدة، فيما لا تزال الحاجة قائمة إلى حلول مستدامة للاجئين من ميانمار، تشمل العودة الطوعية وإعادة التوطين.

كما أفادت «رويترز» نقلًا عن تقرير أممي، بأن أوضاع حقوق الإنسان في ميانمار تدهورت خلال الفترة الممتدة من يونيو 2025 إلى مايو 2026م، مع استمرار النزاع والانتهاكات والنزوح.

وتجعل هذه الظروف مسألة العودة أكثر تعقيدًا، خصوصًا بالنسبة إلى الروهنجيا الذين عانوا على مدى سنوات من التمييز والعنف والنزوح.

دبلوماسية ماليزيا.. هل تنجح في فتح الباب؟

تقدم كوالالمبور تحركها باعتباره محاولة لاستخدام الدبلوماسية للوصول إلى نتيجة عملية في ملف اللاجئين، بدل الاكتفاء بالمواقف السياسية تجاه ميانمار.

وقال إبراهيم: إن ماليزيا لا تستطيع استضافة اللاجئين بصورة دائمة، وإن التفاوض مع السلطات في ميانمار يمثل وسيلة للتعامل مع القضية، حتى في ظل عدم اعتراف ماليزيا بالحكومة الجديدة.

وتكتسب دعوة مين أونغ هلاينغ أهمية خاصة؛ إذ إن الرجل، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2021م، أصبح رئيسًا لميانمار في أبريل الماضي، بعد انتخابات هيمن عليها حزب مدعوم من الجيش، وفق ما أوردته «رويترز».

وبذلك تحاول ماليزيا الجمع بين مسارين متوازيين؛ عدم الاعتراف السياسي بالحكومة الجديدة، مع إبقاء قناة تفاوض عملية معها لمعالجة ملف اللاجئين.

بين العودة والضمانات.. ماذا ينتظر الروهنجيا؟

تضع الخطة الماليزية ملف الروهنجيا أمام اختبار جديد؛ فنجاح عملية العودة لا يرتبط فقط بعدد من سيغادرون ماليزيا، وإنما بقدرة العائدين على الوصول إلى بيئة آمنة ومستقرة تحفظ حقوقهم وكرامتهم.

ومن جانبها، تؤكد كوالالمبور أن العملية طوعية، فيما تشدد المفوضية الأممية على ضرورة أن تكون العودة مستنيرة وآمنة وكريمة.

وبينما تبدأ ماليزيا أولى مراحل إعادة لاجئي ميانمار، يبقى السؤال الأوسع: هل تستطيع الصفقة بين ماليزيا وميانمار أن تفتح طريقًا حقيقيًا وآمنًا لعودة الروهنجيا، أم أن استمرار النزاع سيبقي العودة مؤجلة؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة