; أزمة مسلمي فطاني.. كيف تديرها ماليزيا مع تايلاند؟ | مجلة المجتمع

العنوان أزمة مسلمي فطاني.. كيف تديرها ماليزيا مع تايلاند؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر السبت 17-ديسمبر-2005

مشاهدات 68

نشر في العدد 1681

نشر في الصفحة 32

السبت 17-ديسمبر-2005

 تحاول إخماد الإثارة والاستفزازات وتجنح نحو الحلول السلمية والتنموية لهذه المشكلة التاريخية

الوضع المتأزم في جنوب تايلاند والتوتر في العلاقات لم يؤثرا على السير الطبيعي للمشاريع الاستثمارية الماليزية في تايلاند 

بدلًا من أن تعيد تايلاند النظر في سياساتها تجاه المسلمين في الجنوب وجهت أصابع الاتهام إلى جهات في كوالالمبور بتسهيل الطريق لهم لدخول ماليزيا

   ماليزيا: عبد الحميد الصالحي 

تتميز ماليزيا عن غيرها من الدول النامية بتنوع تجاربها التنموية الناجحة التي أكسبتها مكانة مرموقة تحسد عليها، فهي لم تتفوق في المجال الاقتصادي فحسب بل استطاعت عبر تجربتها التنموية المتميزة أن تؤمن أوضاعها الاقتصادية والأمنية الداخلية، بالرغم من تباين تركيبة شعبها الذي ينحدر من أعراق وثقافات وديانات غير متجانسة. 

تلك التجربة أكسبت ماليزيا أيضًا خبرة خاصة أفادتها في إدارة الاضطرابات التي قد تتسبب في إحداث قلاقل تمس بسلامة استقرارها القومي. ويمكننا أن نستشف ذلك بالنظر إلى كيفية إدارة ماليزيا لعلاقاتها مع جارتها تايلاند فيما يتعلق بمشكلة نزوح اللاجئين المسلمين إليها من مقاطعات جنوب تايلاند المسلم إثر الاضطرابات الأخيرة، وحتى من خلال طريقة تفنيدها لمزاعم وجود إرهابية على أراضيها لمن تسميهم الحكومة التايلاندية بالإرهابيين أو الانفصاليين الجنوبيين.  

الملاذ الآمن 

لقد أدت القلاقل التي اجتاحت ولا تزال تجتاح مقاطعات جنوب تايلاند مؤخرًا إلى نزوح أعداد من المسلمين التايلانديين الذين اتخذوا من الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة ماليزيا ملاذًا آمنًا لهم، غير أن اللافت للنظر أن الوضع المتأزم في جنوب تايلاند والتوتر الطفيف في العلاقات السياسية بين الجارتين جراء تلك الاضطرابات لم يؤثرًا على السير الطبيعي للمشاريع الاستثمارية الماليزية في تايلاند ولا حتى على حركة السياحة في ماليزيا والقادمة إليها تحديدًا من تايلاند. 

وفي هذا الإطار عندما سئل رئيس وزراء ماليزيا عبد الله أحمد بدوي في مؤتمر صحفي عقده بلندن قبيل أسابيع عن مدى تأثير تلك الاضطرابات وعن أنباء نزوح اللاجئين وانعكاسات ذلك على استقرار الأوضاع في الولايات الشمالية الشرقية لماليزيا ، قال إن الحكومة الماليزية مهتمة بمشكلة الاضطرابات في جنوب تايلاند، غير أن ذلك لم يؤثر سلبًا على ماليزيا في أي شيء في الوقت الراهن وأضاف مؤكدًا أن الحكومة الماليزية بصدد التشاور مع الحكومة التايلاندية حول التطورات الأخيرة والمتكررة في جنوب تايلاند وحول تحركات اللاجئين النازحين إلى ماليزيا، معبرًا عن أمله في إمكان فعل شيء لمساعدة اللاجئين المسلمين الذين تربطهم بعائلات ماليزية علاقات مصاهرة وقرابة متجذرة. ومعلقًا عن الموضوع نفسه في مكان آخر قال بدوي إن مشكلة جنوب تايلاند حسّاسة لأنها تتعلق بالمسلمين لذلك فهو يأمل من الحكومة التايلاندية أن تحل المشكلة بطرق ودّية وسلمية حتى لا تهمش مصالح رعاياها الساكنين بالجنوب التايلاندي الذي يدين معظم قاطنيه بالدين الإسلامي. 

وقد بادرت ماليزيا إلى الإعلان عن رغبتها في تقديم يد العون إلى المسلمين التايلانديين الجنوب، حيث تحمس مسؤولو الشباب الماليزي منذ الوهلة الأولى من نشوب تلك الاضطرابات في الجنوب التايلاندي وسارع جناح شباب منظمة الملايو القومية المتحدة - أو ما يعرف بحزب «أمنو» بالتعاون مع شبا التحالف الوطني - إلى الإعلان عن استعدادهم لإرسال مساعدات للاجئين التايلانديين المسلمين في الجنوب، إذا سمحت الحكومة التايلاندية بذلك. واعتبر البعض أن تلك المبادرة تعتبر خطوة إيجابية نحو تعزيز التعاون الثنائي بين ماليزيا وتايلاند ولا تعتبر بأي حال من الأحوال تدخلًا في الشأن الداخلي لتايلاند. 

اتهامات متكررة وفي تايلاند صدرت ردود أفعال عديدة من قبل مسؤولين في الحكومة التايلاندية جراء نزوح بعض المسلمين من جنوب البلاد إلى شمال ماليزيا فبدلًا من أن تعيد تايلاند النظر في سياساتها تجاه رعاياها من المسلمين القاطنين جنوب البلاد راحت توجه أصابع الاتهام إلى جهات معينة في ماليزيا تتهمها بتسهيل الطريق إليهم للدخول إلى ماليزيا. ففي البداية اتهمت الحكومة التايلاندية منظمة فطاني بتحريض المسلمين في الجنوب على النزوح إلى ماليزيا يوم ۲۰ أغسطس ٢٠٠٥م بهدف الإساءة إلى سمعة الحكومة التايلاندية. غير أن منظمة تحرير فطاني المتحدة نفت بشدة ذلك الادعاء، حسبما ورد في البيان الذي تلقته صحيفة الوطن التايلاندية من مكتب المنظمة، كما نفت المنظمة أيضًا علاقتها بمنظمة حقوق الإنسان الملايوية بقطاني والتي قامت بإجراء اتصالات مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للاهتمام بهؤلاء اللاجئين. 

 وأفاد البيان أن المنظمة الحقوقية الفطانية أسسها الشعب القطاني المغلوب على أمره بعد الأحداث الدموية التي وقعت أمام مخفر شرطة دائرة تاكباي التايلاندية في شهر رمضان المبارك من العام الماضي، مضيفًا أن المسلمين التايلانديين الذين فروا من بلادهم قد طلبوا اللجوء السياسي في ماليزيا نتيجة معاملة الحكومة التايلاندية السيئة لهم والتي يغلب عنها طابع الظلم والقمع والاغتيالات التي تقوم بها السلطات في حق المسلمين الأبرياء وخاصة الأئمة ا والمدرسين الدينيين وأن المنظمة ليس لها أية علاقة بهؤلاء اللاجئين على الإطلاق. 

ولم تقف الحكومة التايلاندية عند هذه التهم فقط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث صدرت تصريحات لوزير الدفاع التايلاندي ثمارك إسارانجورا مفادها أن أعضاء من حركة انفصالية مسلمة قد تسربت إلى أرخبيل جزيرة لانكاوي الواقعة قبالة ساحل ولاية قدح شمال ماليزيا. كما ادعى الوزير وجود أنشطة للانفصاليين في تلك الجزيرة، بما في ذلك أنهم عقدوا اجتماعًا بهدف التخطيط للثورة والتمرد في جنوب تايلاند. 

دعوة للتعاون، أما في ماليزيا فقد نفى وزير الدفاع الماليزي نجيب عبد الرزاق نبأ اختباء عدد من أعضاء تلك الحركة في الأراضي الماليزية حال الإعلان عنه. وأشار إلى أن هذا الخبر يعتبر مجرد تخمين وليس أكثر، إذ لم يصدر حتى ذلك الحين تقرير من أي جهة رسمية أو طلب من تايلاند لإلقاء القبض عليهم إذا ثبت أنهم مختبئون فعلًا في ماليزيا، كما أكد نجيب استعداد حكومة بلاده للتعاون مع تايلاند إذا تلقت معلومات أكيدة حول نزوحهم إلى أراضيها. 

 ودعا الوزير كلًا من ماليزيا وتايلاند إلى ضرورة إقامة تعاون وثيق بينهما للسيطرة على أمن مناطق الحدود المشتركة حيث إنه تفى بكل حزم الأقوال التي تزعم وجود انشطة لما يسمى بالإرهابيين التايلانديين في جزيرة لانكاوي الماليزية أو في أي مكان آخر من ماليزيا. كما نفى أن تايلاند قد نقلت مشكلتها إلى ماليزيا أو أن ماليزيا قد نقلت مشكلتها إلى تايلاند لكنه في الوقت نفسه دعا تايلاند إلى ضرورة التنسيق والتعاون للسيطرة على الحدود البرية والبحرية بين البلدين، كما دعت ماليزيا أيضًا إلى ضرورة أن تقوم تايلاند بإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية شامة على طول الشريط الحدودي للبلدين، والتي تسكنها أغلبية مسلمة وذلك كي تتحقق المساواة ويحصل المسلمون على فرص عمل ويشعروا بالعناية والاهتمام من قبل حكومة بانكوك التي يتهمونها دائمًا بالتقصير المستمر في حقهم وعدم الاكتراث بمشكلاتهم على اعتبار أنهم مسلمون وليسوا بوذيين. 

إدارة الصراع 

ويقول المراقبون -إضافة إلى تصرف ماليزيا السياسي في تسوية نزاعاتها مع جارتها الشمالية- يلاحظ أن ماليزيا تحاول دائمًا إدارة المشكلة العالقة والمستجدة في أن واحد بالميل إلى إخماد الإثارة والاستفزازات التي قد تتسبب في إلحاق أضرار داخلية تمس اقتصادها أو تتسبب في توتر العلاقة الثنائية بينها وبين تايلاند، وبالرغم مما رأيناه من انفعال انتاب مسؤولين في الحكومة التايلاندية وإصدار بعضهم أحكامًا لا تستند إلى أدلة مادية مما يشجع على تصعيد المسألة، إلا أن تصريحات المسؤولين في الحكومة الماليزية تجنح دائمًا نحو تفضيل الحلول السلمية والتنموية لهذه المشكلة التاريخية ودون توجيه عتاب مباشر للمسؤولين التايلانديين أو اتهامهم بالتقصير بشكل واضح. 

فماليزيا لا تريد إثارة الموضوع بصورة أكبر أو إعطاءه مساحة إعلامية في الصحف والجرائد أكثر مما يستحق، فهي أيضًا ليس في صالحها أن يثير الموضوع ضجة إعلامية تشير باستمرار إلى وجود إرهابيين أو انفصاليين تايلانديين أو أجانب على جزرها أو في مدنها حيث يؤثر ذلك على اقتصادها وعلى الصناعة السياحية لديها وعلى سمعتها كبلد حقق نهضة تنموية متميزة وكونها بلدًا يتزعم منظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الانحياز إلى جانب أنها تتطلع إلى أن تكون في مصاف الدول المتقدمة بحلول عام ٢٠٢٠م. 

الرابط المختصر :