أسئلة المصير الثلاثة (2 - 3)

ما دينك؟

د. أحمد عيسى

28 سبتمبر 2026

30

ما دينك؟

ما زلنا مع الأسئلة الثلاثة التي سنُسأل عنها في القبر، وأن الله يثبت الذين آمنوا بإجاباتها؛ لأنهم في الدنيا عرفوا مَن ربُهم وما دينهم ومَن رسولهم، وفي هذا المقال نأتي للسؤال الثاني: ما دينك؟

يقول المؤمن: وديني الإسلام.

ودين الإسلام هو ما شرعه الله لعباده من أحكام وأوامر، وما يتدين به الإنسان ويتبعه في حياته من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وحدود.

1- العقائد: التي تتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتب السماوية، وهي ما يوقن به القلب.

2- العبادات: وهي الشعائر التعبدية التي تؤكد خضوع الإنسان للخالق.

3- المعاملات: الأحكام التي تنظم علاقات الناس المالية والمدنية، وتقوم على مبادئ العدل والرضا والشفافية التي تهدف لحفظ الحقوق ومنع النزاعات بتحريم الربا، والغش، والاحتيال.

4- الأخلاق: منظومة القيم والمبادئ الإلهية التي تنظم سلوك الإنسان، وتعد جوهر الدين ورُوحه، هدفها بناء الفرد الصالح والمجتمع المتكامل، وتتجلى في الصدق، الأمانة، العدل، والرحمة، والوفاء والمروءة، والحياء والعفة، وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم الغاية من بعثته بقوله: «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ وفي روايةٍ (صالحَ) الأخلاقِ» (أحمد بسند صحيح).

يقول المؤمن: وديني الإسلام وهو الطاعة، والخضوع، والانقياد، والحساب والجزاء.

يتجلى مفهوم الإسلام بالمعنى الشامل بوصفه استسلامًا وانقيادًا لله تعالى ودينًا لجميع الأنبياء، والمعنى الخاص المتمثل في الشريعة الخاتمة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {161} قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام).

يقول المؤمن: وديني الإسلام، دين الوسطية، وهي كامنة في الاعتقاد، والعبادات، والأخلاق، والتشريع.

ففي مجال الاعتقاد نجد الإسلام وسطاً بين الخرافيين الذين يؤمنون بغير برهان، وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس، وهو وسط بين الذين يؤلِّهون الإنسان، والذين جعلوه أسير جبرية اقتصادية أو اجتماعية أو دينية محرفة.

وهو وسط بين الذين يؤمنون بالعقل وحده مصدراً لمعرفة حقائق الوجود، والذين لا يعترفون للعقل بدور في نفي أو إثبات.

وفي مجال العبادات والشعائر؛ فالإسلام وسط بين الأديان والنِّحَل التي ألغت الجانب الرباني من فلسفتها وواجباتها، والتي طلبت التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والإنتاج.

وفي مجال الأخلاق نجد الإسلام وسطاً بين روحانية الروح وشهوانية الجسد، وفي مجال التشريع نجد الإسلام وسطاً في التحليل والتحريم، بين اليهودية التي أسرفت في التحريم، مما حرَّمه إسرائيل على نفسه، ومما حرَّمه الله على اليهود جزاء بغيهم وظلمهم، والمسيحية التي أسرفت في الإباحة حتى أحلت المنصوص على تحريمه في التوراة.

فالإسلام جعل التحليل والتحريم من حق الله وحده، ولم يُحرم إلا الخبائث الضارة، كما لم يُحل إلا الطيبات النافعة.

يقول المؤمن: ديني الإسلام؛ لأنه عرف في الدنيا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنيَ الإسلامُ على خَمسٍ: شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَومِ رَمَضانَ» (رواه البخاري).

وأول قواعد الإسلام التي تُلهم المسلمَ وتثبته أن يجيب: ديني الإسلام؛ هي الشهادتان، فشَهادة أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ هي نفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، وإثباتُها لله عز وجل، فلا معبود بحق إلا الله.

وأما شهادة أن محمداً رسول الله؛ فهو التصديق الجازم من صميم القلب المواطئ لقول اللسان بأن محمداً هو عبدُ الله ورسولُه إلى كافة الناس، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وألا يُعبد اللهُ إلا طبقاً لسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

يقول المؤمن: ديني الإسلام؛ لأنه التزم بعبادات الإسلام التي تسهم في تهذيب الأخلاق، حرصاً على إبراز الصورة السويّة للإنسان الذي صاغه الإسلام، فلا يوجد انفصام في شخصيته، بحيث يكون في محراب العبادة ملاكاً متبتلاً، وفي ميادين العمل والمعاملات شيطاناً ظالماً! فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ ‌تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: 45).

ماذا يغني المسلم أن يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ثم إذا باع غش، وإذا تكلم كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر؟

والزكاة تطّهر النفس وتزكيها: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ‌صَدَقَةً ‌تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: 103)، والصيام يهدف إلى تحقيق التقوى، والحج يمنع من الرفث والفسوق والجدال.

يجمع ذلك كله قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لسانِه ويَدِه» (رواه البخاري)، فهو التحلي بالآداب والأخلاق الإسلامية، التي تزيد الألفة والمودة بين المسلمين، والمسلم الكامل الجامع لخصال الإسلام هو من لم يؤذ مسلماً بقول ولا فعل.

يقول المؤمن: ديني الإسلام؛ والدين هو المُلك والحُكم والسلطان والطريقة والسياسة، والمذهب والشريعة والملّة، والقانون وهو الأمر الكلي الذي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرف أحكامها منه، كقوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) (يوسف: 76)، لم يكن للنبي يوسف عليه السلام أن يتمكن من أخذ أخيه طبقاً لشريعة وحكم ملك مصر (دين الملك)، ذكره الطبري وابن كثير عن ثلة من المفسرين؛ الضحاك، وقتادة، والسدي.

فما كان يمكنه أن يأخذ أخاه ويحتجزه بحكم قانون مَلك مصر وقضائه، ولكن في دين أخوة يوسف أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان مِلكا لصاحب المال المسروق.

وفي قول الله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: 26)؛ فكلمة «الدين» أريد بها الدولة ونظامها، فكان مما يخشاه فرعون ويعلنه أنه إن نجح موسى عليه السلام في دعوته، فإن الدولة ستدول، ونظام الحياة القائم على حاكمية الفراعنة والقوانين والتقاليد الرائجة سيقتلع من أصله.

ثم إما أن يقوم مقامه نظام آخر على أسس مختلفة جداً، وإما ألا يقوم بعده أي نظام، بل يعم كل المملكة الفوضى والاختلال.

قال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وإنه ليس نبيٌّ بعدي» (رواه البخاري، ومسلم).

والملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حراس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان.

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ مِن دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفِروا لأخيكُم، وسَلوا لَهُ التَّثبيتَ، فإنَّهُ الآنَ يُسأَلُ» (صحيح أبي داود)؛ أي: ادعوا الله أن يُثَبِّتَه في الجَواب على الملَكَين حين يسأَلانِه عن ربِّه وعن دِينه ورسوله الذي أُرسل إليه؛ «فإنَّه الآن يُسأَلُ»؛ أي: حين فرغوا مِن دفنه.

فاللهم ثبتنا واجعلنا ممن يعيش على الإسلام، ويموت على الإسلام، ويبعث على الإسلام.

الهوامش
  • 1 الخصائص العامة للإسلام، القرضاوي، 152-156.
  • 2 المصطلحات الأربعة في القرآن، أبو الأعلى المودودي.
  • 3 شرح النووي على صحيح مسلم، ص 542.
  • 4 إحياء علوم الدين، الغزالي، ج1، ص17.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة