بين خشوع الصلاة والوفاء للصحابة وأمانة الرواية

أبو صالح السمان.. 9 وقفات بين رقة القلب وأمانة الرواية

رجل يجلس في بين اصحابه وهو يبكي ويظهر عليه التأثر، وهم يجتمعون حوله في مجلس العلم

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة التابعي ذكوان بن عبدالله أبي صالح السمان(1)، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عبدالله يَقُولُ: كَانَتْ لِأَبِي صَالِحٍ لِحْيَةٌ طَوِيلَةٌ، فَإِذَا ذُكِرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَكَى فَارْتَجَّتْ لِحْيَتُهُ، وَقَالَ: هَاهْ، هَاهْ، وَذَكَرَ أَبُو عبدالله مِنْ فَضْلِهِ.

وعن حَفْص بن غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ مُؤَذِّنًا فَأَبْطَأَ الْإِمَامُ، فَأَمَّنَا، فَكَانَ لَا يَكَادُ يُجِيزُهَا مِنَ الرِّقَّةِ وَالْبُكَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ صَالِحُ الْحَدِيثِ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ إِذَا رَأَى أَبَا صَالِحٍ قَالَ: مَا عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، قُلْتُ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ(2).

وكان أبو صالح السمان إذا ذُكر عنده عثمان بن عفان رضي الله عنه بكى حتى ارتجت لحيته، وكان يقول: «هاه، هاه»، وكان أبو صالح السمان مؤذناً، فإذا أبطأ الإمام تقدم فأمّ الناس، فلا يكاد يجيز الصلاة من الرقة والبكاء، وقال أبو حاتم فيه: «ثقة صالح الحديث يحتج بحديثه»، وكان أبو هريرة إذا رآه قال: «ما على هذا ألا يكون من بني عبد مناف(3)»، توفي سنة إحدى ومائة للهجرة.

تلفت الدموع النظر في هذه الأخبار، غير أن الوقوف عندها وحدها يحجب جانباً مهماً من دلالتها، فالرجل الذي تصفه الرواية بالرقة والبكاء تصفه كتب الرجال بالثقة والاحتجاج بحديثه، والذي عُرِف بالأذان تقدم للإمامة حين تأخر الإمام، نحن أمام معانٍ متجاورة تستحق أن تُقرأ معاً: عاطفة لا تلغي الأمانة العلمية، وعبادة لا تنفصل عن خدمة الناس، ومكانة لا تحتاج إلى زخرف اجتماعي، فهم هذه المعاني يقتضي التمييز بين الخبر المنقول وما يحتمله من دلالات.

بائع السمن أبو صالح السمان الذي صار من كبار المحدثين

كان أبو صالح السمان ذكوان بن عبدالله الزيات من كبار علماء المدينة من التابعين، ولد في خلافة عمر بن الخطاب، ولازم أبا هريرة مدة، وروى عن جماعة من الصحابة، حمل عنه العلم ابنه سهيل، والأعمش، وزيد بن أسلم، وكانت وفاته سنة إحدى ومائة للهجرة، وعيّن المزي ولاءه لجويرية بنت الأحمس الغطفاني؛ وينبغي التفريق بينها وبين أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، وعدم بناء سيرته على الخلط بين الاسمين.

تذكر ترجمته أنه كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، لهذا المعنى أثر في فهم صورته؛ فقد كان صاحب علم وصاحب عمل، ولم تكن صلته بالتجارة نقيضاً لصلته بالرواية، لا نحتاج إلى المبالغة فنجعله صاحب شبكة تجارية ضخمة، بل يكفينا أن نرى أن اشتغاله بالكسب لم يمنع حضوره العلمي، ويجلّي هذا المعنى ما ثبت عن عبدالرحمن بن عوف حين قدم المدينة: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ يَوْمَهُ مِنَ السُّوقِ حَتَّى اسْتَفْضَلَ رِبْحًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى الْمَنْزِلِ»(4)، خرج فاشترى وباع وتكسب بيده حتى أثرى، جامعاً بين السعي وعمارة المعاش وبين لزوم العلم والعبادة.

ويضيء هذا الجمع قوله تعالى: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) (النور: 37)؛ فالآية تمدح التحرر من إلهاء التجارة، لا مجرد ترك العمل، ومن هنا يمكن قراءة هذا الجانب من سيرته بوصفه تذكيراً بإمكان الجمع بين عمارة المعاش وحفظ الصلة بالله، وفي حياة الموظف والمعلم وصاحب المتجر اليوم، يتحول هذا المعنى إلى سؤال عملي حول حدود العمل التي تحفظ حقوق الدين والآخرين، الاقتداء هنا يتطلب ألا تُستعمل مشاغل الحياة ذريعة لإخلاء العمر من معناه.

صيانة مناقب الصالحين من فخاخ التزيد العاطفي

من الوفاء لأبي صالح السمان ألا نجعل الإعجاب بفضله سببًا للتساهل في نسبة الأخبار إليه، فخبر بكائه عند ذكر عثمان أورده الذهبي عن الميموني عن الإمام أحمد، لكن هذا الموضع لا يذكر طريق أحمد إلى من شهد الواقعة، ولهذا لا يكفي المقتطف وحده للحكم بأن الخبر متصل صحيح إلى الواقعة، وإن كان ناقلوه المذكورون من الأئمة الأعلام.

أما خبر الصلاة فله أصل مسند ينتهي إلى الأعمش وفيه قوله: «فأمنا»، وهي صيغة تصف مشاركة الراوي في الصلاة، التمييز بين وجود أصل مسند وبين إصدار حكم نهائي ضرورة علمية؛ فليس المقصود رد الأخبار، وإنما منع الانتقال من اختصار السند إلى تصحيح قاطع بلا فحص، كذلك أورد المزي الكلمة المنسوبة إلى أبي هريرة بصيغة «قيل»، وأحال المحقق إلى روايتها في التاريخ الكبير للبخاري، فتكرار الخبر في الكتب لا يكفي وحده لتصحيحه دون دراسة أصله.

ويتأكد هذا النهج بما ورد عن التابعي محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»(5)، يبيّن هذا الأصل أن النقل لا يُقبل بالعاطفة وحسن الظن المجرد، بل بالفحص والتحري في عدالة الناقلين وضبطهم، ولهذا التحرير أثر تربوي مباشر؛ فحين يروي المربي خبرًا يستطيع أن يميز بين ما ثبت وما نُقل، ولا تفقد القصة جمالها حين تُحفظ حدودها، بل تزداد قيمة لأن القارئ يتعلم منها محبة الصالحين والصدق في الحديث عنهم.

دموع ذكوان بن عبدالله أبي صالح السمان وفاء إنساني يتجاوز الاستقطاب

يحمل الخبر الأول صورة شديدة الإيجاز عن أبي صالح السمان: يُذكر عثمان رضي الله عنه، فيبكي أبو صالح السمان وتتحرك لحيته ويخرج منه التأوه، لا خطبة منقولة ولا شرح طويل للمشاعر، وإنما أثر ظاهر تركه الاسم في النفس، التفاصيل الجسدية تجعل المشهد أقرب إلى القارئ من وصف عام يقول كان يحبه، ويذكر الذهبي بصيغة «فيما بلغنا» أن أبا صالح شهد يوم الدار وحصار عثمان، هذا يتيح النظر في احتمال اتصال بكائه بذاكرة تلك الأحداث.

وقد يكون البكاء متصلًا بمحبة عثمان، أو بما أصابه، أو باستحضار فضله، وقد تجتمع هذه المعاني جميعها، اختزاله في انحياز حزبي خالص أو الجزم بأنه انفعال منفصل يتجاوز ما يقوله الخبر، ليس لازمًا أن نضع المحبة الدينية والحزن الإنساني والموقف الأخلاقي في خانات متخاصمة، وينجلي هذا الوفاء في موقف علي بن أبي طالب وتبرئه مراراً من دم عثمان وحزنه لقتله: « اللهم إني أبرأُ إليك من دمِ عُثمانَ، ولقد طاشَ عَقْلي يوم قُتل عثمانُ، وأنكرتُ نفسي وجاؤوني للبَيعة، فقلت: والله إني لأستحْيي من الله أن أُبايعَ قومًا قَتَلوا رجلًا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أستَحْيي ممن تَستَحْيِي منه الملائكةُ»(6).

نحتاج في قراءة التاريخ اليوم إلى هذا القدر من الإنصاف: أن نعرف للمظلوم حقه وللفاضل فضله، وألا نحول كل عاطفة إلى شعار خصومة، تعليم الأبناء محبة الصحابة يمكن أن يكون بابًا لتعظيم حرمة الدماء والعدل والوفاء، لا تدريبًا على استدامة الغضب أو إسقاط نزاعات الحاضر على أخبار الماضي.

مشقة إتمام الصلاة حين يفيض دمع التلاوة

في خبر الصلاة لم يكتف الأعمش بالإخبار أن أبا صالح السمان بكى، بل وصف شدة تأثره بقوله: «لا يكاد يجيزها من الرقة والبكاء»، العبارة تدل على مشقة المضي في الصلاة بسبب غلبة البكاء، لكنها لا تحدد الآيات المقروءة ولا الصلاة المعينة، لا يجوز ملء هذه الفراغات بمشهد متخيل ثم معاملته كأنه جزء من الرواية، ومع حفظ هذا الحد، فإن المعنى العام يجد أصله الواضح في القرآن، قال تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء: 109).

تجاور البكاء والخشوع في الآية يوجه النظر إلى حال القلب، فلا تصبح الدمعة مشهدًا مستقلًا عن الاستجابة لله، ويشهد لهذا الخشوع ما جاء في صفة عائشة رضي الله عنها حين كانت تقرأ الآيات وتكررها: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) (الطور: 27)»(7)، تدعو وتبكي وترددها في صلاتها استقراراً لمعاني القرآن في قلبها.

تتسع من هنا مهمة تعليم القرآن؛ فتصحيح الحروف وحفظ الآيات أساس، لكن من تمام التربية أن يتعلم القارئ السؤال عن المعنى الذي يخاطبه، والوعد الذي يرجوه، والأمر الذي يعمل به، ليس مطلوبًا من المعلم أن ينتزع الدموع من تلاميذه، بل المطلوب أن يعينهم على فهم الكلام وتعظيمه، وأن يترك لكل قلب طريقته في التعبير عن التأثر.

النهوض بالمسؤولية حين تغيب الرغبة في الظهور

قبل البكاء في خبر الصلاة فعل يستحق التأمل: تأخر الإمام، فتقدم أبو صالح السمان وأمَّ الناس، هذا هو القدر الذي تصفه الرواية، أما أنه كان يكره الظهور، أو أنه أجرى موازنة مفصلة، أو أنه صاحب الصلاحية الأولى، فكلها إضافات لا يذكرها النص، كما لا تعيّن الرواية المسجد الذي وقعت فيه الحادثة، ومع ذلك يتيح الفعل نفسه استنباط معنى تربوي قريب: قد يحتاج الناس إلى من يقوم بالعمل، فينهض به من يحسنه ولو لم يكن هو صاحبه المعتاد.

ويتجلى هذا المعنى الشريف في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مأموماً خلف عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، حين تأخر النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء الحاجة وحانت الصلاة، فقدم المسلمون عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم فقضى ما فاته وقال للناس: «أحسنتم»(8) تأييداً لنهوضهم بالفرض عند تعذر حضور الإمام دون تعطيل للجماعة.

وفي المدرسة أو العمل التطوعي، يمكن ترجمة هذا المعنى إلى استعداد هادئ لسد الحاجة؛ إعداد من يحسن القيام بالمهمة، وإتاحة المجال له عند غياب صاحبها، من غير تنازع على الظهور، كما يمكن أن يطمئن صاحب الطبع الرقيق إلى أن التأثر ليس حكمًا بالعجز، وإنما العبرة بأن يتعلم كيف يؤدي ما اؤتمن عليه.

حرارة العاطفة في المحراب لا تلغي الرفق

لا ينبغي أن تتحول محبة أخبار البكاء إلى تصور يجعل صعوبة إتمام الصلاة غاية تُطلب، أو يجعل طول التأثر معيارًا لتفضيل الأئمة، فالخبر يصف حالًا عرضت لـ أبي صالح السمان، ولا يأمر باستنساخها، وفرق بين أن يغلب الإنسانَ البكاء، وبين أن يرتب أداءه ليبلغ بالناس مشهدًا انفعاليًّا معينًا، الميزان النبوي في إمامة الناس واضح ومحكم في الرعاية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة»؛ يتبيّن من هذا التوجيه أن العناية بمن خلف الإمام جزء من حسن أداء العبادة، وتظهر هذه الرحمة جلياً في هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يدخل الصلاة وهو يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته مخافة أن تشق الصلاة على أمه.

لا يثبت من خبر أبي صالح أنه تعمد الإطالة أو أضر بالمصلين، المقصود أن يظل التأثر محكومًا بأمانة العمل لا أن يُجعل مسوغًا لإهمالها، ويمتد هذا المعنى إلى الوعظ والتعليم: فقد يكون المتحدث متأثرًا صادقًا، ومع ذلك يبقى مطالبًا بوضوح كلامه واحترام وقت مستمعيه ومراعاة أحوالهم، حرارة الشعور لا تعفي من حسن البيان، والقدوة الأتم هي التي تجمع حضور القلب والرفق بالناس.

حين يجتمع دمع العابد مع صرامة المحدث

تقف إلى جانب مشهد البكاء شهادة أبي حاتم في أبي صالح السمان أنه صالح الحديث يُحتج بحديثه، ونقل المزي توثيق أحمد وابن معين وأبي زرعة له، هذه أحكام في أهليته للرواية وليست مجرد أوصاف أدبية لرقته، لا يصح اختزال منزلته في أنه رجل بكّاء، ثم جعل بقية فضائله نتيجة تلقائية لذلك، تجاور الجانبين في ترجمته يفتح بابًا مهمًّا في فهم القدوة: نستطيع أن نحب رقة الإنسان، وأن نسأل في الوقت نفسه عن دقة علمه.

وقد قرر الإمام مالك بن أنس هذا المعنى بصرامة منهجية: «لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وصاحب بدعة، ومن يكذب في حديث الناس، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يُحدّث به»(9).

فصلاح المرء ودموعه لا يبرران التخلي عن ميزان العدالة والضبط في الرواية، كذلك كان عمر بن الخطاب يقول: «لَا تَغُرَّنَّكُمْ صَلَاةُ امْرِئٍ وَلَا صَوْمُهُ، وَلَكِنِ انْظُرُوا مَنْ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ أَدَّى، وَإِذَا أَشْفَى وَرِعَ»(10).

العاطفة التي تعطيل التثبت قد تنتهي إلى نسبة ما لم يقله أهل العلم، والدقة التي تحتقر التأثر تضيق بصورة الإنسان، عندما نختار معلمًا أو نتلقى معرفة دينية، فمن الإنصاف ألا نجعل قوة تأثيره وحدها دليل اختصاصه، يمكن تقدير صدقه الظاهر مع السؤال عن مصادره وطريقته في التحقق، وفي المقابل لا يُنتقص صاحب العلم لمجرد أن عبارته هادئة؛ فالكفاءة تُعرف بما يدل عليها.

كيف أسقط فضل العلم قيود النسب والطبقية؟

تذكر كتب التراجم ولاء أبي صالح السمان، ثم تسجل مكانته العلمية وتوثيق الأئمة له، يتيح هذا التجاور قراءة واضحة: لم يكن انتماؤه بالولاء مانعًا من الاعتراف بفضله، ليس من الدقة دعوى أن الفوارق الاجتماعية انتهت تماماً في عصره، لكن من الدقة أن نرى في منزلته شاهدًا على أن قدره العلمي لم يكن متوقفًا على نسب قرشي، وفي هذا السياق تُقرأ العبارة المنسوبة إلى أبي هريرة: «ما على هذا ألا يكون من بني عبد مناف»(11)، والأصل الشرعي في الميزان والرفعة أصل قاطع لا يحتمل اللبس، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).

ويتأكد هذا الميزان بخبر نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبْزَى، فقَالَ: وَمَا ابْنُ أَبْزَى؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ مَوَالِينَا، فَقَالَ عُمَرُ: اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى! فَقَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ، عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ قَاضٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»(12).

كذلك كان الإمام عطاء بن أبي رباح مولى أسود، ورفعه العلم والديانة حتى صار إمام الحرم والمفتي بآفاق مكة، التفاضل الحقيقي ينبني على الدين والعلم والعمل لا على الألقاب والأنساب، وفي الأسرة والمؤسسة التعليمية، يبدأ تحويل هذا المعنى إلى سلوك عملي من اللغة وطريقة التعامل مع أصحاب المهن البسيطة؛ فالاعتراف بالإتقان وعدم ربط الاحترام بالمظهر يجعل قراءة السير مؤثرة في أحوال الأحياء.

ألف حديث ومشهد باق في ذاكرة الأعمش

روى الذهبي عن الأعمش أنه سمع من أبي صالح السمان ألف حديث، ونقل عنه أيضًا خبر صلاته وبكائه، الجمع بين النقلين يلفت إلى أن ما بقي من أخبار الشيخ لم يكن مادته العلمية وحدها، بل حُفظ شيء من حاله في أداء العبادة أيضًا، تحفظ الرواية العلم والمشهد معًا، وما يقدمه المعلم للناس ليس عباراته وحدها بل طريقة تعامله مع ما يعلم.

ويظهر هذا الأثر الحي في ذاكرة التلاميذ بما نُقِل عن علقمة بن قيس وإبراهيم النخعي، فقد كان تلاميذهما يجلسون إليهما للاقتداء بهديهما وسمتهما المشابه لهدي عبدالله بن مسعود، حتى كان يُقال: «قوموا بنا إلى أشبه الناس بعبدالله هدياً ودلاً وسمتاً»، كما قال الماجشون في أثر القدوة الشاخصة: «إن رؤية محمد بن المنكدر تنفعني في ديني»(13).

الاقتداء بأبي صالح أعمق من محاولة البكاء على طريقته، يستطيع القارئ أن يجعل لنفسه نصيبًا من التلاوة المتدبرة، وأن يتحرى فيما ينقل، وأن ينهض بحاجة يحسن أداءها، وأن يحفظ للفضلاء حقهم دون غلو، هذه أعمال يمكن تعهدها ومراجعتها؛ أما الدموع وحدها، فلا يصح أن تصبح بديلًا عن أمانة العمل والاتباع.

تكامل العلم والعبادة في شخصية التابعي الجليل

تتيح لنا أخبار أبي صالح السمان ذكوان السمان الزيات رؤية عالم موثوق، وصاحب عمل وكسب، ورجل نُقلت عنه رقة ظاهرة في العبادة وعند ذكر الصحابة الكرام، الوفاء لسيرته يقتضي أن نطلب الجمع بين هذه الخصال في أنفسنا: رقة قلب لا تعطّل العمل، وعلم محرر لا يستغني عن التثبت والتنقيب، وفضل لا يتحول إلى استعلاء على الخلق.

تتلخص الزاوية التي أردنا التركيز عليها في هذه القراءة في إبراز الصورة المتكاملة للشخصية الإسلامية التي تجمع بين حرارة العاطفة وصرامة الضبط العلمي، وبين الانقطاع للعبادة والنهوض بمهام الحياة وخدمة الناس، إن أمانة النقل ودقة العلم لا تنافيان رقة القلب ودموع الخشوع، بل تحميان هذه العاطفة من الانحراف أو المجازفة، والاقتداء الحقيقي بالصالحين والتابعين لا يكون باستنساخ ظواهر انفعالاتهم، بل بتمثل هذا التوازن المحكم بين الاستقامة والعمل والتثبت، وجعل العلم سلوكاً نافعاً يخدم المجتمع ويصون أمانة الدين.

لا تمنحنا هذه الأخبار حق رسم كل تفاصيل شخصية أبي صالح، لكنها تتيح لنا رؤية جوانب جديرة بالتأمل: عالم موثوق، وصاحب عمل، ورجل نُقلت عنه رقة ظاهرة في العبادة وعند ذكر عثمان رضي الله عنه، وحين نحفظ للأخبار حدودها، لا نفقد إمكان الانتفاع بها؛ بل ننتفع دون أن ننسب إلى صاحبها ما لم نعلم.

وما يستحق أن يبقى معنا من هذه القراءة ليس صورة اللحية المرتجة وحدها، بل السؤال الذي تضعه إلى جانب شهادة التوثيق: كيف يكون القلب حيًّا، ويظل النقل أمينًا، ويجد الناس عند الحاجة من يخدمهم؟ لعل الوفاء العملي لسيرة أبي صالح أن نطلب هذا الاجتماع في أنفسنا: رقة لا تستغني عن العمل، وعلم لا يستغني عن التثبت، وفضل لا يتحول إلى تعالٍ على الخلق.

الهوامش
  • 1 ذكوان بن عبدالله (وقيل: ابن كيسان)، أبو صالح السمان الزيات، تابعي جليل وإمام ثقة حافظ من أعيان التابعين، اشتُهر برواية الحديث النبوي وكان من أثبت الناس وأوعاهم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، لزم المدينة المنورة داراً وسكناً، وتوفي بها سنة 101هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (5/ 37).
  • 3 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (8/ 516).
  • 4 السنن الكبرى، النسائي (9/ 80/ 9942).
  • 5 المجروحين لابن حبان (1/ 27)، وقال ابن حبان: رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 14).
  • 6 المستدرك على الصحيحين (5/ 487/ 4577).
  • 7 اللمع في الحوادث والبدع، ص711، وقال التركماني: أخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (4048)، وأحمد في «الزهد» (1/ 164).
  • 8 المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (10/ 166).
  • 9 شرح حلية طالب العلم، ص107.
  • 10 الزهد لأبي داود (80/ 64).
  • 11 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (8/ 516).
  • 12 مسند أحمد (1/ 355/ 232).
  • 13 المصنف، ابن أبي شيبة (19/ 453/ 37629).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة