فقه القدر والعمل

مسلم بن يسار.. كيف جمع بين العمل والتوكل؟

صورة تظهر قافلة تسير في طريقها الى الكعبة وفي الافق تظهر مكة وجبالها

أورد الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن مسلم بن يسار(1)؛ حيث قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَغَيْرُهُ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: كَانَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ وَيُحَجِّجُ مَعَهُ رِجَالًا مِنْ إِخْوَانِهِ، تَعَوَّدُوا ذَلِكَ، فَأَبْطَأَ عَامًا حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اخْرُجُوا، فَقَالُوا: كَيْفَ؟ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ تَخْرُجُوا، فَفَعَلُوا اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَأَصَابَهُمْ حِينَ جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ إِعْصَارٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادَ لَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَأَصْبَحُوا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى جِبَالِ تِهَامَةَ، فَحَمِدُوا اللَّهَ، فَقَالَ: مَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى!

وقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فِي الْكَلَامِ فِي الْقَدَرِ: هُمَا وَادِيَانِ عَمِيقَانِ، يَسْلُكُ فِيهِمَا النَّاسُ، لَنْ يُدْرَكَ غَوْرُهُمَا، فَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُنْجِيَكَ إِلَّا عَمَلُكَ، وَتَوَكَّلْ تَوَكُّلَ رَجُلٍ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُكَ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ(2).

يجمع الذهبي هنا خبرين يبدوان للوهلة الأولى متباعدين: رحلة حج وقعت فيها حادثة غير مألوفة، وكلمة عقدية دقيقة في باب القدر، لكن التأمل يكشف خيطًا يصل بينهما: كيف يتصرف المؤمن في المنطقة التي تنتهي عندها قدرته ويبدأ فيها الغيب؟ في الخبر الأول يتحرك مسلم بن يسار وأصحابه بأسباب السفر، ثم يقع ما لا يملكون تفسيره ولا تدبيره، وفي الثاني يضع مسلم قاعدة للحياة كلها: ابذل من العمل غايته، ثم لا تمنح العمل نفسه سلطة على قلبك؛ لأن ما يقع في النهاية جار بقدر الله.

ومع ذلك، فلابد من التمييز العلمي بين النصين، قصة الحج جاءت في سير أعلام النبلاء بسند فيه أيوب بن سويد، وقد تكلم فيه أئمة الحديث، وقال ابن حجر فيه: «صدوق يخطئ»؛ ومن ثم لا ينبغي أن نبني على هذه الرواية وحدها تقريرًا جازمًا بأن الأرض طويت لمسلم وأصحابه أو أن الواقعة كانت كرامة خارقة على وجه القطع، أما مقالة القدر فقد نقلها الذهبي عن قتادة، وورد معناها في مصادر أخرى من كتب التراجم، هذه الملاحظة لا تضعف قيمة النص، بل تعيد كل جزء منه إلى مكانه الصحيح: الخبر العجيب يقرأ باحتراز، وأما الحكمة التي نطق بها مسلم فتمثل مدخلًا بالغ القوة لفهم مذهبه التربوي في العمل والتوكل.

كيف يوازن المؤمن بين العقل وسر المقادير؟

يبدأ مسلم كلامه في القدر بصورة بصرية شديدة الكثافة: «هما واديان عميقان، يسلك فيهما الناس، لن يدرك غورهما»، الوادي العميق يمكن الدخول فيه، لكن بلوغ غوره ليس أمرًا يسيرًا، وبهذه الصورة لا يدعو مسلم إلى إلغاء العقل، ولا إلى تحريم النظر في مسائل الاعتقاد، وإنما يحذر من وهم إحاطة الإنسان بسر القدر إحاطة كاملة، فالقدر يجمع حقيقتين لا يجوز إسقاط إحداهما: للإنسان إرادة وعمل يحاسب عليهما، وفي الوقت نفسه لا يقع في ملك الله شيء خارج علمه وكتابته ومشيئته.

وهذا ما وضح للنبي صلى الله عليه وسلم حين غرس في نفس عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أصل المقادير وهو غلام صغير قائلاً: « وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»(3)، ويقرر القرآن الأمرين معًا؛ فيقول سبحانه: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ {28} وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير:28-29)، أثبت للعبد مشيئة، ثم رد هذه المشيئة نفسها إلى مشيئة الله، وهذا النوع من التوازن هو الذي يريد مسلم حفظه؛ فالمشكلة ليست في السؤال عن القدر في ذاته، وإنما في أن يتحول السؤال إلى متاهة تستهلك الإنسان حتى ينسى الغاية العملية التي من أجلها كلف.

لماذا لا ينافي الإيمان بالقدر بذل الأسباب؟

أول نصف في معادلة مسلم شديد الحسم: «فاعمل عمل رجل تعلم أنه لن ينجيك إلا عملك»، قد يبدو التعبير لأول وهلة مناقضًا للحديث الصحيح: «لن ينجي أحدًا منكم عمله»، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن نفسه: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة»(4)، لكن لا يلزم حمل كلام مسلم على أن العمل يستقل بإدخال الإنسان الجنة أو أن العبد يستغني به عن رحمة الله؛ فهذا يخالف النص النبوي الصريح، والأقرب إلى سياق عبارته أنه يريد منع الاحتجاز بالقدر على ترك العمل: اعمل عمل من يعلم أنه مأمور بالسعي، وأنه لن ينال ما يرجوه بترك الطاعة والاتكال.

وهذا المعنى هو الذات الذي حسمه النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه والصحابة الكرام حين قالوا بعدما علموا بكتابة المقادير: «يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟»، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حازماً: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، وقرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى {5} وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى {6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل:5-7)(5)، وقد تجسد هذا الفهم في سير الصحابة؛ فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى المتواكلين يتركون السعي باسم التسليم للقدر يزجرهم ويقول: «لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإن الله تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض، وتلا قول الله جل وعلا (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: 10)»(6)، فالعمل سبب، والتوفيق والقبول والنجاة النهائية برحمة الله.

كيف يمنع التوكل العبد من الاغترار بنفسه؟

لو توقف مسلم عند الشطر الأول لصنع إنسانًا شديد الاعتماد على ذاته، لكنه أتبعه فورًا بقوله: «وَتَوَكَّلْ تَوَكُّلَ رَجُلٍ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُكَ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ»(7)، وهنا يحدث التصحيح المقابل: في مرحلة الفعل، ابذل ما تستطيع، وفي مرحلة القلب، لا تتوهم أنك أصبحت سيد النتائج، وهذا المعنى قرآن صريح: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).

ويتجلى أرقى تطبيق لهذا الفهم في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فقد استفرغ النبي صلى الله عليه وسلم أقصى الأسباب البشرية في التخطيط والتخفي والاستئجار، فلما وصل المشركون إلى فم الغار وقال أبو بكر الصديق بوجل: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا»، لم ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوة الأسباب، بل تجرد قلبه للمسبب قائلًا بثبات: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا»(8)، فإذا كان الشطر الأول يمنع الكسل، فإن الثاني يمنع الغرور، الأول يقول لك: لا تحتج بالقدر قبل العمل، والثاني يقول: لا تنس القدر بعد نجاح العمل.

لماذا لا يتنافى التخطيط الدقيق مع التوكل؟

قد يتوهم بعض الناس أن زيادة التوكل ينبغي أن تؤدي إلى تقليل التخطيط؛ فإذا كان الأمر لله، فلماذا أبذل كل هذا الجهد؟ والصورة التي يرسمها مسلم عكس ذلك تمامًا؛ فكلما صح التوكل، تحرر العمل من الخوف المرضي على النتيجة، وهذا ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الجامع: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»(9)، فجمع الحديث بين أقصى حركة الجوارح في السعي «تغدو وتروح»، وبين كمال طمأنينة القلب بالرزاق.

فالإنسان الذي يعتقد أن عليه بذل السبب، ثم أن النتيجة في علم الله وتقديره، يستطيع أن يعمل بقوة أكبر من شخص يرى أن مصيره كله معلق بكمال أدائه، الأول يستطيع أن يجتهد ثم ينام، أما الثاني فقد يجتهد، لكنه يظل ممزقًا؛ لأنه يتعامل مع كل خطأ صغير وكأنه انهيار كامل لمستقبله، وفي واقع التعليم والعمل والتجارة والدعوة والأسرة، هذه الفكرة شديدة الأهمية: التوكل ليس بديلًا عن الاحتراف، بل سياج نفسي يحمي الاحتراف من أن يتحول إلى عبودية للنتائج.

الموقف العلمي من روايات طي الأرض والكرامات

تقول الرواية إن مسلمًا كان «يحج كل سنة ويحجج معه رجالًا من إخوانه»، وقبل الوصول إلى الجانب العجيب من القصة، فإن هذه الجملة وحدها ترسم ملمحًا اجتماعيًا مهمًا في شخصيته، لم يكن الحج عنده مشروع عبادة فردية محضة؛ بل كان يصحب معه رجالًا من إخوانه حتى «تعودوا ذلك»، وهذا الهدي متصل بما كان عليه علماء البصرة والزهاد كـ صفوان بن محرز المازني، وعبدالله بن المبارك في حرصهم على الرفقة الصالحة وإشاعة تجربة العبادة الجماعية.

ثم تتغير الظروف في عام من الأعوام؛ يتأخر مسلم بن يسار حتى «فاتت أيام الحج»، ثم يقول لأصحابه: «اخرجوا»، يعترضون: «كيف؟»، والسؤال مفهوم؛ فالحساب البشري يقول إن الوقت فات، أما هو فيكرر: «لا بد أن تَخرجوا»، يمكن أن يقرأ هذا الإصرار باعتباره تجسيدًا للقاعدة التي عبر عنها في القدر: ما دمت تملك سببًا يمكن فعله، فلا تجعل توقع النتيجة يعفيك منه، لكن يجب أن ننتبه هنا إلى حد التحليل: الرواية لا تقول إن مسلمًا كان يعلم مقدمًا أنهم سيصلون، ولا تذكر أنه توقع كرامة أو أخبر أصحابه بها، الذي أمامنا في الرواية رجل يقول: اخرجوا، أما الباقي فوقع بعد الخروج.

لماذا يسبق السعي العملي فتح الله وكرامته؟

هذه النقطة هي أجمل ما يمكن استخلاصه من ترتيب القصة حتى مع الاحتراز في ثبوت تفاصيلها، الخارق – بحسب الرواية – لم يقع وهم جالسون في البصرة، بل لقد خرجوا أولًا، وهذا معنى تربوي يتكرر في نصوص الوحي بصورة أثبت وأوضح دلالة؛ حيث يأتي الأمر بالحركة والسعي قبل أن يتنزل الفرج الإلهي.

فقد قال الله تعالى لمريم عليها السلام وهي في أشد لحظات ضعفها الجسدي: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) (مريم: 25)، والله سبحانه قادر على إسقاط الرطب عليها بلا هز، لكن السنن التربوية تعلم الإنسان أن يقوم بما يستطيع من الأسباب المتاحة، فليس التوكل أن ينتظر المرء فتحًا استثنائيًا يعفيه من الطريق المعتاد؛ من أراد رزقًا طلب، ومن أراد علمًا درس، ومن أراد حجًا خرج حين يستطيع، أما بناء الحياة على انتظار الاستثناءات والخوارق فليس هو المعنى الذي تعلمه نصوص الشرع.

كيف تعامل مسلم بن يسار مع دهشة أصحابه العجيبة؟

بحسب الرواية، أصاب الرفقة إعصار شديد ليلًا، ثم أصبحوا ينظرون إلى جبال تهامة، فحمدوا الله، وقال مسلم بن يسار: «ما تعجبون من هذا في قدرة الله تعالى!»، ولعل هذه الجملة هي أثمن جزء تربوي في الخبر؛ فحتى داخل قصة ذات طابع خارق، لا يوجه مسلم بن يسار الأنظار إلى نفسه، لم يقل: انظروا إلى منزلتي، ولا: ألم أقل لكم؟ إنما ينقل مركز الدهشة من الإنسان إلى قدرة الله.

وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة؛ إذ دخلها وهو خافض رأسه الشريف تواضعاً لله حتى كادت لحيته تمس واسطة الرحل، ولم يستغل أعظم نصر ليصنع هالة حول ذاته، بل وقف خطيباً معلناً تجريد الفضل لله قائلًا: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»(10)، وحين جاءه رجل في مجلسه تُرعد فرائصه هيبة له، قال له المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم: «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ»(11)، وهذا المعنى عند مسلم متسق تماماً مع الموقف الذي رأيناه له مع أهل دمشق حين بالغوا في مدحه، فقال لهم: «كيف لو رأيتم أبا قلابة».

ضوابط قبول أخبار الكرامات عند أهل السُّنة

الإيمان بكرامات الأولياء أصل معروف عند أهل السُّنة، لكن أخبار الكرامات ليست كلها في درجة واحدة من الصحة، ولا تصبح القصة صحيحة لمجرد أن مضمونها ممكن في قدرة الله، قول مسلم بن يسار: «ما تعجبون من هذا في قدرة الله» صحيح من جهة الأصل العام؛ فلا يعجز الله شيء، لكن قدرة الله على الشيء ليست وحدها دليلًا تاريخيًا على أنه وقع بهذه الصورة المنقولة.

ولهذا يحذر العلماء من الافتتان بالظواهر وإشاعة الخوارق غير المسبوقة بدليل؛ كما يفعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بلغته قصة الشجرة التي بُويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان ورأى الناس يختلفون إليها ويصلون عندها، فأمر بقطعها فوراً(12)؛ حمايةً لجناب التوحيد من أن تتحول الآثار والكرامات إلى فتنة تُعطل الاتباع الشرعي واليقين الواعي، فالتدين الحقيقي يجمع بين الإيمان بإمكان الكرامة قدرةً وشرفاً، وبين المطالبة بالتثبت النقلي والصيانة العقدية.

كيف نتجاوز الجدل الفكري إلى العمل النافع؟

كان عصر مسلم بن يسار زمنًا مبكرًا من أزمنة الجدل في القدر، وقد أصبحت البصرة من البيئات التي ظهرت فيها منازعات هذه المسألة، لكن اللافت في عبارته أنه لا يترك المستمع مع تعريف فلسفي معقد؛ بل يسأله ضمنًا: ماذا ستفعل غدًا؟ هذا هو الفرق بين معرفة تستهلك الإنسان في الجدل، ومعرفة تعيد تشكيل حياته.

وهذا هو التوجيه النبوي الذي حسَم الجدل في المهد؛ فعن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً على أصحابه وهم يتنازعون في القدر ومحمرّ وجهه من الغضب، فقال زاجراً لهم: «أبهذا أُمرتم؟ أم إلى هذا دُعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما هلكت الأمم قبلكم في مثل هذا»(13)، ثم ردّهم إلى جادة التكليف والعمل، فالمنهج الأصيل لا يلغي التفكر، بل يمنع الجدل من أن يتحول إلى وسيلة للهروب من التكاليف المباشرة.

لماذا نرد الإنجاز والنجاح إلى توفيق الله؟

عادة ما يستدعى الكلام عن القدر عند الفشل أكثر من النجاح؛ فإذا ضاع أمر قال الإنسان: هذا قدر الله، لكن الحاجة إلى الإيمان بالقدر عند النجاح لا تقل عنها عند الخسارة؛ لأن النجاح يحمل امتحانًا آخر: أن ينسب الإنسان كل شيء إلى نفسه، وهنا يعمل الشطر الثاني من قاعدة مسلم: «لا يصيبك إلا ما كتب الله لك»(14)، نجحت بعد اجتهادك، نعم، لكن من وهبك العقل؟ ومن حفظ صحتك؟ ومن هيأ الظروف وصرف العوائق؟

وهذا التنبيه الإلهي سُجل خالداً يوم حنين حين اغتر بعض المسلمين بكثرتهم وقالوا: «لن نُغلب اليوم من قلة»(15)، فنزل الابتلاء وتمحصت القلوب، ليعيدهم القرآن إلى الاستكانة ونسبة الفضل لمسدده: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا) (التوبة:25)، وهذا المعنى هو الذي يجعل عبارة شعيب عليه السلام: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود: 88) أكثر من كلمة تقال بعد الإنجاز؛ إنها تصحيح مستمر لقراءة الإنسان لسيرته.

كيف يحقق الرضا بالقدر السلام النفسي للمصاب؟

في الاتجاه الآخر، الإنسان الذي فعل ما يستطيع ثم لم تأت النتيجة التي يريدها يحتاج إلى شيء يحميه من محاكمة ذاته بلا نهاية، وهنا يصبح الإيمان بالقدر رحمة نفسية عظيمة؛ ليس معناه ألا يراجع أخطاءه، بل يراجع ما كان تحت سيطرته، ويصلحه، ثم يقبل أن هناك أشياء لم تكن تحت سلطته.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن «لو» تفتح عمل الشيطان»(16)، ترتيب المعاني هنا هو نفسه تقريبًا: حرص، واستعانة، وعمل، ثم تسليم لما وقع، ومن ثم فإن فهم القدر لا يسلب الإنسان مسؤوليته، بل يرسم حدودها؛ أنت مسؤول عما استطعت، ولست مسؤولًا عن إدارة الكون كله.

كيف نطبق التوكل في التربية والإدارة والتعليم؟

قد تبدو مقالة مسلم بن يسار نصًا عقديًا محضًا، لكن قدرتها على الانتقال إلى الواقع كبيرة، المدير مطالب أن يضع الخطط ويحسب الأخطار، ثم لا يستطيع ضمان تقلبات المستقبل؛ والأب والأم مطالبان بالتربية والمتابعة، لكنهما لا يملكان هداية القلوب ولا خواتيم الحياة، وقد تجسد هذا التخطيط الاحترافي المقرون بتمام التوكل في إدارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام الرمادة وفي تدوين الدواوين وتنظيم أقاليم الدولة، فكان يحسب كل جزئية بمادية تامة، ثم يقوم في الليل يبكي في محرابه متوكلاً ومستغيثاً بربه.

في كل هذه الصور يبقى البناء واحدًا: استفرغ السبب، ولا تدّع امتلاك النتيجة، وحين تختل هذه المعادلة ينشأ إما التواكل أو الاحتراق النفسي؛ التواكل يقول: النتيجة مكتوبة فلا حاجة إلى الجهد، والاحتراق يقول: النتيجة مسؤوليتي كاملة ويجب أن أسيطر على كل شيء، أما التوكل الإيماني فيقول: جهدي مسؤوليتي، والنتيجة بيد الله.

كيف انعكس فقه المقادير على حياة التابعي؟

إذا وضعنا هذه المقالة بجوار ما سبق من أخبار مسلم بن يسار ظهر انسجام لافت؛ هو الرجل الذي كانت له حلقة الفقه في البصرة، وهو الذي اشتهرت صلاته بين معاصريه، وهو الذي حوّل مديح أهل دمشق عنه إلى الثناء على أبي قلابة، والآن هو الذي يقول: اعمل وتوكل، فكأن شخصيته تتحرك دائمًا بين طرفين وتحاول منع أحدهما من ابتلاع الآخر: علم بلا غرور، عبادة بلا انعزال، عمل بلا اعتماد على النفس، توكل بلا كسل، ومكانة بلا استغراق في الصورة الشخصية، وهذه ليست فضائل متفرقة بقدر ما هي بناء واحد: الإنسان يفعل ما يستطيع، لكنه لا يجعل ذاته مركز الكون.

كيف يفصل الإيمان بالقدر بين القيمة والنتائج؟

ربما تكون أعمق ثمرة في كلمة مسلم بن يسار أنها تفك الارتباط الخاطئ بين قيمة الإنسان وبين نتيجة كل عمل يؤديه، ففي الثقافة المعاصرة، يتعلم الناس أن النجاح المادي دليل القيمة، وأن الفشل دليل النقص؛ أما الإيمان بالقدر فيفصل بين الأمرين: قد تحسن السبب ولا تقع النتيجة، وقد تقع لك نتيجة لم يكن جهدك وحده كافيًا لتفسيرها.

وهذا ما يقرره الحديث النبوي الشريف العظيم الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»(17)، فالمكلف مأمور بغرس الفسيلة حتى وهو يرى بعينيه خراب العالم وقيام الساعة، لأن قيمته العبودية في غرس السبب أداءً للواجب، لا في أكل ثمار النخلة، وبذلك يعود السؤال الأخلاقي الأهم: هل فعلت ما عليك؟ هذا لا يمنع قياس النتائج أو تحسين الأداء، لكنه يمنع النتائج من أن تتحول إلى إله يحكم قيمة الإنسان الداخلية.

كيف ننجو من العجز قبل العمل والغرور بعده؟

لم يعط مسلم بن يسار مستمعيه مفتاحًا لفك كل أسرار القدر، بل فعل شيئًا أهم لحياتهم اليومية؛ قال لهم بمعنى عبارته: قد لا تبلغون غور هذا البحر، لكن الطريق أمامكم معلوم؛ اعملوا، ثم توكلوا، ولا تجعلوا الإيمان بالقدر حجة للعجز، ولا تجعلوا العمل سببًا للاغترار، وهذا هو التوازن الذي يعيد الإنسان إلى حجمه الصحيح: ليس حجرًا تحركه المقادير بلا إرادة، وليس ربًا صغيرًا يصنع المستقبل وحده، إنه عبد مأمور بالسعي، ومحتاج في كل خطوة إلى ربه.

ومن هنا تبدو قصة الحج -مع ما يلزم فيها من الاحتراز الحديثي- والمقالة في القدر وكأنهما تلتقيان في صورة واحدة: أناس خرجوا أولًا، ثم جاء ما لم يكن في حسابهم، وبغض النظر عن ثبوت التفصيل الخارق في الرواية، فإن قاعدة مسلم الأوثق تبقى صالحة: لا تنتظر أن تنكشف لك المقادير حتى تعمل؛ اعمل بما أمرك الله، ثم دع للمقادير بابها، وهذه ربما كانت إحدى أهدأ الصيغ وأعمقها في تحرير الإنسان من آفتين لا تفارقان الطريق: العجز قبل العمل، والغرور بعده.

الهوامش
  • 1 مسلم بن يسار البصري، أبو عبدالله الأموي مولاهم، إمام ومفتٍ من كبار التابعين وثقاتهم، عُرف بالفقه ورواية الحديث، واشتهر بالزهد والورع والخشوع العظيم في الصلاة حتى ضُرب به المثل، سكن مدينة البصرة فكان فقيهها وعابدها، وتوفي بها سنة 100هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 513).
  • 3 بلوغ المرام من أدلة الأحكام صفحة (447/ 1486)، وقال ابن حجر: صحيح، رواه الترمذي (2516).
  • 4 فتح الباري بشرح البخاري (3/ 35/ 1149).
  • 5 صحيح البخاري (1/ 458/ 1296).
  • 6 العقد الفريد (2/ 342).
  • 7 المصنف، ابن أبي شيبة (7/ 238/ 35659).
  • 8 صحيح مسلم (4/ 1854) (1/ 2381).
  • 9 مسند أحمد (1/ 332/ 205).
  • 10 صحيح وضعيف تاريخ الطبري (2/ 290/ 244).
  • 11 سنن ابن ماجه (4/ 430/ 3312).
  • 12 إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (1/ 380).
  • 13 العواصم والقواصم في الذب عن سُنة أبي القاسم (4/ 334).
  • 14 المصنف، ابن أبي شيبة (7/ 238/ 35659).
  • 15 شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (3/ 504).
  • 16 رياض الصالحين (53/ 100- السادس)، وقال النووي: رواه مسلم (8/ 56) (2664) (34).
  • 17 الأدب المفرد (168/ 479).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة