الهروب إلى ما قبل الإسلام.. الجذور الفكرية للقومية الإيرانية الحديثة (2)

أ.د فرست مرعي

28 سبتمبر 2026

74

لقطة_جوية_لمنطقة_في_إيران

ركزت الصحافة الإيرانية في أواخر العصر القاجاري وبداية البهلوي على تمجيد إيران القديمة وإعادة الاعتبار لشخصيات مثل كورش (559 - 529ق.م) مؤسس الدولة الأخمينية – الهخامنشية، ودارا الأول- داريوس (522- 486ق.م) أحد كبار ملوك الدولة الأخمينية صاحب نقش بيستون، والملك خسرو (كسرى أنوشيروان) (531 – 579م) أحد أهم ملوك الدولة الساسانية، مع تقليل مركزية السردية الإسلامية التقليدية في الخطاب العام، وقد ساعدت هذه الصحافة في تحويل الأفكار النخبوية إلى وعي اجتماعي أوسع، وقد برز عدد من رواد الصحافة الإيرانية في العصر الحديث منهم:

أولاً: صادق رضا زاده شفق (1895 - 1971م): وُلد صادق رضا زاده شفق في مدينة تبريز في بيئة إيرانية متأثرة بالتحولات السياسية والفكرية التي رافقت نهاية العهد القاجاري وبداية الحركة الدستورية.

تلقّى تعليمه الأولي في مدارس تبريز، ثم انتقل إلى دار الفنون في طهران، وهي المؤسسة التعليمية الأهم آنذاك التي كانت قد تأسست عام1851م في عهد ناصر الدين شاه القاجاري، حيث تلقى تعليماً يجمع بين الأدب والتاريخ والعلوم الحديثة في مدارس حديثة ذات طابع غربي، ما أتاح له الاطلاع المبكر على الأفكار الليبرالية والقومية والأدب الأوروبي، إضافة إلى تأثره المباشر بأجواء الثورة الدستورية الإيرانية (1905–1911م).

في هذه المرحلة المبكرة، انخرط في النشاط السياسي الطلابي، وشارك مع مجموعة من المثقفين الشباب في دعم الحركة الدستورية، كما بدأ اهتمامه بالكتابة والصحافة يظهر بوضوح في تأسيس جريدة «شفق» سنة 1910م وهو لا يزال شاباً، بدعم من والده وبعض رفاقه في الحركة الدستورية، كما تولى الصحفي المعروف محمود غني زاده إدارة الصحيفة لفترة من الزمن، وكانت الجريدة تنشر مقالات مؤيدة للمشروطة والإصلاح السياسي ومناهضة للاستبداد القاجاري.

جاءت الصحيفة كمنبر إصلاحي مرتبط بالتيار الدستوري، وكانت تهدف إلى نشر الوعي السياسي، والدفاع عن الدستور، ومواجهة الاستبداد الملكي والتدخلات الأجنبية، خاصة النفوذ الروسي والبريطاني في إيران، كما ركزت على تعليم مفاهيم المواطنة، والإصلاح الاجتماعي، وتحديث التعليم، وتبسيط الفكر السياسي للجمهور.

اتخذت الصحيفة توجهاً واضحاً نحو القومية الإيرانية الحديثة، إذ سعت إلى بناء هوية وطنية تتجاوز الانقسامات التقليدية، وتدعو إلى دولة مركزية قوية قائمة على القانون والدستور، وقد لعبت دوراً مهماً في نشر الأفكار الليبرالية والدستورية في شمال إيران، خصوصاً في تبريز، التي كانت مركزاً للحركة الثورية آنذاك، واهتمت بالأخبار الداخلية والخارجية، ولا سيما الأخبار المترجمة من صحف القوقاز.

وبسبب مواقفها المناهضة للنفوذ الروسي، تعرضت للملاحقة والضغط، وأُعدم أحد كتّابها، وهو ميرزا أحمد سهيلي، حيث توقفت الصحيفة سنة 1911م بسبب الاحتلال الروسي لمدينة تبريز؛ ما اضطر رضا زاده شفق إلى الاختفاء، فاضطر إلى مغادرة المدينة سراً ثم انتقل إلى الدولة العثمانية، حيث عمل في التدريس واحتك بالدوائر الثقافية الإيرانية المهاجرة، وهو ما ساهم في تكوين وعي قومي وفكري أوسع لديه.

بعدها واصل دراسته في أوروبا، خاصة في ألمانيا، حيث تعمّق في الدراسات التاريخية والأدبية، وعاد إلى إيران سنة 1927 – 1928م محمّلاً برؤية فكرية تقوم على تحديث الدولة وتعزيز الهوية الإيرانية الحديثة.

وبدأ مرحلة جديدة أكثر رسوخاً في العمل الأكاديمي، إذ التحق بدار المعلمين العالية في طهران التي كانت قد تأسست سنة 1928م، واشتغل في إعداد المعلمين وتدريس التاريخ والأدب، مساهماً في مشروع الدولة الحديثة الذي كان يقوم على بناء جهاز تعليمي وطني موحد.

ثم انتقل إلى جامعة طهران بعد تأسيسها عام 1934م، حيث عمل أستاذاً في قسم التاريخ والأدب الفارسي، وأسهم في تكوين جيل من المثقفين الذين حملوا خطاب القومية الإيرانية الحديثة وربطوا بين التاريخ القديم والهوية الوطنية المعاصرة.

أما من أبرز مؤلفاته في هذه المرحلة الأكاديمية والفكرية، فيُعد كتابه «تاريخ الأدب الإيراني» من أهم أعماله التعليمية، إضافة إلى مؤلفه «نادرشاه أفشار» الذي تناول فيه شخصية تاريخية مركزية في بناء الدولة الإيرانية الحديثة، فضلاً عن ترجمة كتابي المستشرق الأمريكي هارود لمب (1892 -1962م) عن سيرة حياة كل من كورش الكبير، والإسكندر المقدوني من الإنجليزية إلى الفارسية، ومساهمات في أعمال مجمع اللغة الفارسية (فرهنگستان إيران)، ومقالات في التاريخ والفكر القومي أسهمت في نقل مفاهيم الحداثة الأوروبية إلى الوسط الثقافي الإيراني.

وقد جمع في مسيرته بين العمل الصحفي في بداياته، والنشاط السياسي الدستوري، ثم التحول إلى أستاذ ومؤرخ ومترجم داخل مؤسسات الدولة؛ ليصبح أحد رموز الجيل الذي ساهم في صياغة المشروع القومي الإيراني في النصف الأول من القرن العشرين، القائم على ترسيخ اللغة الفارسية، وإعادة قراءة التاريخ الإيراني بوصفه أساساً لهوية الدولة الحديثة.

ثانياً: حسن تقي زاده (1878-1970)، يُعَد من أهم منظري القومية الإيرانية الحديثة، أصدر في برلين مجلة «كاوه» (1916 - 1922م) التي حملت اسم البطل الأسطوري الإيراني كاوه الحداد، أحد رموز مقاومة الطغيان في الميثولوجيا الإيرانية، شارك في تحريرها أيضاً كل من: محمد علي جمال زاده، ومحمد قزويني، وقد تحولت المجلة بعد الحرب العالمية الأولى إلى منبر ثقافي يدعو إلى إحياء الهوية الإيرانية واللغة الفارسية وإعادة قراءة التاريخ الإيراني القديم، وتكمن أهميتها في أنها وضعت الأسس الفكرية التي استفاد منها رضا شاه لاحقاً، مثل:

1- تمجيد إيران قبل الإسلام.

2- التركيز على الدولتين الفارسيتين الأخمينية والساسانية.

3- الدعوة إلى تحديث الدولة على النموذج الأوروبي.

4- تعزيز القومية الإيرانية فوق الانتماءات الدينية والمذهبية.

ثالثاً: حسين كاظم زاده إيرانشهر (1884–1962م)، كان من أبرز المنظرين للقومية الثقافية الإيرانية، أصدر مجلة «إيرانشهر» في برلين بين 1922 و1927م، وأصبحت إحدى أهم المنابر الفكرية للنخبة الإيرانية المهاجرة، ركزت المجلة على:

1- وحدة الأمة الإيرانية.

2- مركزية اللغة الفارسية.

3- إبراز التراث الزرادشتي.

4- نقد النفوذ الديني في الحياة السياسية.

وقد اعتبر كثير من الباحثين أن أفكاره شكلت جسراً فكرياً بين القومية الدستورية والقومية البهلوية اللاحقة.

رابعاً: محمود أفشار (1893–1983م)، يُعد من أهم منظري الدولة القومية المركزية في إيران، أسس مجلة (آينده- المستقبل) سنة 1925م، وهو العام نفسه الذي وصل فيه رضا شاه إلى العرش، وكانت المجلة تدعو بصورة واضحة إلى:

1- نشر اللغة الفارسية في جميع أنحاء إيران.

2- تعزيز الوحدة الوطنية.

3- مواجهة النزعات الإقليمية والقومية غير الفارسية، مثل العربية في عربستان، والكردية في كردستان.

4- بناء دولة مركزية قوية.

وقد تحولت أفكاره إلى جزء من السياسة الثقافية الرسمية في عهد رضا شاه، خصوصاً فيما يتعلق بالمدارس والتعليم واللغة.

خامساً: مرتضى مشفق كاظمي (1902–1977م) من الشخصيات التي جمعت بين الصحافة والأدب والعمل الحكومي، إلا أن شهرته الأدبية طغت على نشاطه الصحفي، وقد بدأ حياته المهنية في أجواء الصحافة التي ازدهرت بعد الثورة الدستورية الإيرانية، عندما أصبحت الصحف والمجلات منابر للإصلاح السياسي والاجتماعي.

في عشرينيات القرن العشرين نشر مقالات وقصصًا في عدد من الصحف والمجلات الإيرانية، وكانت كتاباته تدور حول قضايا الإصلاح الاجتماعي، ونقد الفساد الإداري، والدعوة إلى تحديث المجتمع الإيراني، وتحسين أوضاع المرأة، والاهتمام بالتعليم، وقد اتسم أسلوبه الصحفي بالبساطة والوضوح، وهو الأسلوب نفسه الذي ظهر في روايته الشهيرة «طهران مخوف»، إذ جاءت الرواية في الأصل متأثرة بالأسلوب الصحفي القائم على تصوير الواقع الاجتماعي وكشف مظاهر الفساد.

أصدر مجلة «نامه فرنگستان» (رسالة فرنگستان)، وتولى رئاسة تحريرها وشاركه عدد من الطلبة والمثقفين الإيرانيين المقيمين في ألمانيا، منهم: حسن نفيسي، علي أردلان، إبراهيم مهدوي وغيرهم من أبناء الجيل الذي كان يرى في أوروبا نموذجاً للتقدم العلمي والسياسي، صدر العدد الأول منها في مايو 1924م في برلين، واستمرت حتى أبريل 1925م، وبلغ مجموع أعدادها 12 عدداً شهرياً، وكانت تصدر باللغة الفارسية عن جماعة طلابية إيرانية عُرفت باسم «أميد إيران» (أمل إيران)، وهي إحدى أهم المجلات الفكرية التي أصدرها الطلبة الإيرانيون في المهجر الأوروبي خلال عشرينيات القرن العشرين، وقد ارتبطت مباشرة بتيار التحديث والقومية الإيرانية الناشئ.

جاء تأسيس المجلة في مرحلة كانت إيران تعيش فيها أزمة سياسية وفكرية بعد الثورة الدستورية، ولذلك أعلنت هيئة تحريرها في العدد الأول أن هدفها هو إيقاظ إيران من الجهل والخرافة والتخلف، ونشر الفكر العلمي الحديث، والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي، وقد ركزت مقالاتها على قضايا التعليم الحديث، وحقوق المرأة، والإدارة الحكومية، والاقتصاد، وإصلاح المجتمع، ونقد البنى التقليدية التي اعتبرها محرروها عائقاً أمام التقدم.

احتلت القومية الإيرانية مكانة مركزية في خطاب المجلة؛ إذ دعت إلى بناء دولة وطنية حديثة تستند إلى العلم والتعليم والمؤسسات، ورأت أن نهضة إيران لا يمكن أن تتحقق إلا بالاستفادة من التجربة الأوروبية الحديثة، كما سعت إلى تعزيز الشعور بالهوية الوطنية الإيرانية وإبراز أهمية اللغة الفارسية والثقافة الإيرانية في عملية بناء الدولة الحديثة، ولهذا تُعد «نامه فرنگستان» من المنابر الفكرية التي مهدت ثقافياً للمناخ الذي رافق صعود رضا شاه وتشكّل المشروع القومي الإيراني في عشرينيات القرن العشرين.

ورغم أن عمر المجلة كان قصيراً ولم يتجاوز عاماً واحداً، فإن تأثيرها كان أكبر من مدة صدورها، لأنها مثّلت صوت جيل من المثقفين الإيرانيين الشباب الذين عاد كثير منهم لاحقاً إلى إيران وتولوا مناصب أكاديمية وإدارية وثقافية مهمة، وأسهموا في مشاريع تحديث التعليم والإدارة والثقافة خلال العقود اللاحقة، ولذلك تُعد «نامه فرنگستان» وثيقة مهمة لفهم الأفكار القومية والإصلاحية التي سادت بين النخب الإيرانية المتعلمة في أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة