المبادرة الحضارية من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
نحو فهم المبادرة الحضارية
ليس من المبالغ
فيه أن نقول: إننا نعيش منذ زمن حالة استنفار دفاعي عن حضارتنا وديننا؛ فما إن
ندفع هجمة أو نناقش شبهة حتى تطل أخرى برأسها ممن يتصيدون للأمة، وأصبح جانب من
جهدنا الفكري منصرفًا إلى الإجابة عن أسئلة يطرحها الآخرون، والدفاع عن مواقف لم
نكن نحن من اختار موضوعاتها.
ولا شك أن
الدفاع ضرورة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوظيفة من شبهة طرأت وعرضت إلى حالة
دائمة صارفة عما سواها مما يتطلب جهداً؛ فيصبح انشغالنا بما يلقيه الآخرون في
طريقنا أكبر من انشغالنا بما ينبغي أن نتَّجه إليه، أو ننتجه.
بين المغلوب وغالبه
من مشهور عبارات
ابن خلدون (ت 808هـ) أن «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه
ونحلته وسائر أحواله وعوائده»(1)، بل أشار أيضًا إلى ما تحدثه الغلبة
من ضعف العمران وقصر الآمال، وهي ملاحظة تتجاوز تقليد المظاهر إلى أثر الغلبة بشكل
عام؛ فالغلبة قد تتحول بالنسبة للمغلوب إلى معيار وميزان للتقدم والتخلف.
وخطورة هذا
الأمر في تحول الأمة من منتجة للحضارة إلى مستهلكة لفكر المتغلب، وأن يكون محدداً
لما يستحق أن نبحثه، وأسئلته التي يطرحها دون أن تكون ذات أثر، فتستقبل الفكر
والأسئلة والنماذج، ثم ننشغل بمناقشتها، دون أن نكون بحاجة حقيقية لها!
وبهذا ترتهن
حدودنا المعرفية للآخر، فننتقل دون أن نشعر من تلقي نتائج المعرفة إلى الانشغال
بأسئلة المتغلب التي فرضها.
لقد عرفت الأمة
قديمًا كيف تستفيد من منجزات الآخرين دون أن تجعلها سقفًا لحركتها؛ وكانت حركة
الترجمة في الحضارة الإسلامية مثالًا واضحًا على ذلك، إذ أضافت رصيدًا معرفيًا
هائلًا إلى حركة العلم، وفتحت آفاقًا واسعة أمام البحث والتفكير، وانتقت -وهي
تترجم- أفضل ما عند الآخر دون أن تترك معارفه تشكل هُويتها أو تطغى عليها.
المجتمعات والموقع الحضاري
إن المجتمعات لا
ترسم موقعها الحضاري بكثرة ما تعرفه عن العالم من حولها فحسب، وإنما بمقدار ما
تستطيع أن تضيفه إلى معرفة العالم وحضارته ومنتجاته.
والأمة المسلمة
-مع جريان السنن عليها- لها خصوصية اتصال وجودها برسالة محفوظة؛ فالله تعالى تكفل
بحفظ كتابه، وجعل في هذه الأمة وعاء لهذا الحفظ، وهذا لا يعني أنها معصومة من
الضعف أو التراجع، وإنما يعني -لها خاصة- أن سقوط ممالكها لا يعني انتهاء رسالتها،
وأن مرضها لن ينتهي بها إلى الوفاة، غير أن بقاء الرسالة لا يضمن تلقائيًا
فاعليتها في التاريخ؛ فالفاعلية ميدان العمل والاجتهاد واستثمار الإمكانات.
وهنا يبرز
السؤال: كيف تتحول الأمة من استهلاك الأفكار والمنتجات إلى إنتاج الأفكار
والمنتجات؟ وكيف تنتقل من موقع رد الفعل الدائم إلى موقع المبادرة؟
ابن الزبير.. وإعادة تشكيل الموقف
يذكر ابن الأثير
(ت 630هـ) في أحداث فتح إفريقية(2) أن أمرها استعصى على عبدالله بن أبي
السرح (ت 37هـ)، وأن عبدالله بن الزبير (ت 73هـ) عرف أن قائد الروم جعل مكافأة لمن
يقتل القائد ابن أبي السرح، فاختفى بعيداً خوفاً من المباغتة!
فأشار ابن
الزبير عليه أن يعلن عن مكافأة مماثلة لمن يأتي برأس ذلك القائد!
وبهذا لم يكتفِ
ابن الزبير بمواجهة أثر التهديد، وإنما أعاد تشكيل الموقف واستعمل منطق الخصم
لاستعادة المبادرة.
والدرس هنا
يتجاوز ميدان الحرب إلى ميدان المعرفة؛ فمن يظل أسيرًا لما ينتجه الآخرون من
الأفكار والأشياء، ويظل محصوراً في تصوراته التي فرضها، ومحكومًا بما يطرحه من
الأسئلة والأولويات، يظل ذهنيا مشبعًا بالخوف.
أما استعادة
المبادرة فتبدأ حين لا يكون السؤال: كيف نجيب عما يُطرح علينا؟ وإنما ما الذي
ينبغي أن نسأل عنه نحن؟ وما الذي يتوجب علينا طرحه لإلزام الخصم بالانشغال به؟
من الإجابة عن الأسئلة إلى صناعتها
لا تكفي البراعة
في الإجابة عن أسئلة يطرحها بعض من حولنا ممن لا يطلبون الحق، التي قد تتمحور في
طعون في أصول الدين، أو تشريعاته، أو الحد من رصيده بين الناس بشتى الطرق، وتصوير
حالة عداء دائم بينه وبين العقل والعلم والواقع؛ بل ينبغي أن نكون من الفطنة ونحن
نواجه طرح تلك الأسئلة هل حقاً هي أسئلة ذات هدف، وإن بدت في صورة الاستفهام؟
إن المنتج
المعرفي الحقيقي لا يقتصر على تقديم إجابات جديدة عن أسئلة قديمة، وإنما يبدأ
بإعادة السؤال نفسه، أو اكتشاف مشكلة لم تكن موضع انتباه، أو بناء طريقة جديدة
لفهم ظاهرة قائمة، أو رفض السؤال من الأساس؛ لأنه بلا هدف معرفي يترتب عليه، أو لا
ينبغي أن يُطرح بتلك الصورة.
كما أننا بحاجة
إلى الانتقال من استهلاك المفاهيم إلى إنتاجها؛ فلا نستورد أدوات تفسير الواقع
ومعاييره دون فحص، وإنما نستوعبها ونطورها ونضيف إليها، أو ننتج أدواتنا التي تصنع
ذلك.
ونموذج ابن
خلدون شاهد على ذلك في مجال العلوم؛ فلم يضف معلومة جديدة إلى التاريخ، بل غيَّر
طبيعة السؤال من: ماذا حدث؟ إلى لماذا يحدث؟ فنقل المعرفة من مستوى الرواية، إلى
مستوى التحليل واكتشاف السنن والأسباب.
وهنا تكمن إحدى
صور الإنتاج المعرفي التي نحتاج إلى استعادتها؛ أن تكون لنا القدرة على إعادة
النظر في المنتج المعرفي، وأن نضيف إلى ما اكتشفه العالم بعداً جديداً، بعيدًا عن
صور الاستجابة الفورية الانفعالية أو التوفيقية المتكلفة، كالتي نراها عند بعض من
يسارع مع كل مستجد علمي إلى البحث عن ربطه بالتنزيل الحكيم؛ فإن هذا مسلك يُحمِّل
كتاب الله ما لا يصح، ويفصح عن عقدة نقص، تكتفي باللحاق بالآخر بدلاً من المبادرة
تقديم إضافة حضارية حقيقية.
إن الأمة لا
تستعيد موقعها الحضاري إلا حين تصبح مصدرًا لإضافة جديدة إلى الحضارة الإنسانية،
فلقد طال انشغالنا بالسؤال: كيف نجيب عن أسئلة العالم؟ وحان أن نسأل: ما الأسئلة
الحقيقة بالطرح؟ وما التي ينبغي البحث عن إجابات لها؟
تحرير السؤال قبل إنتاج الجواب
مما اعتنى به
ابن تيمية (ت 728هـ) في جواباته على بعض الاعتراضات، أو الأسئلة التي يضعها
أصحابها مقدمات لا تصح هو النظر في السؤال وتحريره أولاً، فأحياناً قبل أن يجيب
ينظر في السؤال، وربما قال صراحة: «هذا السؤال فاسد الاعتبار»(3)؛ أي
أن منازلة السائل، ليست بالضرورة بالجواب عما يطرحه، بل بعدم اعتبار سؤاله سؤالاً
يستحق الجواب، أو المباحثة.
وتلك مسألة مهمة،
فليست كل الأسئلة أبوابًا إلى المعرفة؛ بل بعضها أسوار وأقفاص لها.
لقد اعتدنا أن نعامل السؤال كما لو كان مقدسًا، ونتبارى في الإجابة عنه مهما كانت مقدماته! وقد يكون السؤال أسيرًا لتصور سابق، أو قائمًا على ثنائية زائفة غير مسلَّم بها، وهنا لا تكون العبقرية في العثور على جواب أكثر براعة، وإنما في النظر لجدوى السؤال وأهميته واتساقه؛ هل يستحق أن يكون سؤالاً؟ وهل يستحق الجواب؟ أو ينبغي ألا يلتفت له، وتلك مهمة أصحاب الفهوم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً