معبد الإلحاد يهتز (21)

لماذا يجبرنا الله على الصلاة؟

ليس أخطر ما في الإلحاد أنه ينكر الله عزَّ وجل، بل أنه يظن أن إنكاره هذا يكفي ليصبح حكمًا على حكمة الله سبحانه وتعالى وتشريعه، فالمُلحد يقف أمام أعظم منظومة روحية عرفها التاريخ - منظومة الصلاة التي شكّلت وجدان أمةٍ كاملة، وربّت قلوب الملايين، ورفعت الإنسان من أسر المادة إلى عنان السماء - ثم يتعامل معها كأنها ظاهرة عاطفية بسيطة يمكن تفكيكها بمثالٍ ساذج أو حكايةٍ إنشائية.

إن الإلحاد في جوهره تمرينٌ طويل على سوء الفهم؛ سوء فهم الإنسان لنفسه، ولسيكولوجيته، ولتاريخه، قبل أن يكون سوء فهم للوحي المقدس.. ولذلك حين يعجز عن فهم الحكمة، يلجأ إلى الحيلة القديمة: تبسيط الفكرة إلى حدّ تشويهها، ثم مهاجمة هذا التشويه وكأنه الحقيقة.

ثم يتبجح الملحد بأسئلة ساذجة: لماذا نصلي؟ ولماذا خمس مرات؟ ولماذا بكلمات محددة؟ وكأن آلاف العلماء والمفكرين والفلاسفة والمتصوفة عبر القرون لم يمروا بهذه الأسئلة، ولم يتأملوا معناها، ولم يكتشفوا حكمتها.

نص الشبهة

«هل فكرتَ لماذا نصلّي بهذا الشكل؟ ولماذا نُعيد كلام الله ذاته حين نتصل به؟ ولماذا خمس مرات في اليوم؟ أليس غريبًا أن تُفرض علينا طريقةُ التواصل مع الإله، وأن يُحدَّد وقتها وكلماتها وعددها؟

هل يمكن أن يكون للحبّ معنى إذا فُرض؟

تخيّل أمًّا مُسنّة وأولادها في بلدٍ بعيد، فقالت لهم: يجب أن تتصلوا بي خمس مرات يوميًّا، وإن لم تفعلوا سأغضب وأعاقبكم، هل سيكون لاتصالهم بها معنى؟ طبعًا لا؛ لأن الاتصال أتى من خوفٍ لا من شوق.

ولكن ماذا لو تركت لهم الحرية، فاتصلوا بها حين اشتاقوا، وحين احتاجوا صوتها، وحين شعروا أنهم يريدون قربها، لا لأنهم خائفون من عقابها؟ عندها فقط يكون للاتصال معنى، وعندها فقط يصبح القرب حقيقيًّا.

فهل الإله يريدنا أن نأتيه حبًّا أم خوفًا؟ وهل يُعقل أن يُجبرنا على حبّه، ويعاقبنا إن لم نحبّه؟».

الرد على الشبهة

أولاً: هل الإلزام الأخلاقي مخاصم للحرية؟

تخيل لو أن الحرية تعني: «افعل ما تشاء دون أي قيود».. هل يمكن أن تبقى الحياة الإنسانية متماسكة؟

في فلسفة إيمانويل كانط، الإلزام أو الواجب ليس سجنًا للحرية، بل هو الأساس الذي يعطيها معناها.

فالحرية الحقيقية ليست الانفلات من كل التزام، بل القدرة على اتباع قانون أخلاقي يمكن تعميمه على الجميع.

ولو افترضنا عالمًا بلا التزامات:

لا زواج فيه، ولا مسؤولية، ولا قوانين.. سنجد أن حرية كل فرد ستتحول إلى تهديد لحرية الآخرين، فتتحول الحرية إلى فوضى.

ولهذا صاغ كانط مبدأه الشهير: «تصرف وفق قاعدة يمكن أن تصبح قانونًا عامًا».

الإلزام هنا لا يلغي الحرية، إنما ينظمها.. تماما مثلما أن إشارات المرور لا تجعل الطريق سجنًا، ولكنها تمنع الفوضى وتجعل السير ممكنًا.

ثانيًا: الإنسان يحتاج نظامًا نفسيًا وعصبيًا:

الإنسان بطبيعته ينسى ويتشتت.. وعلم النفس السلوكي يؤكد أن أي سلوك يحتاج إلى تعزيز متكرر ليبقى حيًا.

تخيل دماغك كطريق في غابة؛ كلما سرت فيه أصبح واضحًا، وإذا تركته غطاه العشب.

والصلاة تعمل كتذكير دوري يحافظ على الوعي الوجودي من الذوبان في تفاصيل الحياة.

كما أن الدراسات الحديثة حول التأمل المنتظم -الذي يشبه الصلاة في تكراره- أظهرت تغيرات في القشرة الجبهية الأمامية المرتبطة بالتركيز والتنظيم العاطفي، كما لوحظت زيادة في المادة الرمادية لدى الممارسين المنتظمين.

بمعنى آخر: التكرار الروحي يعيد تشكيل الدماغ.. ولهذا لم تعرف أي حضارة في التاريخ روحانية بلا طقوس دورية.

ثالثًا: هل التكرار ملل أم عمق؟

القول إن التكرار يقتل المعنى قول سطحي، فالرياضي يكرر الحركة آلاف المرات ليصل إلى الإتقان.

وعازف الموسيقى يعزف النغمة ذاتها يوميًا دون أن تفقد جمالها.

والإنسان يقول «أحبك» مرات لا تحصى دون أن تفقد معناها.

وفي علم الأعصاب نجد أن التكرار يقوي الروابط العصبية ويحوّل السلوك إلى عادة عميقة في الشخصية.

إذن المشكلة ليست في التكرار بل في غياب القلب.

رابعًا: الحب يحتاج طقوسًا ليبقى:

الحب العاطفي وحده جميل لكنه هش، وعلم النفس العاطفي يبين أن العلاقات التي تعتمد فقط على الشعور أقل استقرارًا من العلاقات التي تحتوي طقوسًا منتظمة، ولهذا نجد في كل ثقافة: أعيادًا، واحتفالات، ولقاءات دورية.

الطقوس هنا ليست شكليات، بل أدوات نفسية تعزز الانتماء والاستمرار.

وقد أظهرت دراسات نفسية أن الطقوس في العلاقات تزيد الرضا العاطفي وتقلل تأثير التوتر، فالطقوس تحول الحب من شعور مصطنع إلى علاقة مستمرة.

خامسًا: لماذا نُعيد كلامَ الله ذاتَه حين نتصل به؟

الشبهة تقول: «أنت حين تصلّي تقرأ كلامَ الله عليه، أليس هذا غريبًا؟ كأنك تُخبر شخصًا بكلامه هو!»

السؤال يبدو وجيهًا للوهلة الأولى، لكنه يقوم على خلطٍ بين غايتين مختلفتين تمامًا.

فنقول: لمن الكلام؟ لله عزَّ وجل أم لك أنت؟  وعندما تقرأ القرآن الكريم في الصلاة، من المستفيد من هذه القراءة؟

والجواب الواضح: أنتَ، وليس الله عزَّ وجل، الله جلَّ جلاله لا يحتاج أن تُذكّره بكلامه، لكنك أنتَ تحتاج أن تسمعه، وتتشرّبه، وتُعيد معايشته يوميًا.

تمامًا كما أن الطبيب حين يكتب لك وصفة دوائية لا يحتاجها هو، بل أنت من تحتاجها وتُعيد قراءتها كل يوم وتلتزم بها بكل صرامة.

ولنأخذ مثالا -ولله المثل الأعلى- الأم تُعيد على طفلها نفس القصة كل ليلة، هل هذا عبث؟

أو الرجل يقول لزوجته «أحبك» كل يوم، هل فقدت الكلمة معناها؟

أو اللاعب يُردّد نشيد بلاده الوطني في كل مناسبة، هل هو يُخبر الوطن بأخباره؟

والإجابة: لا.. لأن التكرار هنا ليس إخبارًا، بل هو ترسيخ وتجديد للعلاقة.

فأنت حين تُعيد كلام الله سبحانه وتعالى يوميًا، أنت لا تُخبره، بل تُعيد برمجة نفسك على قيمه ورؤيته عزَّ وجل للوجود.

وللنظر إلى الطعام نجد الإنسان   يأكله كل يوم، ليس لأنه نسى طعمه، بل لأن جسده يحتاجه باستمرار.. والقرآن الكريم في الصلاة هو غذاء الروح، وليس لأن الله سبحانه وتعالى يحتاج سماع كلامه.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) (يونس: 57).

والشفاء لا يُؤخذ مرة واحدة، بل يُداوِم عليه الإنسان.

لاحظ في سورة «الفاتحة»: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».

هذا دعاؤك أنت أيها الإنسان وطلبك أنت ونداؤك أنت.

نعم.. الفاتحة كلام الله عز وجل، لكنها في آنٍ واحد لسان العبد يطلب ويُناجي ويعترف.

الله تعالى علّمك كيف تتكلّم معه، كما يُعلّم الأبُ طفلَه كلمات الاعتذار والحب، لأن الطفل لا يعرف كيف يُعبّر بمفرده.

سادسًا: التوازن بين الحب والخوف:

القرآن الكريم يصف العلاقة بالله عزَّ وجل بتوازن دقيق: «يحبهم ويحبونه» و «يدعون ربهم خوفًا وطمعًا» والخوف هنا ليس رعبًا مرضيًا، لكنه هيبة تحفظ جدية العلاقة. مثلما أن احترام الابن لأبيه لا يناقض حبه، إنما يحميه من الاستهانة.

سابعًا: مغالطة القياس العاطفي:

قياس العلاقة بالله عزَّ وجل على أمٍ بشرية مغالطة من أساسها.

فالأم بشر محدود يحتاج إلى الاهتمام، أما الله عزَّ وجل فهو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد مِن خلقه.

فالصلاة ليست لحاجة الله سبحانه وتعالى، بل هي لحاجة الإنسان، وعقوبة تارك الصلاة ليست انتقامًا ممن ترك الصلاة بقدر ما هي عدالة وحرص على مصلحة الإنسان الذي يجحد خالقه عزَّ وجل.

لقد جاءت الصلاة خمس مرات لتعيد الإنسان إلى مركزه كلما ابتعد؛ لتذكّره بأن الحياة ليست سباقًا مادّيًا بلا غاية، وأن فوق هذا العالم ربًّا يسمع ويرى ويهدي.

أما الإلحاد فيحاول أن يبني إنسانًا بلا عبادة، وأخلاقًا بلا التزام، ومعنىً للحياة بلا مصدرٍ للمعنى.

وهذه معادلة لم تنجح في التاريخ يومًا.

اقرأ أيضًا:

هل الزمان أزلي؟

هل القرآن الكريم ينهى عن اتباع السُّنة النبوية؟!

لماذا كل ملائكة الله «عِبرانيّون»؟


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة