وسائل التواصل الاجتماعي.. وصناعة القلق الجمعي!

عامر شماخ

15 أبريل 2026

65

على عكس وسائل الإعلام التقليدية، تقدِّم وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في توفير المعلومات، وتوعية الجماهير بالواقع، خصوصًا في أوقات الحروب والأزمات، وما يتعلق بالتالي بجهود الإغاثة والإنقاذ.

ونظرًا لخاصية التواصل التفاعلي بين الأشخاص، التي تتميز بها وسائل التواصل الاجتماعي دون غيرها من الوسائط الأخرى، فإنها تتيح الفرص لنقل محتوى الرسائل، صوتيًّا أو مرئيًّا أو كتابة، إلى أي شخص في العالم، بنفاذية سريعة، ومن دون أي قيود زمانية أو مكانية.

فمن خلال المنصّات، يمكن الوصول إلى التحديثات الرسمية، وإرشادات الأمن والسلامة، وتعزيز التضامن المجتمعي، مثل حملات التبرع، أو نشر قصص الناجين، فضلًا عن توثيق الوقائع، وعرض الجانب الإنساني للحدث، ومن ثم العمل على كسب التعاطف وتخفيف الشعور بالعجز.

وعلى الجانب الآخر، يمكن أن تكون هذه الوسائل بوقًا لتخويف الجماهير، وإشاعة الفوضى، بتضخيم الأخطار، وزراعة الشك في إدراك ومشاعر المستخدمين، وتشكيل رأي عام يكرّس الاضطراب المجتمعي.

وفي الحرب الحالية، يجد الملايين أنفسهم متصلين على مدار الساعة بسيل من الأخبار العاجلة، والمقاطع المصورة، والتحليلات المتضاربة، وتصبح كل شائعة قابلة لأن تثير موجة واسعة من القلق الجمعي بين المتلقين.

وهنا يبرز دور المؤثرين في تشكيل وعي الجمهور نحو التهدئة، وتحمّل المسؤولية الوطنية، بتقديم معلومات موثوقة، والتحقق من المحتوى قبل النشر، وعدم الانجراف وراء المثيرات أو المواد الدرامية غير الدقيقة.

مفهوم القلق الجمعي وآليات صناعته

القلق الجمعي حالة نفسية واجتماعية تنتشر بين عدد كبير من الناس في وقت واحد؛ حيث يشعرون بقدر مرتفع من التوتر والخوف، جراء انتشار شائعة، أو وقوع أزمة اقتصادية، أو وباء، أو حرب؛ ما يؤثر على سلوك المجتمع ككل، أو قطاع كبير منه، فيما يُعرف بـ«العدوى العاطفية» التي تنتقل بين الأفراد من دون تلامس مباشر، بل عبر الكلمات والصور، والفرق بين الخوف الطبيعي والقلق الجمعي أن الأول مرتبط بتهديد مباشر ومحدد، وأما الآخر فينشأ من تهديد غير واضح، أو مبالغ فيه، ويُعاد إنتاجه عبر المحتوى المتداول.

ووسائل التواصل لا تخلق القلق من العدم، لكنها تضخّمه وتسرّع انتشاره، عبر المحتوى المثير المتعلق بالخوف أو التهديد، فهو ينتشر بسرعة أكبر من المحتوى المتوازن، وأيضًا عبر بث معلومات مضللة، مثل نشر صورة من حرب قديمة على أنها وقعت اليوم، فهذه الصورة رغم زيفها تحمل شحنة عاطفية قوية، فتنتشر بسرعة، وكلما أُعيد نشرها تكتسب مصداقية زائفة، والنتيجة بيئة معلوماتية مشوشة وغامضة تغيِّر المزاج العام، وتكون منشأ للقلق النفسي.

كما تسهم الخوارزميات وأشكال التفاعل المختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم القلق، لما يصاحبها من تكرار وإلحاح، ومن اختراع سرديات سلبية تولّد انطباعًا بأن «الوضع أسوأ مما هو عليه».

آثار القلق الجمعي على الأفراد والمجتمعات

التعرّض المستمر لمحتوى الحروب يترك أثرًا عميقًا على النفس، فالبعض قد يجد نفسه يتابع الأحداث بشكل قهري، رغم أنها تزيد من توتره، فيدور في حلقة مفرغة، فما يتابعه من محتوى يسبب له القلق، والقلق يدفعه لمتابعة المزيد، فيما يشبه الإدمان السلوكي، فيفقد التركيز في دراسته أو عمله، وقد يعاني أعراضًا نفسية عديدة، كتوتر العضلات، وصعوبة الاسترخاء، واضطراب النوم، وزيادة ضربات القلب، والشعور بالإرهاق المستمر، وأحيانًا الشعور بالاكتئاب.

أما على مستوى المجتمع، فيؤثر القلق الجمعي الناتج عن ضجيج وسائل التواصل على الاستقرار الاجتماعي، بإعادة تشكيل الرأي العام بشكل غير متوازن، ما يؤدي إلى حالة من الارتباك المجتمعي، قد تفضي إلى احتجاجات شعبية، وربما استتبع ذلك قرارات سياسية أو اقتصادية متسرعة تفقد ثقة المواطنين في المؤسسات والجهات الرسمية.

والأخطر أن تتعزز حالة من الاستقطاب والانقسام المجتمعي، فيزداد التعصّب للرأي، وينتفي الحوار، وينتشر الخوف بشكل غير متناسب مع الواقع.

كيف نعالجُ الظاهرة؟

يتضح مما سبق أن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدّيْن، فمن ناحية لا يمكننا الاستغناء عنها؛ إذ هي ناقل جيد للحقيقة، لكنها في الوقت ذاته يمكن أن تضر المجتمع ضررًا بالغًا، خصوصًا في أوقات الحروب والأزمات، وذلك إذا ما تُركت من دون مراقبة وتهذيب، فيجب:

1- تعزيز الوعي الرقمي: بما يؤهل صنّاع المحتوى للتعامل مع محتواهم بطريقة عقلانية، دون تقليل أو تضخيم، والتحقق من المعلومات قبل مشاركتها، والاعتماد على المصادر الموثوقة.

2- على الحكومات توفير معلومات دقيقة وسريعة: بإصدار بيانات واضحة ومستمرة طوال فترة الحرب، يعتمد عليها الناس كمصدر وطني لا يغني عنه بديل.

3- مكافحة الأخبار الكاذبة: بإنشاء وحدات لرصد الشائعات والردّ عليها، وسنّ القوانين الكفيلة بالحدّ من المعلومات المضللة، مع مراعاة التوازن بين الأمن المجتمعي وحرية التعبير.

4- إيجاد سُبل للتكامل بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني: لتعزيز الوعي والدعم النفسي في أوقات الحرب، وبث رسائل إيجابية لمنع الخوف والانقسام.



اقرأ أيضاً:

التربية في زمن القلق.. تحديات وحلول

كيف نبني ملاجئ نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟

«الخصوصية العائلية».. بين احترام القيم وسطوة «السوشيال ميديا»!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة