التربية في زمن القلق.. تحديات وحلول

التربية في زمن القلق.. تحديات وحلول

في زمن الكوارث والحروب، لا تنحصر الآثار والتداعيات على الأمن والاقتصاد فحسب، بل إنها تمتد إلى الأطفال الذين يتأثرون بأجواء هذه الكوارث أو الحروب بشكل بالغ السوء؛ فيشعرون بالهلع والقلق جراء ما يسمعون ويشاهدون مما يحدث حولهم من خراب ودمار، وهي الآثار التي يصعب بكل تأكيد معالجتها سريعاً، كما هو الغالب مع الأمن والاقتصاد، إذ يظل تأثيرها لسنوات طويلة وربما لعقود؛ ما يستدعي تفعيل أدوار العديد من المؤسسات حتى يمكن تجاوز هذه الآثار.

وتأتي الأسرة والمدرسة في مقدمة هذه المؤسسات كونهما البيئتين الأقرب القادرتين على احتواء مخاوف الأطفال من خلال بناء شعور داخلي بالأمان يخفف من وطأة ما يحيط بهم من اضطراب، فالطفل في مثل هذه الظروف لا يكتفي بمشاهدة الأحداث، بل يعيد تفسير ما يراه، فضلاً عما يقرأه وفق قدراته المحدودة؛ ما يجعله أكثر عرضة لتضخيم الخطر أو إساءة فهمه.

منظومة الأمان

من البديهي أن يتكامل دور كل من المدرسة والأسرة فيما يخص تنشئة الأطفال وتوجيههم، فدور كل منهما لا يقل عن الآخر، خاصة أن وقت الطفل واهتماماته موزع بينهما؛ وعليه فإن شعور الطفل بالأمان في زمن الحروب لا يبنى من خلال طرف واحد، فيما أن تقصير أحدهما يؤثر على ما يقوم به الآخر أيضاً.

من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن الأمان لدى الطفل حديثاً عن منظومة متكاملة لا تحتمل التجزئة؛ إذ لا يكفي أن توفر الأسرة بيئة دافئة، إذا كانت المدرسة عاجزة عن احتواء القلق كما لا تجدي جهود المدرسة إذا كان الطفل يعود إلى بيت يفتقر إلى الطمأنينة أو يمتلئ بالتوتر والخوف.

وعليه، فإنه في الوقت الذي يلزم الأسرة أن تمنح الطفل الإحساس الأولي بالحماية والاحتواء، على المدرسة إعادة إنتاج هذا الإحساس في سياق اجتماعي أوسع يرسّخ لدى الطفل أن الأمان ليس حالة فردية مؤقتة، وإنما منظومة يمكن استعادتها حتى في ظل الاضطراب.

كما يصبح التناغم بين خطاب الأسرة والمدرسة أمراً بالغ الأهمية، إذ إن التناقض بين ما يسمعه الطفل في المنزل وما يتلقاه في المدرسة قد يضاعف من حيرته وقلقه، فيما أنه وحين يتكامل الخطابان سيتولد لدى الطفل قدر من الثبات النفسي يجعله أكثر قدرة على فهم ما يجري دون أن ينهار إحساسه بالأمان.

كذلك، فإن كلاً من الأسرة والمدرسة مطالبتان بأن تحافظا على الروتين المعتاد، فكما أن الأسرة مطالبة بتنظيم حياة الطفل داخل المنزل من حيث مواعيد النوم والطعام والأنشطة، فإن على المدرسة القيام بدور موازٍ في الحفاظ على نسق تعليمي منتظم ولو في حدوده الدنيا، فالروتين سواء في البيت أو المدرسة يمنح الطفل إحساساً عميقاً بالاستقرار، ويقاوم حالة الفوضى التي تفرضها ظروف الحرب أو التعرض لكارثة.

ولا يختلف الأمر كثيراً فيما يخص التربية على الصبر والوعي، فكما تعمل الأسرة على غرس القيم الأساسية المرتبطة بالتحمل والتكافل في أبنائها، تعمل المدرسة على تعميق هذه القيم عبر المناهج والأنشطة وربطها بسياقات أوسع من التاريخ والتجارب الإنسانية، فيتحول الحدث الصعب من مجرد أزمة ضاغطة إلى فرصة لتشكيل وعي أكثر نضجاً وصلابة.

وفيما يتعلق بالضغوط المعيشية التي تفرضها الحروب أو الكوارث، يتجلى دور الأسرة في تعزيز روح التعاون داخل المنزل من خلال إشراك الأبناء في المسؤوليات وتوجيههم للتخلي عن الكثير من الكماليات والأمور الترفيهية، بينما يمكن للمدرسة أن تدعم هذه الروح عبر الأنشطة الجماعية والعمل التشاركي بين الطلاب بما ينمي لديهم الإحساس بالمسؤولية والانتماء.

كما يمكن للأسرة أن تستغل هذه الأجواء لترسيخ معنى مهم في نفوس الأبناء حيث التأكيد على أن حياة الإنسان لا تسير على وتيرة واحدة، وكما يعيش أياماً تملؤها السعادة والبهجة، فإنه أيضاً معرض للابتلاء والحرمان، لكن الأهم هو أن الأزمات مهما طالت فهي إلى زوال، وهو المعنى الذي يمكن أن تؤكده المدرسة أيضاً من خلال تقديم نماذج تاريخية وتجارب لشعوب استطاعت تجاوز الحروب أو الابتلاءات ومن ثم تمكنت من إعادة البناء.

قراءة الأحداث

ربما حتى عقود قريبة كان يمكن أن نحسم القول بأن الأسرة والمدرسة هما المصدران الأساسيان، وما دونهما مصادر ثانوية فيما يخص استقاء المعلومات لدى الأطفال، غير أنه ومع انتشار الأجهزة الرقمية بين الأطفال وتعلقهم بها أضحت هناك العديد من المصادر التي لا تقل أهمية عن الأسرة والمدرسة.

في هذا السياق، فإن دور كل من الأسرة والمدرسة لا ينحصر عند حد حماية الأبناء من الخوف أو تحقيق الأمان النفسي، بل يصبح من الضروري أيضاً أن تقوما بتعليم الأطفال كيف يفهمون ما يجري دون أن يقعوا أسرى له، وهو ما يلزمهما بأن تقدما نموذجاً متوازناً لقراءة الأحداث يقوم على التفسير الهادئ بعيداً عن التهويل أو التبسيط المخل.

وتبرز هنا أهمية ترسيخ قيمة القراءة النقدية للأحداث، فعلى الأسرة أن توجه الأبناء إلى عدم التسليم بكل ما يعرض عليهم، بل عليها أن تعودهم على التساؤل والبحث والمقارنة، بينما تعمق المدرسة هذا التوجه عبر أساليب تعليمية تُنمي مهارات التحليل والفهم العميق، وتخرج الطالب من دائرة التلقي السلبي إلى المشاركة الواعية، وهو ما يسهم في النهاية إلى تشكيل عقلية لا تقبل كل ما يعرض عليها أو يقال لها دون أدلة وبراهين.

كذلك، فإن الأسرة مطالبة وفي ظل أجواء الكوارث أو الحروب بأن تجري حوارات يومية بسيطة تراعي عمر الأبناء تشرح خلالها يوميات ما يحدث بلغة مطمئنة، فتعيد ضبط الانفعالات وتصحح الكثير من المعلومات، فيما تعمل المدرسة على تدريب الطلاب على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والشائعة؛ ما يساهم في تعليم الأطفال أن الأحداث يمكن فهمها وتحليلها قبل تحديد الموقف منها.

ولا يمكن للأسرة أن تتجاهل توجيه الأبناء إلى أهمية أن تكون المصادر التي يتم استقاء المعلومات منها ذات موثوقية، فلا يتم الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن تكون هي بدورها مستندة إلى مصادر رسمية أو مصادر معهود عليها الصدق، بالإضافة إلى تعليمهم كيفية التحقق من صحة الأخبار، بينما على المدرسة ومن خلال تقديمها أنشطة ومهارات منهجية مساعدة الطلاب على فحص المعلومات وتحليلها وتدريبهم على التفكير النقدي.

كذلك، فإنه من المهم أن يتكامل دور الأسرة والمدرسة في دفع الأبناء خاصة الصغار منهم إلى تجنب متابعة الأخبار السلبية المتعلقة بالحروب والعنف؛ إذ أظهرت العديد من الدراسات النفسية أن ذلك يمكن أن يترك آثاراً واضحة على الأطفال والمراهقين؛ مثل القلق المفرط واضطرابات النوم والشعور بعدم الأمان تجاه المستقبل.

وبطبيعة الحال، فإن الدور التربوي للأسرة والمدرسة يمتد إلى متابعة أثر هذه التوجيهات على سلوك الأبناء وفهمهم للأحداث، فالمراقبة المشتركة تتيح اكتشاف أي انحراف أو قلق مبكر والعمل على معالجته قبل أن يتفاقم؛ وهو ما يساهم في أن يصبح الطفل أكثر قدرة على اتخاذ موقف متوازن بعيد عن الانفعال أو الانجراف وراء الشائعات، وتجعله أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات المستقبلية وقادراً على قراءتها بثقة ووعي.



اقرأ أيضاً:

ثلاثية تهزم الخوف خلال أوقات الحروب

كيف نبني ملاجئ نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟

أمهات في زمن الحرب.. كيف يتحول رعب القصف إلى دروس تربوية؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة