مفاوضات غزة في قبضة نتنياهو.. أين الضغط الأمريكي؟
بعد نحو أسبوعين
على جولة جاريد كوشنر ولقائه بنيامين نتنياهو، لا تزال مفاوضات غزة تراوح مكانها،
دون انتقال واضح من إدارة وقف إطلاق النار الهش إلى تنفيذ المسار السياسي والأمني
والإعماري، وتكشف التطورات أن الأزمة لا ترتبط بغياب الخطط أو الوسطاء أو
التفاهمات الأولية، بقدر ما تتصل بالخلاف حول ترتيب الالتزامات وتفسيرها وآليات
تنفيذها.
عمليًا، بقي
قطاع غزة عالقًا بين مسارين متناقضين؛ إذ أعلنت حركة «حماس» قبولًا مبدئيًا بخارطة
طريق تتضمن إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة ضمن ترتيب تدريجي وتسليمها إلى جهة
فلسطينية، بينما تصر حكومة نتنياهو على نزع السلاح بالكامل قبل أي انسحاب «إسرائيلي».
وفي ظل غياب ضغط
أمريكي ملزم، تحولت جولة كوشنر من فرصة متوقعة لكسر الجمود إلى محطة كشفت حدود
قدرة واشنطن، أو رغبتها، في إلزام حكومة نتنياهو بتنفيذ الخطة التي رعتها الولايات
المتحدة.
نتنياهو يعيد ترتيب شروط مفاوضات غزة
تقوم خارطة
الطريق التي وافقت عليها «حماس» في أواخر يوليو على مسار تدريجي لنزع السلاح
الثقيل، بالتوازي مع إشراف قوة استقرار دولية، وانسحاب «إسرائيلي» متدرج، وتسليم
إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.
غير أن نتنياهو
يرفض هذا التسلسل، ويشترط نزع سلاح «حماس» بالكامل قبل بدء أي انسحاب، ويمنح هذا
الشرط الاحتلال هامشًا واسعًا لتحديد موعد انتهاء العملية؛ إذ يظل تعريف نزع
السلاح الكامل، وتدمير الأنفاق، وانتهاء التهديد الأمني، خاضعًا للتقدير «الإسرائيلي».
وبذلك، كلما
قدمت الفصائل الفلسطينية التزامات جديدة، بقي ملف الانسحاب «الإسرائيلي» والإعمار
مرتبطًا بشروط إضافية، ما يضع مفاوضات غزة أمام دائرة مفتوحة من التأجيل والتعطيل.
واشنطن بين دعم الخطة ومجاراة نتنياهو
لا يتعامل
نتنياهو مع الخطة الأمريكية باعتبارها إطارًا ملزمًا، وإنما كمسار تفاوضي قابل
لإعادة التفسير، فهو لا يريد الدخول في قطيعة سياسية مع ترمب أو كوشنر، لكنه في
الوقت نفسه لا يريد أن تفرض الخطة عليه انسحابًا من غزة أو قيودًا على حرية الجيش «الإسرائيلي»
في تنفيذ عملياته.
ويعتمد نتنياهو
بذلك معادلة مزدوجة تقوم على استمرار التواصل مع واشنطن، مقابل رفض تنفيذ الخطة
بصيغتها الأصلية.
وخلال زيارة
لمواقع عسكرية «إسرائيلية» داخل غزة في 2 سبتمبر، أعلن نتنياهو أن قواته لن
تتراجع، مؤكدًا أن «إسرائيل» لن تنسحب قبل نزع سلاح «حماس» بالكامل، ولا تبدو هذه
التصريحات مجرد مناورة سياسية؛ إذ تعكس محاولة لإعادة تعريف الخطة، من مسار يربط
الانسحاب بنزع السلاح تدريجيًا، إلى مسار يبقي السيطرة العسكرية قائمة حتى تقرر
الحكومة «الإسرائيلية» أن شروطها الأمنية تحققت.
الانتخابات «الإسرائيلية» تعمّق جمود غزة
يتزامن الجمود
في مفاوضات غزة مع مرحلة انتخابية داخل «إسرائيل»؛ ما يرفع الكلفة السياسية لأي
تنازل قد يقدمه نتنياهو.
فالتقدم نحو
الانسحاب، أو قبول إدارة فلسطينية انتقالية، أو إظهار مرونة في ملف السلاح، يمكن
أن يستثمره خصومه باعتباره تنازلًا أمام «حماس» أو إخفاقًا في تحقيق أهداف الحرب.
لهذا، تدخل غزة
بصورة مباشرة في الحسابات الانتخابية «الإسرائيلية»؛ إذ يوفر استمرار السيطرة
العسكرية، ورفع سقف المطالب الأمنية، والظهور بموقف الرافض للانسحاب، إلى جانب
استمرار الاغتيالات، أدوات سياسية لحماية الائتلاف اليميني وتعزيز صورة نتنياهو
باعتباره الضامن للأمن «الإسرائيلي».
وتكمن المشكلة
في أن الحسابات الانتخابية تدفع بالمفاوضات بعيدًا عن هدف تخفيف الكارثة
الإنسانية، وتحولها إلى أداة للاستثمار في الصراع الداخلي، بينما يبقى الفلسطينيون
في غزة أمام واقع حرب لم تنتهِ فعليًا.
غياب الضغط الأمريكي يعطّل تنفيذ الخطة
كان متوقعًا أن
تدفع جولة كوشنر باتجاه تنفيذ «إسرائيل» التزاماتها، إلا أن التطورات لا تشير حتى
الآن إلى ممارسة ضغط أمريكي كافٍ لفرض جدول زمني واضح للانسحاب أو الانتقال إلى
المرحلة الثانية من الخطة.
كما لم يتخذ
مجلس السلام، وفق المعطيات المطروحة، إجراءات عملية تجاه «إسرائيل»؛ ما يعكس إدارة
أمريكية للأزمة تفتقر إلى الحسم، في وقت تستمر فيه «إسرائيل» في فرض وقائع ميدانية
تزيد من صعوبة الحياة في قطاع غزة وتعرقل مسار الإعمار.
وتحاول حكومة
الاحتلال، خلال فترة الجمود، تكريس وقائع جديدة على الأرض، بما يجعل أي تسوية
مستقبلية أكثر تعقيدًا، ويمنحها مساحة أوسع لإعادة صياغة شروطها السياسية
والأمنية.
اللجنة الفلسطينية أمام اختبار الإدارة والأمن
يمثل منع دخول
اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية إلى غزة أحد أبرز العوائق أمام تنفيذ الخطة،
باعتبارها عنصرًا أساسيًا في منع الفراغ الإداري والأمني داخل القطاع.
لكن اللجنة لا
تزال، حتى الآن، من دون صلاحيات ميدانية حقيقية أو قدرة فعلية على إدارة المعابر
والأمن والموارد وملف الإعمار، ويخدم هذا التعطيل الرواية «الإسرائيلية» القائلة
بعدم وجود جهة فلسطينية قادرة على إدارة الحكم والأمن، كما يفتح المجال أمام
مشاريع بديلة تقوم على المليشيات والفوضى وشبكات محلية مرتبطة بالاحتلال.
من يتحمل مسؤولية استمرار الجمود؟
رغم المرونة
الفلسطينية المعلنة، تحاول «إسرائيل» تقديم حالة الجمود باعتبارها نتيجة مباشرة
لرفض «حماس» التخلي عن السلاح، غير أن جانبًا أعمق من الأزمة يرتبط ببقاء القرار
بشأن مستقبل غزة محصورًا بدرجة كبيرة في النقاش الأميركي-«الإسرائيلي»، بينما
يشارك الفلسطينيون والوسطاء في إدارة تبعات الأزمة أكثر من مشاركتهم في صناعة
القرار.
ويجعل هذا الخلل
مفاوضات غزة عرضة بصورة مستمرة لإعادة التكييف وفق الحسابات الأمنية والسياسية «الإسرائيلية»،
بدل الالتزام بتسلسل واضح ومحدد لتنفيذ بنود الخطة.
مسار متعدد الأطراف قد يكسر الجمود
أي انفراج حقيقي
في مفاوضات غزة يحتاج إلى نقلها من إطار ثنائي أمريكي-«إسرائيلي» إلى مسار متعدد
الأطراف، تكون فيه مصر وقطر وتركيا والدول العربية والأوروبية والأمم المتحدة
أطرافًا ضامنة لتنفيذ التفاهمات، لا مجرد جهات تنقل الرسائل أو تقدم المشورة.
فمستقبل قطاع
غزة لا يمكن أن يبقى تفصيلًا في العلاقة بين واشنطن و«تل أبيب»، خصوصًا أن ملفات
الانسحاب ونزع السلاح والإدارة الفلسطينية والإعمار والأمن ترتبط مباشرة بمستقبل
القطاع وبمصير ملايين الفلسطينيين.
ويبقى الاختبار
الحقيقي لأي خطة بشأن غزة في قدرتها على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى آليات
تنفيذ واضحة، وجداول زمنية ملزمة، وضمانات تمنع تحويل الشروط الأمنية إلى أداة
مفتوحة لإطالة أمد الاحتلال وتعطيل الإعمار.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً