متى يصبح طول العمر عطاء؟ سيرة سويد بن غفلة
روى الإمام الذهبي، «في
سير أعلام النبلاء»، عن ميسرة، عن سويد بن غفلة(1)، قال: صليت مع مصدق
النبي صلى الله عليه وسلم لما أتانا، وروى الوليد بن علي عن أبيه، قال: كان سويد
بن غفلة يؤمنا في شهر رمضان في القيام، وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة.
قال أبو عبيد،
ومحمد بن عبدالله بن نمير، وهارون بن حاتم: مات سويد سنة إحدى وثمانين، وقال أبو
حفص الفلاس: مات سنة اثنتين وثمانين، وقد ذكره صاحب الحلية مختصراً.
أخبرنا عبدالحافظ
بن بدران بنابلس، أنبأنا عبدالله بن أحمد الفقيه سنة خمس عشرة وست مائة، أنبأنا
أبو شجاع محمد بن الحسين المادرائي، أنبأنا طراد بن محمد أنبأنا محمد بن أحمد بن
محمد النرسي، حدثنا محمد بن عمرو الرزاز، حدثنا أحمد بن عبدالجبار، حدثنا أبو بكر
بن عياش، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن سويد بن غفلة، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات لا يشرك بالله شيئاً، دخل الجنة»، قلت: يا
رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» ثلاث مرات.
كيف شهد سويد بن غفلة تحولات عصره؟
يمثل سويد بن
غفلة واحدًا من أولئك الرجال الذين اختصروا في أعمارهم مراحل تاريخية متتابعة؛ فقد
أدرك زمن الجاهلية، ولحق بعصر النبوة، وعاش امتداد الدولة الإسلامية في عهد
الصحابة ومن بعدهم، ولا تظهر أهمية شخصيته في مجرد طول العمر، بل في أن هذا العمر
الطويل ظل ممتلئًا بالحضور والعطاء.
وهذا المعنى لا
يختص بسويد بن غفلة وحده، بل يتكرر في سير عدد من أعلام الإسلام الذين امتد بهم
العمر فكان شاهدًا على تحولات كبرى في تاريخ الأمة، ومن أبرزهم الصحابي الجليل
حكيم بن حزام رضي الله عنه، الذي عاش مرحلتين متساويتين من عمره؛ 60 عاماً في
الجاهلية، و60 عاماً في الإسلام، حتى قال البخاري في «التاريخ الكبير»: «عاش ستين
سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام»(2)، فكانت قيمة هذه الأعمار
المديدة فيما حملته من خبرة، وما شهدته من انتقالات، وما تركته من أثر في خدمة
الدين.
والنص الذي بين
أيدينا لا يقدم مجرد خبر عن شيخ بلغ مائة وعشرين سنة، بل يرسم صورة لإنسان بقي
مرتبطًا بالعبادة والتعليم والمجتمع حتى آخر مراحل حياته، ومن خلال هذه السيرة
يمكن قراءة معاني الثبات، وقيمة القدوة، وأثر الإنسان الذي لا يسمح للزمن أن يعزله
عن رسالته.
حين تتحول الشهادة الفردية إلى ذاكرة حضارية
قول سويد بن
غفلة: «صليت مع مصدق النبي صلى الله عليه وسلم لما أتانا» يكشف جانبًا مهمًا من
طبيعة الانتقال الذي عاشه المسلمون الأوائل؛ فقد كانت الدولة الناشئة تبني علاقتها
بالمجتمع من خلال مؤسسات واضحة، وكان وصول عامل الزكاة يمثل صورة من صور انتظام
الجماعة المسلمة تحت قيادة واحدة.
لم يكن سويد
مجرد ناقل خبر تاريخي، بل كان شاهدًا على مرحلة تأسيسية انتقلت فيها الجزيرة
العربية من التفرق القبلي إلى مجتمع تحكمه رابطة الإيمان والنظام، ولذلك فإن قيمة
شهادته لا تنحصر في قدمها الزمني، بل في كونها صادرة عن رجل عاش الحدث ثم حمل أثره
إلى من بعده.
ولم يكن امتداد
الأثر في صدر الإسلام مقصورًا على نقل الوقائع وحفظ الشهادة، بل تجاوزه إلى صناعة
الرجال الذين يحملون الرسالة من بعد أصحابها، ويظهر هذا الامتداد في موقف أبي بكر
الصديق رضي الله عنه؛ فبمجرد إسلامه لم يكتفِ بإيمانه الشخصي، بل تحول إلى داعية
وممتد الأثر في مجتمعه، فدعا من وثق به من قومه، فأسلم على يديه الزبير بن العوام،
وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، فكانوا
من بناة التاريخ الإسلامي اللاحق(3).
وهذا يبين أهمية
حفظ الذاكرة التاريخية للأمم؛ فالحضارات لا تبنى بالإنجازات المادية وحدها، بل
برجال يحملون التجربة وينقلونها بأمانة.
إمامة المسجد في سن 120 عامًا!
لم يكن بلوغ
سويد بن غفلة سنًا متقدمة هو موضع العبرة وحده، وإنما العبرة في استمرار دوره؛ فقد
ذكر الخبر أنه كان يؤم الناس في قيام رمضان وقد بلغ 120 سنة.
إن هذه الصورة
تكشف معنى مهمًا في فهم العمر في المنظور الإسلامي؛ فالقيمة ليست في عدد السنوات،
وإنما فيما تحمله تلك السنوات من عمل نافع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير
الناس من طال عمره وحسن عمله»(4).
فالعمر الطويل
قد يكون عبئًا إذا خلا من المعنى، وقد يكون نعمة إذا تحول إلى مساحة إضافية للخير؛
وهذا المعنى يحتاجه الإنسان المعاصر الذي كثيرًا ما يربط العطاء بمرحلة عمرية
محددة، بينما تكشف سير الصالحين أن الخبرة والنضج يمكن أن يصبحا مصدر قوة وتأثير.
ويجسد هذا
المعنى الصحابي الجليل حكيم بن حزام رضي الله عنه، إذ لم يكن طول عمره مجرد امتداد
للسنين، بل امتدادًا للعطاء والإحسان؛ فقد روي أنه «أعتق في الجاهلية مائة رقبة،
وأعتق في الإسلام مثلها، وساق في الجاهلية مائة بدنة، وفي الإسلام مثلها»(5)،
فكان طول العمر عنده فرصة لمضاعفة أعمال البر، لا للتوقف عنها أو الاكتفاء بما سبق.
لماذا يفوق السلوك العملي قوة الخطاب التربوي؟
وقوف رجل في مثل
سن سويد بن غفلة إمامًا للناس يحمل رسالة تربوية عميقة، فالقدوة لا تحتاج دائمًا
إلى خطاب طويل، بل قد يكون حضور الإنسان نفسه درسًا مفتوحًا.
كان المجتمع يرى
شيخًا تجاوز القرن من عمره لا يزال مرتبطًا بالمسجد، قائمًا بالعبادة، مؤثرًا في
الناس، وهذه الصورة تربي الأجيال على أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد تقدم العمر، وأن
الإنسان يستطيع أن يجدد أثره ما دام قادرًا على البذل.
وهذا المعنى لا
يختص بالعبادة وحدها، بل يظهر في ميادين العلم وسائر أعمال الخير، ومن الشواهد على
ذلك الإمام المؤرخ ابن قاضي شهبة؛ فقد استمر في التعليم والتصنيف إلى آخر لحظة من
حياته، حتى ذُكر أنه تُوفي فجأة وهو «جالس يصنّف ويكلم ولده»(6)، وهي
صورة تجسد أن الرسالة الصادقة تلازم صاحبها حتى نهاية عمره، وأن العطاء الحقيقي لا
يعرف سنًّا يتوقف عنده.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يحتاج القادة والمربون إلى هذا النوع من الحضور؛ فالمعرفة التي لا
تتحول إلى ممارسة تفقد كثيرًا من قوتها، بينما يصنع السلوك العملي ثقة لا تصنعها
الكلمات وحدها.
الميزان النبوي بين فتح الرجاء وإنكار الذنب
ومن جوانب سيرة
سويد بن غفلة أنه روى عن أبي ذر رضي الله عنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من
مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة»، وفيه سؤال أبي ذر: «وإن زنى وإن سرق؟»، فأجاب
النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن زنى وإن سرق» ثلاث مرات.
هذا الحديث، وهو
ثابت في الصحيحين من طرق أخرى عن أبي ذر، يقرر أصلًا عظيمًا من أصول العقيدة، وهو
أن التوحيد أصل النجاة، مع بقاء تحريم المعاصي وخطرها، وقد شرح العلماء أن الحديث
لا يعني إقرار الذنوب، وإنما يفتح باب الرجاء ويمنع القنوط من رحمة الله.
ويتجلى هذا
المعنى في هدي النبي صلى الله عليه وسلم العملي؛ فقد كان يفتح باب الرجاء
للتائبين، مع بقاء الذنب ذنبًا لا يُستهان به، ومن أوضح الشواهد على ذلك موقفه مع
حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين أرسل إلى قريش بخبرٍ من أمر المسلمين، فقال
عمر رضي الله عنه: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فلم يُقر
النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ولكنه نظر إلى سابقته العظيمة، فقال: «أليس من أهل
بدر؟»، ثم قال: «لعل الله اطلع على أهل «بدر» فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم
الجنة»(7)، فجمع صلى الله عليه وسلم بين إنكار الخطأ وفتح باب الرجاء،
وهو الميزان الذي يحفظ القلوب من اليأس، ويحفظ الشريعة من التساهل.
وهنا تظهر قيمة
العالم والمربي؛ فهو لا يعالج ضعف الإنسان بإغلاق أبواب الأمل، ولا يعالج الانحراف
بتسويغه، بل يجمع بين بيان الخطر وفتح طريق التوبة.
من ثبات سويد بن غفلة إلى محنة الإمام السبكي
عاش سويد بن
غفلة فترة شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبيرة، ومع ذلك بقيت صورته مرتبطة بالعلم
والعبادة، وهذا يبرز دور العلماء الربانيين في أوقات الاضطراب؛ إذ يكون المجتمع
بحاجة إلى شخصيات تحفظ له المعايير الكبرى، وتعيد توجيه الأنظار إلى أصول الدين.
ويؤكد هذا
المعنى ما وقع للإمام تاج الدين السبكي؛ فقد ابتُلي في زمنه بمحن شديدة، حتى وصف
المؤرخون ما جرى عليه بأنه «من المحن والشدائد ما لم يجر على قاضٍ قبله»(8)، وعُزل
من منصبه وسُجن في القلعة نحو 80 يومًا، ومع ذلك لم تُطفئ المحنة أثره، بل بقي
حاضرًا بعلمه، ومصنفاته، ومكانته بين أهل العلم، في صورة تؤكد أن العالم الرباني
لا تنتهي رسالته بتغير الأحوال، بل قد يزداد أثره حين يثبت على الحق في أوقات
الشدة.
فالمجتمعات لا
تستقر فقط بالقوانين والأنظمة، بل تحتاج إلى رموز أخلاقية يثق الناس بعلمها
وسيرتها، ومن هنا كانت مكانة كبار السن من أهل العلم والخبرة؛ لأنهم يمثلون جسرًا
بين التجربة الماضية وحاجات الحاضر.
بين معمر التابعين.. وإنجاز الإمام النووي الخالد
تقدم سيرة سويد
بن غفلة نموذجًا يتجاوز حدود التاريخ؛ فهي تعلم الأسرة قيمة استمرار العطاء، وتعلم
المربي أن أثره لا يرتبط بعمر محدد، وتعلم المؤسسات أن الخبرة المتراكمة ثروة لا
ينبغي إهدارها.
وفي عصر يكثر
فيه الحديث عن الإنتاجية والسرعة، تذكرنا هذه السيرة بأن الإنسان ليس آلة إنجاز
مؤقتة، وإنما مشروع معنى يمتد ما دام قادرًا على النفع، فالبركة ليست في كثرة
الحركة فقط، وإنما في ارتباط العمل بالغاية الصحيحة.
لقد بقي سويد
حاضرًا لأنه لم يجعل الزمن خصمًا له، بل جعله مجالًا لمزيد من القرب والعطاء، وهذه
هي الرسالة الأعمق في سيرته؛ أن قيمة الإنسان لا تقاس بما مضى من عمره، بل بما بقي
فيه من همة وإخلاص.
ويكتمل هذا
المعنى بالنظر إلى صورة أخرى من صور البركة، وهي بركة الإنجاز مع قصر العمر، فقد
تجلت أسمى معانيها في سيرة الإمام الحافظ النووي؛ إذ طرح الله البركة في وقته
وعمله، ورُزق فراغ البال، وجمع الكتب، وحسن النية، وكثرة الورع، فكان له ذلك
الإنتاج العلمي العظيم، مع أن عمره لم يتجاوز 45 سنة(9)، وهكذا تتنوع
صور البركة؛ فقد تكون في طول العمر مع استمرار العطاء، كما في سيرة سويد بن غفلة،
وقد تكون في قصر العمر مع عظيم الأثر، كما في سيرة الإمام النووي.
تكشف سيرة سويد
بن غفلة أن أعظم ما يمنح العمر قيمته هو أن يتحول إلى أثر ممتد، فقد جمع هذا
التابعي بين الشهادة على بدايات الإسلام، وحمل العلم، وإمامة الناس، ورواية
الحديث، فصار نموذجًا للإنسان الذي لا تنتهي رسالته بانقضاء مرحلة من حياته.
إن أعمار الرجال العظماء لا تقاس فقط بالسنوات التي عاشوها، بل بالمعاني التي تركوها خلفهم، وسويد بن غفلة شاهد على أن الإيمان حين يسكن القلب يمكن أن يمنح الإنسان قدرة على الاستمرار والعطاء مهما امتد به الزمن.
الهوامش
- 1 سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر، الإمام، القدوة، أبو أمية الجعفي الكوفي، قيل: له صحبة، ولم يصح، بل أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسمع كتابه إليهم، وشهد اليرموك، وحدّث عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعليّ، وأبي بن كعب، وبلال، وأبي ذر، وابن مسعود، وطائفة، سير أعلام النبلاء، ج4، ص70.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج3، ص 45.
- 3 البداية والنهاية، ج4، ص32، 35.
- 4 رواه الترمذي.
- 5 سير أعلام النبلاء، ج3، ص49.
- 6 شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذَهَبْ، ج 1، ص 73.
- 7 سير أعلام النبلاء، ج3، ص45.
- 8 شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذَهَبْ، ج1، ص66-67.
- 9 المرجع السابق، ج1، ص56.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً