متى يكون الصمت محموداً؟
الصّمتُ: هو الإمساك عن قول الباطل دون الحقّ(1)، فمن أمسك عن الكلام عموماً، فإنه يكون ساكتاً، أما من أمسك عن الكلام الباطل فقط فهو الصامت، والصمت يكون محمودًا إذا تحقق فيه نفع أو دفع ضرر، وكان موافقًا لمقاصد الشريعة.
ومن المواطن التي يكون الصمت فيها محموداً ما يأتي:
1-
الصمت عن تأييد الظلم والطغيان:
في مواقف الظلم
والاستبداد يحلو لبعض الناس أن ينافق الظالم، فيتكلم كثيراً بالتأييد والتصفيق،
لكن في مقابل ذلك لا يتحدث أهل الحق بالنفاق والتجميل، كما لا يتكلمون أصلاً إذا
غلب على ظنهم البطش الذي لا يتحملون، وهنا يكون الصمت وسيلة الإنكار، وفي هذه
الحالة يكون الصمت محموداً، إلا إذا كان هذا الصامت يملك القدرة على الإنكار
ويتحمل البطش أو يغلب عليه عدم وقوعه، فيكون الكلام أبلغ من الصمت، ففي صحيح مسلم
عن أبي سعيد قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ
أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
2-
الصمت عن الكلام الفاحش:
الكلام يخدش
حياء الناس، والصمت عن هذا الفحش هو الفضيلة المحمودة، حيث إن الله تعالى لا يحب
إعلان الكلام الفاحش بين الناس، فقد قال عز وجل: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ
مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (النساء:
148)، وفي صحيحي البخاري، ومسلم، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «لَمْ
يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاحشاً ولا متفحشاً».
وقد حث النبي
صلى الله عليه وسلم على الصمت إذا لم يقل المسلم خيراً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال:
قال رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»، وفي مسند أحمد عَنْ
عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَمَتَ نَجَا».
وروى الطبراني بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ، أَنَّهُ ارْتَقَى الصَّفَا فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: يَا لِسَانُ، قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ».
3- الصمت عما لا يعنيك:
روى أحمد في
مسنده عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»،
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا تَتَكَلَّمْ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، فَإِنَّهُ
فَضْلٌ»(2)، وَقَالَ زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ: دُخِلَ عَلَى أَبِي
دُجَانَةَ وَهُوَ مَرِيْضٌ وَكَانَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلَ، فَقِيْلَ لَهُ: مَا
لِوَجْهِكَ يَتَهَلَّلُ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ عَمَلِ شَيْءٍ أَوْثَقُ عِنْدِي مِنِ
اثْنَتَيْنِ: كُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيْمَا لَا يَعْنِيْنِي وَالأُخْرَى
فَكَانَ قلبي للمسلمين سليمًا(3).
4-
الصمت تأديبًا للنفس وتزكيةً لها:
تميل النفس إلى
الكلام وتشتهيه، وقد يوقعها ذلك في الخطأ والحرج؛ لذا فإن المربين وأهل التزكية
يحرصون على طول الصمت وقلة الكلام من أجل رياضة النفس وتهذيبها، وروى الطبراني عن
عبدالله بن مسعود قال: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا عَلَى ظَهْرِ
الْأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ»، وقال الحسن: «ما
عقل دينه من لم يحفظ لسانه»(4)، وعن يزيد بن أبي حبيب قال: من فتنة
العالم أن يكون الكلام أحبّ إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه؛ فإنّ في الاستماع
سلامة، وزيادة في العلم(5)، وقال الشّاعر:
من لزم الصّمت
اكتسى هيبة تخفي على النّاس مساويه
لسان من يعقل في
قلبه وقلب من يجهل في فيه(6)
5-
الصمت عند تلاوة القرآن:
قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا
لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف: 204)، ويكون الصمت
هنا دليلاً على التأدب مع القرآن الكريم، ومعيناً على التدبر والفهم، واستعداداً
للعمل به.
6-
الصمت عن الأسرار:
إذا أسر أحد إلى
غيره بشيء، أو كان حديثاً بين الزوجين يخصهما، فإن الواجب على المسلم ألا يفشي
الأسرار، ولا يتحدث بها مع الناس، بل يصمت عنها تماماً، وإلا أدى الحديث فيها إلى
الفتنة، ولهذا جعل الإسلام الأسرار أمانة، وإفشاءها خيانة، فقد روى أبوداود
والترمذي بسند حسنه الألباني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حدَّث
رجل رجُلاً بحديثٍ ثُمَّ الْتَفَت؛ فهو أمانَةٌ».
7-
الصمت عند الجهل بالمسألة:
إذا سُئل
الإنسان عن أمر لا يعلم حقيقته، فالصمت هنا واجب، والقول فيه يكون قولاً بغير علم
وهو من الكبائر، قال تعالى: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36).
8-
الصمت عند الغضب والانفعال:
عند الغضب يفقد
الإنسان توازنه، وقد يتكلم بما يندم عليه؛ لذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على
الصمت عند الغضب، فقد روى أحمد في مسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ».
9-
الصمت عند الجنازات ومجالس الموعظة:
يحرص الإسلام في
هذه المواضع على الصمت، من أجل تحقيق الخشوع والتفكر وعدم التشويش على الآخرين، ففي
«المعجم الكبير» للطبراني عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الصَّمْتَ
عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الزَّحْفِ، وَعِنْدَ
الْجِنَازَةِ».
10-
الصمت عند الكلام مع السفيه أو المجادل بالباطل:
قَالَ عَمْرُو
بْنُ عَلِيٍّ: إذَا نَطَقَ السَّفِيهُ فَلَا تُجِبْهُ، فَخَيْرٌ مِنْ
إجَابَتِهِ السُّكُوتُ(7).
_____________________
(1) الكليات: للكفوي، ص 507.
(2) الصمت: ابن أبي الدنيا، ص 95.
(3) سير أعلام
النبلاء: الذهبي (3/ 152).
(4) إحياء علوم
الدين (3/ 120).
(5) الصمت: ابن
أبي الدنيا، ص 253.
(6) حسن السمت
في الصمت: السيوطي، ص 49 - 50.
(7) أدب الدنيا
والدين: الماوردي، ص 253.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً