محمود سامي البارودي.. كيف أعاد للشعر العربي شبابه؟ (1 - 2)

صورة محمود سامي البارودي

البارودي واحد من أشهر شعراء العصر الحديث بلا شك، ونحن لا نتناوله في هذه الزاوية بوصفه أحد الشعراء المنسيين أو المغمورين؛ فللشاعر الكبير حضورٌ طاغٍ في معظم الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة، ولكننا نسعى في هذه المقالة القصيرة إلى تقديم قراءة بانورامية موجزة، تُعرِّف القارئ بالدور الرائد والمحوري لهذا الشاعر الكبير ومنجزه الشعري الضخم، الذي أسهم بصورة كبيرة في نهضة الشعر المعاصر، وهيِّأ الساحة أمام الشعراء للانعتاق والتحرر من أسر التقليد والصنعة والزخارف اللفظية في حدود ما كان متاحا في زمانه، لا كما زعم الإذاعي المعروف الأستاذ عارف حجاوي في مختاراته؛ حيث اتهم الشاعر بأنه كان زعيم حركة شعرية رجعية، وأن اللغة المصطنعة عنده قد عقدت لسانه وحرمته من التعبير العصري، وأنه وغيره من الشعراء لم يزيدوا على أن أعادوا "طبخ" طعام الأمس! وهذا كلام غريب وبعيد عن الموضوعية والإنصاف تماما، ويخالف ما أجمع عليه النقاد الكبار من أمثال الأستاذ العقاد والرافعي وهيكل الذين أرخوا للشعر الحديث بميلاد البارودي. (انظر: عارف حجاوي: إحياء الشعر، دار المشرق، الطبعة الأولى، 2018م).

البارودي باعث النهضة الشعرية

إن هناك ما يشبه الإجماع بين مؤرخي الأدب الحديث على أن البارودي هو باعث النهضة الشعرية في العصر الحديث، وأن تأثيره فيمن جاء بعده من الشعراء كان هائلا؛ فقد ارتفع بالشعر وارتقى به واستعاد مكانته على غرار ما فعل الشعراء الفحول في عصور الأدب المختلفة، بعد أن كان يغلب عليه الصنعة والبديع والتكلف والتقليد فترات طويلة، وقد وصفه الشيخ محمود شاكر بأنه الإمام الأول الذي رَدَّ الشعر إلى شبابٍ فقده في عصور متتابعة، كما مدحه الرافعي كثيرا واعترف بفضله على سائر الشعراء، ونبه إلى أن البارودي وَلَدَ أحمد شوقي، (السابق: ص 20)، وقال العقاد: إن البارودي وثب بالعبارة الشعرية وثبة واحدة من طريق الضعف والركاكة إلى طريق الصحة والمتانة، وأوشك أن يرتفع هذا الارتفاع من غير تمهيد؛ وهذه الوثبة ترفعه إلى مكانة الإمام، فإذا أرسلتَ بصرك خمسمائة سنة وراء عصر البارودي لم تكد تنظر إلى قمة واحدة تساميه أو تدانيه، فهو الإمام القدير، والفضلُ الذي له عصره أكبر من الفضل الذي لعصره عليه، وذلك وحده خليق بأن يبوئه زعامة جيله، ويقدمه إلى طليعة معاصريه وتابعيه، وعلى العكس مما ذهب إليه حجاوي يذكر العقاد أن شعر البارودي يُمثِّله أصدق تمثيل كما عرفه الناس في حياته العامة والخاصة، وهذه آية الشاعرية الأولى، لأن الشعر تعبير، والشاعر الحقيقي هو الذي يعبر عن النفوس الإنسانية.

محاكاة القديم

وإذا كانت محاكاة الشعر القديم عيبا في نظر بعض النقاد؛ فإن العقاد يرى أن أنفع ما في شعر البارودي هو تلك المحاكاة للقديم؛ لأنه رد إلى الشعراء المعاصرين يقين القدرة على مجاراة الشعراء العباسيين والمخضرمين والجاهليين في ميدان اللغة والتركيب، ثم ما يتبع ذلك من الابتكار والاستقلال والاعتماد على النفس والإفلات من قيود التقليد، وهذا كلام صحيح وتحليل دقيق من الأستاذ العقاد بلا شك، وقد كان الشيخ حسين المرصفي صاحب كتاب الوسيلة الأدبية صديقا للبارودي، وضَمَّن كتابه عددا كبيرا من قصائده، ويكاد البارودي يكون هو الشاعر المعاصر الوحيد الذي نقل له في كتابه هذا العدد من القصائد، وكان رأيه في شعره وشخصيته إيجابيا للغاية. (انظر: العقاد: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ص 142).

مكانة سامقة

ولنا أن نتساءل: كيف استطاع البارودي أن ينجو من تأثير شعراء عصره، وألا يدور في ركابهم وفلكهم، وينتزع هذه المكانة السامقة التي لا ينازعه فيها أحد؟ يرجع ذلك في رأيي إلى عدد من العوامل، منها: موهبة البارودي الكبيرة التي فرضت حضورها بقوة، ولم تتأثر بهذا الشعر الغث والركيك الذي كان سائدا ورائجا في عصره؛ فالشاعر المقلد الذي لا يملك موهبة حقيقية لا تكون له شخصية أدبية ذات حضور مهما كان إتقانه للتقليد، ولم يكن البارودي من هذا النوع من المقلدين الذين يرضون أن يكونوا ظلا وصدى للآخرين، كما يشهد بذلك شعره وآراء كبار النقاد والأدباء. يقول الدكتور يوسف خليف: إن موقف الرائد عادة ما يقوم على المزاوجة الرائعة بين القديم والجديد وبين التراث والمعاصرة، وهو ما نجده عند الشعراء الكبار من أمثال حسان بن ثابت وبشار بن برد وأبي نواس وغيرهم، وقد تجاوز البارودي عصور الظلام وطواها ليعود إلى عصور القوة مباشرة، وعلى ذلك نجد أن البارودي لا يمثل تطورا في الشعر العربي انتقل به من عصر إلى عصر، وإنما كان شعره ثورة أو انقلابا في تاريخ الشعر العربي خرق سنن التطور الطبيعية، وهذه المسألة ترجع إلى العبقرية الشخصية التي لا تزال حتى اليوم سرا مجهولا. (انظر: د. يوسف خليف: شعر البارودي بين التراث والمعاصرة، مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين، دورة محمود سامي البارودي، أكتوبر، 1992م، ص 12 بتصرف).

الانعتاق من التعليم النظامي

وأما السبب الآخر، فيرجع إلى عدم تلقي البارودي تعليما نظاميا ينصب اهتمامُ الدارس فيه على المتون والحواشي، وتتشكل ذائقته الشعرية من خلال تلك النماذج التي تُفرَض عليه أو تتسرب إليه من خلال تلك المناهج التقليدية والنمطية، وقد وجد البارودي البديل عن ذلك في عكوفه على الشعر القديم – خاصة الشعر في عصور القوة – يستخرج كنوزه، والذي يقرأ مختاراته الشعرية يشهد بحسن ذوقه ودقة اختياراته وكثرة محفوظاته، ومن الطبيعي أن يتأثر البارودي في بداية الأمر بالشعر القديم ويحاكيه ويقلده، لكنه مع مرور الوقت تحرر من تأثيره وسطوته وأصبحت له شخصيته المستقلة، القادرة على الإضافة والابتكار والتجديد، كما أن هذا التقليد كانت له أسبابه التي ذكرناها، يقول الشيخ حسين المرصفي: لم يقرأ البارودي كتابا في فن من فنون العربية، غير أنه لما بلغ سن التعقل، وجد من طبعه ميلا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع إلى بعض من له دراية، وهو يقرأ بعض الدواوين، أو يقرأ بحضرته، حتى تصور في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية إلى آخر ما قاله الشيخ، ولذا فإن دور البارودي في نهضة الشعر المعاصر وتجديده يشبه عندي دور أبي نواس وبشار بن برد وشعراء التجديد في العصر العباسي؛ الذين سعوا إلى التحرر والانعتاق من تأثير القصيدة الجاهلية، وبث الروح العصرية في أشعارهم، فأخفقوا حينا ونجحوا حينا آخر، وتركوا بصمة واضحة كان لها تأثيرها على من أتى بعدهم من الشعراء. (انظر: عمر الدسوقي: محمود سامي البارودي، ص 30).

مزيج ثقافي

كذلك فإن البارودي – على العكس من كثير من شعراء عصره – قد جمع إلى جانب ثقافته العربية معرفة واسعة واطلاعا كبيرا على الثقافة الغربية من خلال معرفته باللغة الفرنسية والإنجليزية والفارسية والتركية؛ وهو ما مكَّنه من الاطلاع على المدارس الأدبية المختلفة والمتنوعة، وهو أمر في غاية الأهمية ولا نقصد به أن يصبح الأديب ظلا وصدى للآخر، ولكن عليه أن يُفِيد مما لدى الآخر في استكمال جوانب النقص لديه، والناظر في حركة الأدب وتطوره في كثير من عصوره سيجد أن لهذا العامل أهميته وأثره الكبير.

نشأة خاصة

كما أن نشأة البارودي الخاصة وتجاربه المتعددة كان لها أكبر الأثر في ذلك؛ فقد التحق بالمدرسة الحربية، وكان قريبا من الخديوي إسماعيل وابنه توفيق، وشغل في عهدهما مناصب سياسية وعسكرية مهمة، وخاض معارك حربية حاسمة، وكانت له بطولات كبيرة ألهبت حماسته وانعكست على أشعاره، ولا شك أن صلته بالخديوي إسماعيل كان لها أكبر الأثر في شعره؛ فقد كان إسماعيل يمثل الرغبة في التقدم واللحاق بالغرب في نظر كثير من المثقفين؛ ففي عصره كانت البعثات وإنشاء مدارس البنات والتوسع في الترجمة وظهرت حركات الإصلاح الديني والسياسي، لكن بذخه وإنفاقه غير الرشيد كانا سببا في جلب الاستعمار وتدخل الأجانب في شؤون البلاد، وقد اشترك البارودي في الثورة العرابية وكان أحد رجالاتها المقدمين، ونُفِي خارج مصر بعد فشل الثورة العرابية وظل في منفاه نحو سبعة عشر عاما، وفي المنفى كتب قصائده الخالدة التي يبثها شكواه، ويظهر فيها حنينه للوطن، ويصف ما يدور حوله من أحداث، وقد أعاد خلالها النظر في كثير من الأمور، وطوال تلك السنوات لم ينقطع البارودي عن أخبار مصر وما يجري فيها، وقد وجد في الشعر كما يقول الأستاذ عمر الدسوقي عزاءه وسلواه، فصار إماما للشعراء في عصره بلا منازع، ومما كتبه عند عودته إلى مصر:

أبابل مرأى العين أم هذه مصــر؟ ** فإني أرى فيها عيونا هي السحر

نواعس أيقظن الهوى بلواحـــــظ ** تدين لها بالفتكة البيض والســــمر

فليس لعقل دون سلطانها حمى ** ولا لفؤاد دون غشـــــــــــــيانها ستر

فإن يك موسى أبطل السحر مرة ** فذلك عصر المعجزات وذا عصــر

فأي فؤاد لا يذوب صبـــــــــــــــــــابة ** ومزنة عين لا يصوب لها قـــــطر

وقد استقبله الأدباء بعد عودته خير استقبال، وتحولت داره إلى ندوة يقصدها الأدباء والشعراء من كل صوب وحدب، ولا شك أن ذلك كله قد وفر له ما لم يتوفر لغيره من الشعراء من التجارب التي انعكست على شعره، فالشعر في النهاية هو وليد التجربة الصادقة إضافة إلى الخيال والموهبة. (انظر: عمر الدسوقي: محمود سامي البارودي، ص 25).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة