تركيا وباكستان والسعودية.. التحالف الثلاثي في منظور الكيان الصهيوني (2 - 2)
تحدثنا في
المقال السابق عن نظرة الإعلام «الإسرائيلي» للتحالف وتقييمه له، وما إذا كان
الصهاينة يرون فيه خطرًا عليهم من عدمه، ونُكمل في هذا المقال باقي محاور الموضوع.
دوافع التحالف
تكاد التحليلات
في وسائل إعلام الكيان تتفق على أن الباعث الأول على تأسيس هذا التحالف يتعلق
بفقدان بلدان المنطقة الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ كضامن لأمنها وضابط
أوحد لإيقاع التحركات والتوترات في المنطقة برمتها.
على سبيل المثال،
يقول بن درور: «بالنسبة للولايات المتحدة يُعدّ هذا التحالف بمثابة إعلانٍ رسميٍّ
عن خيبة الأمل؛ فقد خلّفت الحرب مع إيران دول الخليج جريحةً ومنهكة، وعجزت
الولايات المتحدة عن القضاء على هذا الكيان الذي يطمح للهيمنة الإقليمية». (בן-דרור,
לא לזלזל ..., Y
net, 11.08.26).
ويتفق معه في
هذا السياق زلمان شوفال، الذي يطرح تفسيرًا أو بُعدًا إضافيًا مختلفًا؛ بيد أنه
يتمحور كذلك حول علاقة أعضاء التحالف بالولايات المتحدة؛ إذ يقول: «يتعلق سؤال
حاسم حول الاتفاق بالولايات المتحدة حليفة الأطراف الثلاثة: هل شجعت واشنطن
الاتفاق واعتبرته مكملاً للترتيبات القائمة أو المحتملة مستقبلًا لتحقيق الاستقرار
في الشرق الأوسط؟ أم أن الدول الموقعة، وخاصة السعودية، قد فقدت ثقتها بالولايات
المتحدة فيما يتعلق بمصالحها الأمنية؟». (זלמן שובל,
הברית הסונית ..., 11/08/2026).
بالإضافة إلى ما
أوردناه من كلام بن درور، في الجزء السابق، عن النزاعات والحروب داخل عدد من الدول
العربية والإسلامية وعدد منها وبعضها بعضاً؛ كدافع محتمل لإنشاء هذا التحالف.
ضد من أُنشئ هذا التحالف؟
الحقيقة أن واقع
صحافة هذا الكيان يفيد بأن هناك اضطرابًا وضبابية نسبية فيما يتعلق بتحديد الطرف
أو العدو الذي أُسس التحالف لمجابهته، إلا أن جميع التقديرات تحصر الأمر في أحد
اتجاهين:
أولهما: إيران، التي
تتجه إليها معظم التحليلات في هذا الخصوص؛ منها على سبيل المثال ما ذكره شوفال،
الذي أورد في مقاله المذكور أعلاه ما نصه: «بمبادرة من السعودية، وُقّعت الأسبوع
الماضي اتفاقية دفاع مشترك بينها وبين تركيا وباكستان لمواجهة التهديد الإيراني
ووكلائه..».
أما الاتجاه أو
الاحتمال الثاني فهو «إسرائيل» نفسها، وممن يتبنّون هذا الرأي أمير نوي، الذي عبّر
عنه بقوله: «لا تُقيم الدول تحالفاتها بناءً على الأعداء الذين تُعلنهم، بل
تُقيمها بناءً على مصالحها وقدراتها المشتركة والسيناريوهات التي تسعى للتعامل
معها، حتى الآن، لا يُعلن الاتفاق «إسرائيل» عدوًا، لكن من ينظر إلى بنود الاتفاق
فقط يُغفل الصورة الكاملة» (אמיר נוי, הברית החדשה היא נורת אזהרה לישראל, מעריב, 10-8-2026).
بل إن هناك من
يضعون إيران و«إسرائيل» معًا كعدوين قام هذا التحالف لمواجهتهما كل على حدة، منهم
عميت أفيتان الذي عبّر عن هذا المعنى في مقال له على الموقع الإخباري العبري «واللا»
قائلًا: «.. تشعر الدول الثلاث بالقلق إزاء السياسة العسكرية الإيرانية وتزايد
النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة، إلى جانب الشكوك حول قدرة الولايات المتحدة
على خفض التصعيد» (עמית אביטן, ברקע ההסלמה האזורית, וואלה, 7-8-2026).
ومنهم كذلك نوي
الذي عاد ليقول: «من المفارقات أن هذا التحالف قد يتطور في اتجاه الردع ضد دولتين
مختلفتين تمامًا؛ إيران و«إسرائيل»، وإيران هي الحالة الأوضح؛ حيث يجمع نظام آية
الله بين أيديولوجية دينية ثورية وطموحات للهيمنة، وصواريخ، ووكلاء، وإرهاب، وسعي
لامتلاك القدرة النووية.. أما «إسرائيل» فقصتها مثيرة للسخرية؛ فهي لا تُهدد
السعودية، ولا يوجد بينها وبين باكستان أي نزاع، كما أنها ليست في حالة حرب مع
تركيا»؛ ما يعني أنه يجعل من إيران الاحتمال الأكبر!
هل ثمة أبعاد طائفية للتحالف؟
في هذا الإطار،
اقتصرت التحليلات على قراءة التحالف في سياقه الإقليمي، بالإضافة إلى السياق
العربي الإسلامي العام، أما البعد الطائفي أو المذهبي بين السُّنة والشيعة فليس له
حضور؛ باستثناء زلمان، شوفال، الذي أشار إلى هذا البُعد في مقاله المشار إليه
أعلاه؛ وذلك بقوله: «يُمكن النظر إلى الاتفاقية أيضًا على أنها منظومة تفاهم بين
الدول السُّنية في مواجهة الإسلام الشيعي، ويعكس توقيعها في مكة المكرمة، أقدس مدن
الإسلام، وليس في الرياض، عاصمة السعودية، هذا التوجه».
الانعكاسات
ثمة تخوفات
طرحها بعض المحللين من أن ينعكس هذا التحالف بالسلب على بعض الترتيبات الاقتصادية؛
وما يرتبط بها على المستوى الجيوستراتيجي في المنطقة وخارجها؛ من هؤلاء شوفال الذي
عبّر عن هذه المخاوف في مقاله أيضًا؛ حيث قال: «لا يمكن تناول الاتفاق الثلاثي دون
النظر في تأثيره المحتمل على خطط الاستعدادات الجيوسياسية العامة في الشرق الأوسط،
وعلى العلاقات مع مناطق أخرى من العالم؛ مع التركيز على النقل وقنوات الإمداد من
الهند عبر السعودية و«إسرائيل» وقبرص واليونان إلى أوروبا، الذي يتناقض مع مبادرة
«الحزام والطريق» الصينية».
مصالح الأعضاء من تحالفهم
بطبيعة الحال،
يُتوقع أن يُفيد أعضاء التحالف الثلاثة من تحالفهم، وفي هذا الخصوص يرى المحللون
في الكيان الصهيوني أن السعودية الرابح الأكبر عسكريًا من هذا التحالف؛ إذ
بالإضافة إلى الصراع الجاري بينها وبين إيران، فإن لديها حاجة ماسة لضمان حرية
الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب بشكل يفوق أهميتهما لتركيا.
ومن هؤلاء شوفال
الذي يقول: «ثمة مصالح مشتركة بين الدول الثلاث مثل حرية الملاحة في مضيق باب
المندب؛ وهذا أمر بالغ الأهمية للسعودية لضمان تدفق النفط من آبارها إلى العالم
دون عوائق» (المقال السابق).
أما بالنسبة
لتركيا فيرى هؤلاء المحللون أنها الرابح الأكبر من هذا التحالف على المستويين،
السياسي والإستراتيجي؛ وهو ما أشار إليه أمير نوي في مقاله أيضًا: «أما تركيا فهي
قصة لا يجب فصلها عن التحالف؛ إذ إن اتفاق مكة ليس بمعزل عن غيره فتركيا تُعمّق
نفوذها في نفس الوقت في سوريا؛ حيث بُني الجيش السوري الجديد بنفوذها الذي سوف
يتمدد مستقبلًا إلى لبنان، وبهذا قد تجد «إسرائيل» نفسها أمام مساحة استراتيجية
ذات توجه تركي شمالًا وشرقًا».
وهو ما أكده
زلمان في مقاله أيضًا، مشيرًا إلى أبعاد أخرى في ذات السياق: «تُعتبر تركيا
المستفيد الأكبر من الناحية السياسية؛ إذ ترى في الاتفاقية تعزيزًا لمكانتها في
العالم السني كإحدى قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وبعد المكانة التي منحها مجلس
السلام الذي ترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتركيا في غزة، فسوف تُساعدها
الاتفاقية على اكتساب نفوذ في منطقة الشرق الأوسط بأكملها؛ بما في ذلك ما يتصل
بعلاقتها مع «إسرائيل»، بل إن تركيا على وشك توقيع اتفاقيات واسعة النطاق مع
السعودية في مجال الصناعات العسكرية».
وبخصوص باكستان،
فإن رؤيتهم تتمحور حول ما قد تحصل عليه من مكاسب اقتصادية تحتاجها بشكل مُلِحّ؛ في
ضوء ما تمثله من إضافة بالغة الأهمية إلى التحالف؛ كونها تمتلك عامل الردع النووي:
«أما باكستان، التي تُعاني من مشكلات اقتصادية خطيرة، فلها وضع خاص في الاتفاقية كونها
الدولة النووية الوحيدة بين الدول الثلاث» (زلمان شوفال، المقال السابق).
إستراتيجيات الكيان الصهيوني لمواجهة التحالف
لم تتطرق
كتاباتهم وتحليلاتهم إلى هذا الجانب كثيرًا؛ وحده شوفال تناول هذا البعد، في مقاله
المذكور أعلاه، مقترحًا أن ينتقل كيانهم من مفهوم التحالف الأحادي مع الولايات
المتحدة إلى بناء شبكة من التحالفات؛ تشمل، إلى جانب الولايات المتحدة طبعًا، كلًا
من: الهند في مواجهة باكستان، واليونان وقبرص لمواجهة التوسع التركي، بالإضافة إلى
مصر والأردن، على حد قوله، سعيًا لتحقيق ما أطلق عليه «توازن التحالفات».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً