التحكيم بين المسلمين في الدول الغربية.. حدود تطبيق الشريعة

رمزي ديشوم 

01 سبتمبر 2025

403

ترسم الآيتان: الأولى من سورة «آل عمران»: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، والثانية من سورة «التغابن» (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: 16) صورة واضحة لحدود المطلوب من المسلم في استجابته لأوامر الله وانتهائه عن نواهيه.

فتشكل الآية الأولى المثال أو الغاية التي يجب أن تتعلق بها همة المسلم والهدف الذي ينبغي أن يتجه إليه في سعيه، بينما تشكل الآية الثانية الضابط أو الشرط أو اللازم الذي يحكم الآية الأولى، لتقول: إن كل تكليف شرعي، وكل أمر رباني غايته التطبيق الأمثل، وشرطه القدرة، وحدوده الاستطاعة.

وهذه القاعدة عامة في كل زمان ومكان، وشاملة لكل الأحكام، وتتجلى أكثر ما تتجلى هذه القاعدة في الساحات أو الظروف أو الأوقات التي تفتقد فيها القدرة أو الاستطاعة، سواء في الأحكام الفردية التي يعجز الفرد عن تطبيقها كاملة أو تطبيق بعضها لعجز ما ذاتي أو خارجي، وكذلك في الأحكام الجماعية التي تفتقد القدرة على تطبيقها لعدم توفر السلطة المسلمة أو الدولة المسلمة، وأكثر ما تتجلى هذه القاعدة في الدول غير الإسلامية التي تعيش فيها أقليات أو جاليات مسلمة.

وقد نشأ فقه الأقليات أو الجاليات المسلمة منذ بضعة عقود، وشاع استعماله مرتبطاً بظروف هذه الجاليات التي نشأت وكثرت شيئا فشيئاً في أوروبا وأمريكا، وراحت تستفيق يوماً بعد يوم على تميز هويتها، وتفرد دينها، وجعلت تتوق إلى تنظيم حياتها الفردية والجماعية على أساس من دينها.

وقد أحاط بالوجود الإسلامي في تلك البلاد العديد من الاعتبارات التي يجب أن تؤخذ بالحسبان:

  • أن هذا الوجود وجود حاجي، دفعت إليه الحاجة الحياتية التي دفعت الناس إلى الهجرة خارج بلادهم.
  • أو وجود اضطراري، دفع إليه الاستبداد أو الاضطهاد الفكري أو السياسي الذي دفع الكثير من النخب إلى الهرب طلباً للأمان.
  • الاحترام الكبير للقانون من حيث الالتزام والتنفيذ في تلك المجتمعات، التي لا تميز بين الناس بالنظر إلى معتقداتهم أو ثقافاتهم.
  • العلو الحضاري الذي تعيشه تلك البلاد من حيث تقدمها الاقتصادي والعلمي والحياتي على الأصعدة كلها.
  • ضرورة تبليغ الإسلام إلى تلك المجتمعات بالصورة التي تفهمها عقولهم ونفوسهم، وضرورة إقامة جسور من التواصل والتلاقي بين هذه الأقليات ومحيطها.

فما حدود وضوابط تكليف هذه الأقليات بإقامة الأحكام الشرعية وتطبيقها في تلك البلاد؟

تنقسم التشريعات الإسلامية إلى ثلاثة أقسام كبرى، هي:

1- العقائد أو الإيمان.

2- الشرائع والأحكام.

3- الأخلاق والآداب.

وتعتبر العقائد والإيمان التربة أو القاعدة التي تبنى عليها الأحكام كلها، كما تعتبر الأحكام والشرائع التصديقات العملية على وجود الإيمان وصدقه، والأخلاق والآداب هي الدلائل والبراهين على صلاحية العمل ونفعه.

أما العقائد والإيمان فهي تكاليف شخصية فردية، مكلف بها كل إنسان عاقل بالغ، لا ترتبط بظروف ولا بشروط، ولا تتوقف على متطلبات وإمكانات، ولا تسقط بحال من الأحوال؛ لأن مكانها الأساس هو القلب؛ فهي مستطاعة لكل إنسان وفي كل زمان.

وأما الأحكام فهي أقسام، منها ما هو فردي شخصي، وهي الأقل من الأحكام، ومنها ما هو جماعي؛ اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، وهي الأعم والأغلب، وكل منها له شروطه وكيفيات وحدود تطبيقه وتنفيذه.

وأما الأخلاق والآداب فهي فردية وجماعية، ولكنها غير محددة بحدود، ولا مشروطة بشروط، ولا محصورة بكيفيات.

والمسلمون في الغرب ينبغي أن يعوا هذا التقسيم الثلاثي للدين جيداً، وأن يعطوا كل قسم منه حقه ضمن ظرفه وبيئته، فهم مكلفون سواء كانوا أفراداً أو جماعات بالعقائد والإيمان كله؛ أن يحافظوا عليه وأن يرعوه وأن ينموه، مع الحرص التام والعناية الكاملة على عدم تعكيره ولا تشويهه ولا تغييره ولا تبديله تأثراً بالإلحاد الغربي أو العلمانية الغربية أو حتى الوثنية الغربية، وأن يفعلوا ذلك في أنفسهم وفي أسرهم وفي مجتمعهم المسلم المحيط، وأن يفعلوا ذلك كله في صورة تحفظ عليهم توازنهم وثوابتهم وتميزهم، ولكن دون أن ينقلب ذلك إلى عصبية أو انغلاق يجعلهم في ابتعاد عن مجتمعاتهم التي يعيشون فيها، أو انقسام يمنعهم من التواصل والتلاقي البناء الإيجابي مع محيطهم.

عن ابن عمر قال: قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ».

كما عليهم أن يكلفوا من الأحكام والشرائع ما يستطيعون مما هو فردي أو جماعي؛ من شعائري أو اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، وأن يتوسلوا لذلك كل الطرق القانونية الشرعية التي تتيحها تلك الدول، وأن يستفيدوا غاية الاستفادة مما تتيحه القوانين والأنظمة المرعية في تطبيق تشريعاتهم وأحكامهم الفردية منها والجماعية.

عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كانَ بينَ أبياتِنا رجلٌ مُخدَجٌ ضَعيفٌ، فلَم يُرَعْ إلَّا وَهوَ علَى أمةٍ من إماءِ الدَّارِ يخبُثُ بِها، فرفعَ شأنَهُ سعدُ بنُ عُبادةَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: «اجلِدوهُ ضَربَ مائةِ سوطٍ»، قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، هوَ أضعَفُ من ذلِكَ، لو ضرَبناهُ مائةَ سوطٍ ماتَ، قالَ: «فخُذوا لَهُ عِثكالًا فيهِ مائةُ شِمراخٍ فاضرِبوهُ ضَربةً واحدةً» (رواه أحمد، وابن ماجة).

وأما الآداب والأخلاق، فهذه التي يجب أن تظهر في أبهى صورتها وأنصعها في بلاد الغرب، التي يجب أن تكون رسول الإسلام ورسالة كل مسلم إلى كل من يحيط به في حياته الخاصة أو العامة، في منزله أو معمله، أو في ناديه أو متجره، وأن يضرب بذلك المثال الحي على صدقية معتقده، وصلاحية عمله، وزكاة خلقه.

عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسن» (رواه الترمذي).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة