تداعيات الحرب على الاستقرار الأسري في الخليج

اندلعت الحرب وتدفقت الصواريخ والمسيرات وأصبحت أنباء القصف والتدمير جزءاً من الحياة اليومية، وقد تخصصت قنوات تلفزيونية كبيرة في متابعة الأخبار على مدار الساعة، مجسدة ما يطلق عليه الإعلام الحي للحروب، فما بين الحدث العسكري والتحليل السياسي يعيش المتابع كما لو أنه موجود بالفعل عل خط النار.

المواطن الخليجي هذه المرة هو الأكثر تضرراً من هذا البث؛ لأن هذه الحرب تلامسه منذ أيامها الأولى، ولأنه يشعر بالقلق الحقيقي أن تصبح بلدانه التي تتمتع بالاستقرار السياسي والاقتصادي جزءاً فعالاً من هذه الحرب، حيث هناك كثير من المؤشرات أن هناك مخططاً لجرها لهذه الحرب.

المواطن الخليجي لا يتابع أخبار الحرب عبر الشاشات الكبيرة فقط، بل عبر شاشة هاتفه أيضاً، حيث كان للمواطن الخليجي نصيبًا ضخماً من الثورة الرقمية.

يشعر المواطن كما لو أنه يعيش في فقاعة من الأخبار، وأن الخطر قريب جداً وربما يكون محدقاً به، وهذا يصيبه بحالة من القلق والتوتر واضطرابات النوم والإجهاد العاطفي، وينعكس بشكل مباشر على حالته النفسية؛ فتؤثر على الاستقرار النفسي للفرد، ومن ثم ينعكس بشكل تدريجي على العلاقة داخل الأسرة وعلى طريقة التواصل فيها.

تشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 94% من المستخدمين يتابعون أخبار الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن 70% منهم يحصلون على الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأن مشاهد الدمار والضحايا تحقق أعلى المشاهدات؛ لذلك، لا عجب من أن البيانات المرتبطة بالمجتمعات التي تتأثر بالحروب تشير إلى أن مستويات الضغوط النفسية قد ترتفع لتشمل أكثر من 67% من السكان مقارنة بنحو 20% قبل اندلاع الأزمة.

الضغوط النفسية

إذا كانت المجتمعات الخليجية تعاني من معدلات طلاق مرتفعة (وهذا ليس له علاقة بالحرب الأخيرة)، ففي المملكة العربية السعودية تشير البيانات الصادرة عن وزارة العدل أن هناك 157 حالة طلاق يومياً بمعدل حالة طلاق كل 9 دقائق، فـ35% من الزيجات تنتهي بالطلاق.

وتظهر الدراسات أيضاً أن معدل الطلاق في البحرين والإمارات وصل 30%، ومن أهم أسباب ذلك الضغوط النفسية؛ فالإنسان المضغوط تكون قدرته على التحمل والحوار والتواصل محدودة، ولا شيء يصنع الضغوط أكبر من التدفق البصري المستمر لمشاهد العنف والحروب كما يحدث في اللحظة الراهنة.

خلافات كامنة

القلق النفسي الجماعي الناتج من تدفق المعلومات والصور ومقاطع الفيديو وبعضها غير حقيقي، خاصة ما ينشر على منصات التواصل الاجتماعي، يكشف الخلافات الكامنة داخل العلاقة الزوجية ويبرزها ويفاقمها، كما أن التوتر الاقتصادي المرتبط بأسعار النفط والأسواق ومشكلات الممرات البحرية يصنع لوناً آخر من القلق.

وعلى الرغم من استقرار الأسعار والتطمينات الحكومية، فإن القلق الاقتصادي من أهم مصادر الضغط الأسري، فالزوج يعاني من القلق بسبب ارتفاع الأسعار وفرص العمل فيسعى لترشيد الإنفاق، وهذا قد يسبب صداماً داخل الأسرة ويشيع حالة من حالات عدم الرضا الزواجي.

بحسب علم النفس الاجتماعي، فإن الأزمات الجيوساسية الكبرى التي تنتهي لحالة حرب كما نشهد هذه الأيام، من حرب إيران وتداعياتها على دول الخليج، لا تؤثر فقط على الاقتصاد العالمي أو العلاقات بين الدول فقط، بل تمتد آثارها إلى البنية المجتمعية العميقة التي تمثل الأسرة أهم وحداتها حيث تضرب بيئة القلق الإعلامي المجتمع.

الانفعالات الحادة

مع ارتفاع مستويات القلق والتوتر الفردي، ينعكس ذلك بشكل مباشر على العلاقة الأسرية؛ حيث يحفز الضغط النفسي الانفعالات الحادة أو الصمت المربك مع عدم التواصل، وهذا كله يسبب ضعفاً شديداً في القدرة على إدارة الخلاف الذي هو جزء أساسي من أي علاقة أسرية طبيعية.

أما الأطفال، فهم الحلقة الأضعف داخل الأسرة الذي قد يصل الأمر بهم حد الهلع في السنوات العمرية المبكرة إذا تعرضوا لمشاهد القذف والتدمير الذي يثير في نفوسهم الغضة أسئلة وجودية بالغة الخطورة مرتبطة بالموت والحياة والأمان.

معادلة التوازن

المجتمع الخليجي المعروف بتدينه ومنظومته القيمية المستندة إلى الدين بما تحمل من معاني التوكل على الله عز وجل والصبر، قادر على تجاوز هذه الأزمة، والأسرة الخليجية التي هي أهم وحدات هذا المجتمع بقدر ما تنجح في الاستقرار والتوازن ينجو المجتمع كله من شر الفتن.

ومن الأمور التي تساعد على الاستقرار والتوازن:

1- اللجوء إلى الله عز وجل، والدعاء، والذكر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ففي أوقات الأزمات الكبرى وفي لحظات القلق وعندما تحاول المخاوف زعزعة قلب الإنسان لا شيء يعيد الاستقرار للإنسان أكثر من اللجوء إلى الله عبر الصلاة وعبر الذكر الذي يطمئن القلب؛ (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).

2- رفع مستوى التواصل بين أفراد الأسرة ومنح أفرداها حالة من الطمأنينة، وقد تكون الحرب فرصة حقيقية للحديث مع الأطفال وشرح تفاصيل الأزمة بطريقة صادقة ولكن هادئة لا تثير مخاوفهم.

3- تقليل التعرض لصور الحرب ومقاطع الفيديو الصغيرة، وتحديد وقت محدد لمتابعة الأخبار، فكثرة المتابعة لن تجعلنا نسيطر على الأحداث، ولكن قد تصيبنا بالهلع.

4- منع الأطفال الصغار من التعرض لصور الحرب؛ لأن عقولهم غير الناضجة قد تجعلهم يعايشون ما يرونه على الشاشة كأنه واقع بهم، بينما الأطفال الأكبر سناً والمراهقون تتم مناقشتهم بهدوء وبث الطمأنينة في قلوبهم مع توجيههم لتقنين مدة التعرض حفاظاً على سلامتهم النفسية.

5- أكثر ما يفيد في طمأنة الأطفال والمراهقين الحفاظ على الروتين المعتاد والحفاظ على تناول وجبات الطعام سوياً؛ لأن هذا يحمل رسالة استقرار.

6- على الأسرة ألا تتخذ قرارات مالية كبرى تحت تأثير الأزمة، مع الاهتمام بالتخطيط الجيد للمصروفات، وتفعيل آلية الشورى، ومن المهم مراعاة نفسية الأبناء فلا يتم تحميلهم التبعات الاقتصادية للحرب.



اقرأ أيضاً:

كيف تواجه المرأة تداعيات الحرب؟

ركائز تحصين الجبهة الداخلية في أزمنة الحروب

كيف نبني ملاجئ نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة