القرآن وقضايا الأسرة (4)

المودة وأثرها في بناء العلاقات الزوجية

المودة وأثرها في بناء العلاقات الزوجية

المودة وأثرها في بناء العلاقات الزوجية 

في ضوء الجدل الدائر في المشهد العربي الإسلامي حول المرأة والأسرة، والأخطار المتعددة التي تعرضتا لهما مكانتهما في السياق العالمي بصورة عامة، وفي السياق الإسلامي بصفة خاصة، نردف في سلسلة من المقالات نهدف فيها إلى بيان وتحليل تصور القرآن من المرأة، ومكانة المرأة في الأسرة والحقوق الأساسية، ومفهوم التمكين القرآني للأسرة في المجتمع.

لا نرغب في بناء ما استهوى البعض تسميته، بالنسوية الإسلامية، ولكن نقصد من هذا الطرح إعادة بناء التصورات الإسلامية (الشاكلة القرآنية) في موضوع المرأة والأسرة من مرجعية القرآن، لا مرجعية الآراء الوضعية الوافدة أو الجامدة معًا.

القيم الحاكمة للأسرة في القرآن

نبدأ في البحث القرآني عن أهم القيم الحاكمة لعلاقات الأسرة، ونقصد بالقيم الحاكمة هنا محددات رئيسة وإطاراً كلياً لا يمكن للأسرة تجاهله باعتباره مصدراً للحماية من الفوضى القيمية التي يمكن أن تحدث في حال غيابها أو غياب الوعي بها، وهي بمثابة اللوائح المنظمة لعلاقات الأسرة بين أعضائها.

وغاية هذه القيم المؤَسِسَة بناء علاقات الأسرة على أسس إيمانية ثابتة تساعد على تمتين العلاقات البينية الناشئة عن العلاقات الجديدة الزوجية أو ما يتلوها الوالدية والبنوة.

المودة في القرآن الكريم

القيمة التي نتحدث عنها في هذه المقالة قيمة مؤسسة لبناء الأسرة في الوحي الكريم، وهي قيمةالمودة؛ يذكر الراغب(1): الود: محبة الشيء، وتمنى كونه، وقوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21) إشارة إلى ما وقع بينهم من الألفة المذكورة، أما قوله تعالى (الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: 23)، فإن المودة هنا تقتضي المحبة المجردة، ومن المودة التي تقتضي التمني (وَدَّت طَّائِفَةٌ) (آل عمران: 69)، (وَدَّ كَثِيرٌ) (البقرة: 109)، (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ) (الأنفال: 7).   

والمودة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل فنسبة المودة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع الذي هو نوع تأثر نفساني عن العظمة والكبرياء.

وتشير موسوعة الكلمة القرآنية إلى أن لفظ «المودة» ارتبط بعدة معان في القرآن وهي(2):

1- الشغف: وهو الحب المستقر يملك على المحب حواسه؛ (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) (يوسف: 30).

2- الحب: تعلق القلب بالشيء لخصلة فيه فتلزمه وتثبت عليه؛ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: 222).

3- الغرام: الملازمة؛ (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً) (الفرقان: 65).

4- الهوى: الحب المتقلب بدافع الشهوة؛ (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) (النجم: 23).

المودة وأثرها في بناء العلاقات الزوجية

ومما يمكن بيانه في معنى المودة وظلالها في العلاقات الزوجية نشير إلى ما يلي:

(وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)؛ قال ابن عباس ومجاهد المودة: الجماع، والرحمة: الولد.

والمودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء.

وقيل: المودة والرحمة عطف قلوبهم (أي الأزواج) بعضهم على بعض، وقال السدي: المودة: المحبة، والرحمة الشفقة(3)، ويذكر الألوسي(4) أن المراد بالمودة في موضع سورة «الروم» ما كان منها بعصمة الزواج قطعًا أي جعل بينكم بالزواج الذي شرعه توادًا وتراحمًا من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة ولا مصلحة للتعاطف من قرابة أو رحم، وقيل المودة من الله تعالى، والبغض من الشيطان.

ويلفت الرازي(5) إلى العلاقة بين الرابطة الجنسية والمودة والرحمة، وآثار التغير الفسيولوجي على أحد الزوجين، ودور المودة في حفظ كيان الزوجية بقوله: إن الجنسية توجب السكون، والمودة تكون أولًا ثم إنها تفضي إلى الرحمة، ولهذا فإن الزوجة قد تخرج عن محل الشهوة بكبر أو مرض ويبقى قيام الزوج بها..

وكذلك لأن الإنسان يجد بين القرينين من التراحم ما لا يجده بين ذوي الأرحام وليس ذلك بمجرد الشهوة فإنها قد تنتفي وتبقى الرحمة فهي من الله تعالى

ولو كان الذي بينهما مجرد الشهوة، والغضب كثير الوقوع وهو مبطل للشهوة، والشهوة غير دائمة في نفسها، لكان كل ساعة بينهما فراق وطلاق فالرحمة التي بها يدفع الإنسان المكاره عن حريم حرمه هي من عند الله ولا يُعلم ذلك إلا بفكر.

قيمة المودة وأثرها على العلاقات الأسرية

تأتي المودة كمرتكز رئيس في بنية علاقات الأسرة (بعد الميثاق والسكن)، فنقطة الانطلاق الأولى هما الزوجان، وقد أقرت النبوة بأن تحري مقدمات المودة قبل الزواج من الأمور الضرورية؛ «اذْهب فانظر إليْها فإنَّهُ أجدرُ أن يؤدمَ بينَكُما»(6)؛ يؤدم؛ أي: تحصل مقدمات الألفة والمحبة، فإن حصل ذلك فالجمع (أي الزواج) فيه الخير، وإلا فلا يبدأان التأسيس.

إن ما يستقر في القلب ناحية الخطيبين في البدء، بما يضمن تنميته وتحسينه في مستقبل الحياة الزوجية يؤهل لأسرة تستطيع أن تقيم باقي أركانها على أساس من الوقود العاطفي الذي لا ينفد حين تنفد المادة المكونة للحياة، فإن المودة تبقى بالحياة وبعدها.

ومن فضائل «المودة» في الحياة الأسرية أنها تغطي كثيراً من المساحات المفقودة في العلاقات الأسرية في جانبها المادي والتطلعات التي تتجاوز إمكانات الأسرة ومتغيرات الحياة، ومن جانب آخر، تحقق المودة توازنًا إنسانيًا داخل الأسرة بين الاحتياجات المعنوية والمادية، بل إن نفاد الود والمودة المكون الأول للأسرة لا يعوضه أي مكون آخر، بل هو الذي يقوم بدور المعوض لأي مكون مادي آخر.

وقيل: من أجَل صور «المودة» في المجتمع المنزلي فإن الزوجين يتلازمان بالمودة والمحبة وهما معًا؛ فيرحمان الصغار من الأولاد لما يريان ضعفهم وعجزهم عن القيام بواجب العمل لرفع الحوائج الحيوية فيقومان بواجب العمل في حفظهم وحراستهم وتغذيتهم وكسوتهم وإيوائهم وتربيتهم ولولا هذه الرحمة لانقطع النسل ولم يعش النوع قط.

إن الحياة الزوجية يفترض لها جوٌ يختلف عن أي جو آخر، فهي تختلف مثلًا عن الجو التجاري الذي يمكن افتراض العلاقات فيه على نحو آلي صرف، قائم على أساس جدي من مصالح كل من الطرفين، حيث يؤدي كل من الطرفين التزاماته تجاه الطرف الآخر بدقة.

أما في الحياة الزوجية، فلا يمكن اعتبار هذا الشكل من العلاقة، بل هي حياة تسودها الألفة والمحبة والسكينة النفسية، حيث إن النظام العائلي يقوم بتلبية الاحتياجات الروحية والنفسية في ظل هذه العناصر المذكورة(7).

إن الحب المتبادل بين الزوجين أحد العناصر النفسية المهمة التي تؤدي دورًا أساسيًا على صعيد تفاهم الروحين واستقرار الأسرة، وقد رأت الكثير من الثقافات في المجتمع البشري، أن الحب والمودة المتبادلة هما من العوامل التي تساعد في الانجذاب والجذب في العلاقة بين الرجل والمرأة؛ فالحب غريزة قوية يمكنها القضاء على أنواع الاختلافات والتعارضات، وتحولها إلى نوع من الألفة والتعاون.

ويعد الزواج والعلاقة الزوجية من أهم مجالات تجلي الحب في العلاقات الإنسانية، بل هو الأساس في وجود هذه العلاقة واستمرارها(8).

إن المودة لا يمكن اختزال أثرها في العلاقة الزوجية البينية فقط (بين الزوجين فقط)، بل إنها تلقي بظلالها على حالة كل أفراد الأسرة، حيث تهيئ لهم مناخًا نفسيًا سويًا للنمو الاجتماعي والنفسي في أعظم صوره، لأن حالات الشقاق النفسي التي يمكن أن تسود الأسرة كحالة مضادة للمودة، أو على الأقل الحياد العاطفي من ناحية الزوجين نحو بعضهما لا يمكنهما أن يؤديا إلى مناخ نفسي ينمو فيه باقي أعضاء الأسرة بصورة سوية، وتتحقق فيه أهداف المسؤولين عن تلك الأسرة والقائمين عليها.

الهوامش
  • 1 الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص860.
  • 2 أحمد الكبيسي: موسوعة الكلمة، ج12، ص236.
  • 3 القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج14، ص13.
  • 4 الألوسي: روح المعاني، ج 11، ص 32.
  • 5 الرازي: مفاتيح الغيب، ج13، ص 112.
  • 6 ابن ماجه (1866)، وأحمد (18162).
  • 7 دار الإفتاء المصرية، دليل الأسرة في الإسلام، حـ1، ص528.
  • 8 حسين بستان: الإسلام والأسرة، ص255.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة