أثر القرآن والصيام والقدوة في صناعة الإرادة..

كيف يملك الإنسان نفسه أمام المغريات؟ علقمة بن قيس النخعي

كيف يملك الإنسان نفسه أمام المغريات؟ علقمة بن قيس النخعي

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي شبل علقمة بن قيس النخعي الكوفي(*) قال: أُتِيَ عبدُ الله بن مسعود بشراب فقال: أعط علقمة، أعط مسروقاً، فكلهم قال: إني صائم، فقال: يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وقال إبراهيم: كان علقمة يقرأ القرآن في خمس.

كيف يملك الإنسان نفسه؟

  هذا الأثر القصير من أخبار الإمام علقمة بن قيس،يكشف عن صفحة مشرقة من صفحات التربية التي صنعتها مدرسة الصحابة في تلاميذهم، فالمشهد في ظاهره موقف عابر؛ شراب يقدم، ورجل يعتذر بأنه صائم، لكن وراء هذه الصورة الهادئة بناءٌ إيماني عميق؛ إذ يكشف عن إنسان أصبحت علاقته بالله هي المحرك الأول لاختياراته، وعن جيل لم يكن العلم عنده مجرد محفوظات في الصدور، بل كان سلوكًا متغلغلا في تفاصيل الحياة اليومية.

وعلقمة ليس شخصية عابرة في تاريخ العلم، بل هو أحد أعلام التابعين، ومن كبار أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حتى عُرف بقوة أخذه عنه، ومكانته في الفقه والقراءة، ولذلك فإن هذا الموقف لا يُقرأ باعتباره قصة زهد فردية فحسب، وإنما باعتباره نموذجًا لطريقة بناء الإنسان المؤمن، الذي يجمع بين العلم والعمل والخشية.

في مجلس ابن مسعود.. لحظة قصيرة تكشف عن تربية طويلة

تظهر عظمة الموقف من خلال سياقه؛ إذ لم يقع في خلوة بعيدة، بل في مجلس يجتمع فيه أهل العلم والفضل، وقد أراد الله أن يرى ابنُ مسعود أمامه ثمرة التربية التي حملها إلى تلاميذه؛ فلم يكن أثر العلم عندهم في كثرة الرواية أو دقة الفهم وفقط، بل ظهر في قدرة هؤلاء الرجال على التحكم في رغباتهم وشهواتهم.

وهو ما اتضح ذلك جلياً حين قدم الشراب إلى علقمة ومسروق، فجاء الرد طبيعيًا كاشفاً عما استقر في القلب من تربية إيمانية عميقة؛ فالإنسان قد يستطيع أن يتحدث عن الفضائل، لكنه حين تأتي اللحظة التي تتعارض فيها الرغبة مع المبدأ، يظهر مقدار ما تحمله نفسه من يقين.

ومن هنا نفهم أن مدرسة الصحابة لم تكن تهدف إلى تخريج علماء يعرفون الأحكام فحسب، بل كانت تصنع رجالًا تتحول المعرفة عندهم إلى خلق، والآية إلى حركة، والإيمان إلى واقع عملي.

لماذا يتأثر الناس بالقدوة العملية؟

لم يكن علقمة مسهباً في جوابه، ولم يشرح للآخرين فضيلة الصيام، ولم يجعل من عبادته وسيلة لإظهار التميز على غيره، وإنما اكتفى بقوله: «إني صائم».

وذلك لأن السلوك الصادق قد يحمل من البيان ما لا يحمله الخطاب الرنان، فالناس يتأثرون بما يرونه واقعًا أكثر مما يتأثرون بما يسمعونه مجردًا.

ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قدوة للناس؛ لأن فعله كان يسبق أمره، فما أمر أصحابه بشيء إلا كان أول المبادرين إليه، أمرهم بالصيام، فكان يصوم حتى يقال لا يفطر، وأمرهم بالقيام، فكان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، وأمرهم بالجهاد، فكان إذا حمي الوطيس وفر الأبطال الشجعان في ساحة الوغي يتقدم الصفوف قائلاً: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب»؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم، كان قدوة حسنة، ومنجهاً عملياً، وقرآناً يمشي في دنيا الناس.

يقول البراء: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب ويقول:

«اللهم لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا

وإن أرادوا فتنة أبينا»

قال: ثم يمد صوته بآخرها(1).

ولهذا كانت حياة العلماء الربانيين في كثير من الأحيان أعظم درس يقدمونه؛ فالإنسان حين يرى عالمًا يجمع بين العلم والتواضع، وبين المعرفة والخشية، يدرك أن الدين ليس معلومات تحفظ، بل حقيقة تُعاش.

وهذا المعنى يحتاجه المربون اليوم في الأسرة، والتعليم، والدعوة؛ فالأب الذي يراه أبناؤه ثابتًا على قيمه، والمعلم الذي يجسد ما يعلم، والداعية الذي يظهر أثر دعوته في أخلاقه وسمته، فإنهم حتما سيرون ثمار هذه التربية العملية في أتباعهم وطلابهم.

كيف يصبح العلم طريقًا إلى الخشية؟

لم تكن مكانة علقمة العلمية منفصلة عن عبادته؛ فقد نقل إبراهيم النخعي أن علقمة كان يقرأ القرآن في خمس، وهذا الخبر يرسم صورة رجل كانت له صلة وثيقة بكتاب الله.

فالقرآن عند جيل التابعين لم يكن مجرد مادة علمية للدراسة، بل كان مصدر بناء للنفس والعقل والسلوك، كانوا يتعلمون الآيات ليقيموا معانيها في حياتهم، ولذلك خرج منهم الفقيه العابد، والعالم الزاهد، والمربي المؤثر.

ومن هنا يظهر الفرق بين العلم التطبيقي المجرد، والعلم الشرعي؛ فالأول قد يوسع المعرفة ويضاعف المعلومات، أما الثاني فيغير الشخصية ويقرب من الله.

ولقد تجسد هذا المعنى جلياً أيضاً في إمام التابعين سعيد بن المسيب، الذي كان أعلم الناس بقضاء رسول الله وصحابته، فأورثه علمه خشية وعبادة، فعن برد مولى ابن المسيب، قال: «ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد»، وعن عبدالمنعم بن إدريس، عن أبيه، قال: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة، وقال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة(2).

وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، فالعلم الحقيقي ليس مجرد كثرة المحفوظ، بل ما أورث صاحبه خشية واستقامة وعملاً.

كيف يملك الإنسان نفسه أمام المغريات؟

إن العبارة التي قالها عبدالله بن مسعود تعليقًا على حالهم: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور: 37) تضع اليد على مفتاح شخصية علقمة ومن معه.

فالخوف الذي مدحه القرآن ليس خوفًا يضعف الإنسان أو يعزله عن الحياة، بل خوفٌ يوقظ فيه الشعور بالمسؤولية، ويجعله ينظر إلى اللحظة الحاضرة من خلال أفق أبعد، إن المؤمن الذي يستحضر الوقوف بين يدي الله، لا تصبح قراراته أسيرة اللذة القريبة، لأنه يرى ما وراءها من حساب ومآل.

ولهذا كان الصوم عند السلف مدرسة لصناعة الإرادة؛ فهو تدريب يومي على أن الإنسان ليس مجرد مجموعة رغبات، وأن أعظم الحرية ليست في الاستجابة لكل ما تشتهيه النفس، بل في القدرة على توجيه النفس إلى ما يرضي الله، وهنا يتقاطع فعل علقمة مع ما صدر من أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز حين كان يقسم تفاح الفيء فتناول ابن له صغير تفاحة، فانتزعها من فمه بقوة.

فعن الفهري عن أبيه قال: كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاح الفيء، فتناول ابن له صغير تفاحة فانتزعها من فيه فأوجعه، فسعى إلى أمه مستعبراً، فأرسلت إلى السوق فاشترت له تفاحا، فلما رجع عمر وجد ريح التفاح فقال: يا فاطمة هل أتيت شيئا من هذا الفيء؟ قالت: لا، وقصت عليه القصة فقال: والله لقد انتزعتها من ابني لكأنما نزعتها من قلبي، ولكن كرهت أن أضيّع نصيبي من الله عز وجل بتفاحة من فيء المسلمين(3).

وفي عصر تتسارع فيه دعوات الاستهلاك، وإشباع الرغبات الفورية، تبدو هذه التربية أكثر حضورًا؛ لأن الإنسان الذي لا يتعلم ضبط نفسه أمام المغريات؛ يصبح سهل الانقياد إليها، أما من امتلك زمام نفسه، فإنه يستطيع أن يثبت على المبادئ مهما تغيرت الظروف.

قال الشيخ العثيمين: الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى شيئاً يعجبه من الدنيا يقول: «لبيكَ، إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة»؛ لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبُه مِن الدُّنيا رُبَّما يلتفت إليه فيُعرض عن الله، فيقول: «لبيك» استجابةً لله عزَّ وجلَّ، ثم يوطِّنُ نفسه فيقول: «إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة»، فهذا العيش الذي يعجبك عيش زائل، والعيش حقيقة هو عيش الآخرة(4).

أثر الصوم في صناعة القوة النفسية

إن الامتناع عن الشراب في هذا الموقف ليس مجرد ترك شيء مباح، بل هو تدريب على معنى أوسع؛ أن الإنسان يستطيع أن يؤجل ما يحب؛ إذا كان وراء ذلك غاية أعظم.

وهذه القدرة من أعظم علامات النضج؛ فالأفراد والمجتمعات لا تنهض بمن يبحثون دائمًا عن الأسهل والأقرب، وإنما بمن يستطيعون تحمل المشاق من أجل الأهداف الكبرى.

وكم تحمل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ألم الجوع والعطش، من أجل الغاية العظمى والهدف الأسمى، يقول جابر بن عبدالله: إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ، فَقَالَ: «أَنَا نَازِلٌ»، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ نَذُوقُ ذَوَاقًا(5).

فالحرمان والامتناع يصنعان في الإنسان قوة داخلية، وإصراراً على تغيير الواقع إلى الأفضل، خلافاً لمن تربى على الراحة، ونشأ في أكناف الرفاهية، فإنه قل أن يقاوم رغبته، أو يحقق من الأهداف السامقة بغيته، ولهذا كان الصيام عبادة تجمع بين الجسد والروح؛ فالجسد يشعر بالحاجة، لكن القلب يتذكر الغاية، ومن خلال هذا الصراع الهادئ يتعلم الإنسان أن يكون قائدًا لنفسه.

وبالنظر في حياتنا العملية اليومية، نرى هذه القيمة حاضرة بقوة؛ فالنجاح يحتاج إلى صبر على التعلم، وضبط للوقت، ومقاومة للمشتتات، وكلها معانٍ تتربى عليها النفس من خلال العبادات التي تهذب الإرادة، وتقوّم الرغبات.

أثر البيئة الصالحة في صناعة النماذج المؤثرة

لقد كانت مجالسُ ابنِ مسعود مصنعًا للرجال؛ يتعلمون القرآن، ويصحبون العلم، ويرون القدوة أمام أعينهم، فلم يكن علقمةُ وحده يسير في طريق العلم والعمل، بل كان معه مسروق، وكلاهما من أعلام التابعين، وهذا إن دل فإنما يدل على أن الإنسان ابنُ بيئته، يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، وبالرفقة التي تصاحبه.

فالبيئة التي تهتم بالعلم والعمل الصالح، ترى الفضائل بينها أمرًا طبيعيًا، بينما البيئة التي تضعف من هذه القيم: تجعل العبد الرباني يصارع ويلات التفرد في زمن الغربة، ومرارة السباحة ضد تيار المغريات.

ومن هنا، فإن بناء المجتمعات يبدأ ببناء البيئات التي تُنتج النماذج الحسنة؛ في البيت، والمدرسة، والمسجد، ومواقع التأثير المختلفة، بيئات تتألف من علم يوقظ القلب، وصحبة صالحة، وتدريب مستمر للنفس، واستحضار دائم للقاء الله، دون الانشغال بالدنيا

يروي ابن الجوزي، عن زياد بن أبي زياد، أنه كان يخاطب نفسه في المسجد ليردعها عن التطلع للدنيا، قال محمد بن المنكدر: إنني خلّفت زياد بن أبي زياد وهو يخاطب نفسه في المسجد، يقول: اجلسي، أين تريدين أن تذهبي؟ أتخرجين إلى أحسنَ من هذا المسجد؟ انظري إلى ما فيه، تريدين أن تبصري دار فلان ودارَ فلان، ودار فلان؟ قال، وكان يقول لنفسه: مالك من الطعام يا نفسُ إلا هذا الخبز والزيت، ومالك من الثياب إلّا هذان الثوبان، ومالك من النساء إلا هذه العجوز، أفتحبّين أن تموتي؟ فقالت: أنا أصبر على هذا العيش(6).

يكشف موقف علقمة بن قيس أن أعظم الانتصارات الإنسانية قد تقع في لحظات لا يراها الناس عظيمة؛ فرفض شربة مباحة لم يكن في ذاته هو المقصود، وإنما المقصود الإنسان، الذي استطاع أن يجعل هواه تابعًا لإيمانه.

لقد صنع القرآن في علقمة قلبًا يرى ما وراء اللحظة، وصنعت التربية النبوية في جيله رجالًا لا يحتاجون إلى رقابة خارجية؛ لأن رقابة الله استقرت في أعماقهم.

وهكذا، يبقى خبر علقمة شاهدًا على أن بناء الإنسان: هو أعظم مشاريع الحضارات، وأن القلب إذا امتلأ باليقين، استطاع أن يقود الجوارح، وأن الإنسان حين يعرف غايته الكبرى، تصبح الصعوبات الصغيرة أهون من أن تصرفه عنها.

الهوامش
  • 1 عمدة القاري، شرح صحيح البخاري (17/ 184).
  • 2 أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء (2/ 163).
  • 3 ابن الجوزي، صفة الصفوة (1/ 368).
  • 4 ابن عثيمين، الشرح الممتع (3/ 124).
  • 5 صحيح البخاري (5/ 108).
  • 6 ابن الجوزي، صفة الصفوة (1/ 360).
  • 7 (*) قال الذهبي: فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، الإمام، الحافظ، المجود، المجتهد الكبير، علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان، النخعي، الكوفي، الفقيه عم الأسود بن يزيد وأخيه عبد الرحمن، وخال فقيه العراق إبراهيم النخعي. ولد في أيام الرسالة المحمدية، وعداده في المخضرمين، وهاجر في طلب العلم والجهاد، ونزل الكوفة، ولازم ابن مسعود حتى رأس في العلم والعمل، وتفقه به العلماء، وبعد صيته. حدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وجمع من الصحابة، وجود القرآن على ابن مسعود وقال عبد الله: ما أقرأ شيئا ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه أو يعلمه. قال أحمد بن حنبل: علقمة ثقة، من أهل الخير، وكذا وثقه يحيى بن معين. كان شديد الحفظ، حتى قال: ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس. وكان علقمة عقيما لا يولد له فكناه ابن مسعود "أبا شبل" وقال شباب: شهد علقمة صفين مع علي.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة