العنوان مادة التربية الإسلامية هي أهم مادة لأنها مادة «صناعة الإنسان»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1972
مشاهدات 80
نشر في العدد 91
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 14-مارس-1972
مادة التربية الإسلامية هي أهم مادة لأنها مادة «صناعة الإنسان»
كيف نعلم الــدين للتلاميذ؟
ضرورة تحديث وسائل التعليم الديني وتطور مناهجه
النقطة الحاسمة في مسألة تعليم الدين الإسلامي تتركز في التفريق بين تدريس الدين وتدريس المواد الأكاديمية الأخرى.
فمادة الدين الإسلامي هي في طبيعتها مادة عملية وقولنا: «مادة عملية» يعني أكثر مما هو متعارف عليه من مدلولها عند الدارسين.
فالرياضيات والعلوم وما شاكلها من المواد العملية، هي في الواقع معلومات نظرية باعتبار «عملية التدريس» وتظل كذلك حتى يتخرج الطالب ويستغلها في ميدان المهنة، فتدخل مراحلها العملية.
أما تدريس الدين الإسلامي فهو مجال عملي من البداية، فمعلم الدين «والدين الإسلامي بالذات»، حينما يدخل قاعة الدرس إنما يدخل المصنع أو المزرعة، ويواجه مسؤولية «إنبات» نبات صالح؛ ويواجه مسؤولية رعايته حتى يترعرع سليمًا معافى، ويواجه مسؤولية توفير المناخ الصالح لهذا النبات.
أن تعلم الدين الإسلامي ليس معناه أن تحشو دماغ التلاميذ «بالمعلومات الدينية»، إنما يعني أن تصوغ شخصية الطالب صياغة إسلامية وفق هذه «المعلومات الدينية». وهذا واجب عملي بكل ما تحمل هذه الكلمة من أبعاد، لأن الأستاذ هنا لا يتعامل مع نظريات وإنما يتعامل مع التجربة العملية، الماثلة أمامه، من المهم جدا أن نسمي هذه المادة «تربية إسلامية».
نستطيع أن نتصور القضية تصورًا حسنًا إذا تخيلناها عملية «إنبات» وغرس، وهي في الحقيقة كذلك، فحينما نقر البدء في عملية «الإنبات» نطمئن أولًا إلى العوامل الآتية:
١ - وجود زارع مؤهل وحريص «المعلم»
٢ - توفير مناخ صالح لا يضر بالنبات ولا يعرقل عملية النماء «البيئة»
٣ - توفير أدوات للزراعة والرعاية «الوسائل والأساليب التعليمية»
العامل الأساسي:
أما العامل الأول وهو المعلم فهو أخطر العوامل جميعها؛ ذلك لأنه العامل المباشر والأكثر التصاقا بالقضية والمنوط به إنجاز العمل كله، ولأنه القدوة الحية لتلاميذه خصوصًا في السنين الأولى من أعمارهم، حيث يكون للأستاذ تأثيرات وانطباعات في نفسية التلميذ ربما تبقى العمر كله.
ويمكننا أن نقرر بارتياح أنه لا يمكن لأي عملية تربية إسلامية أن تنجح إذا لم يتوفر المعلم أو «المربي» الملتزم في عقيدته وسلوكه بالتربية الإسلامية نفسها.
هذا هو المؤهل الأول والأساسي في المعلم.
لأن المعلم الملتزم يكون لديه الحرص والاهتمام بتربية التلاميذ تربية إسلامية صحيحة، لذلك فهو يتعهدهم ويراقبهم ثانيًا يقدم لهم القدوة الحسنة ويؤثر فيهم بسلوكه ويجعل من نفسه مثلًا أعلى ليحتذوه، بغير ذلك لن يكون لحديثه المناقض لسلوكه أي وقع في نفوسهم، ولن يكون لديه الحرص الكافي على تربيتهم وفق المنهج الإسلامي.
المؤهل الثاني المطلوب في المعلم هو مقدرته الخاصة وملكته التربوية: أي إجادة من التربية والتأثير في التلاميذ؛ فالتربية كأي وظيفة أو مهنة أخرى مسألة اختصاص وفن تحتاج لشخص يمتلك مقدرات ومواهب معينة، حتى ينجح في أدائها، فلا يكفي أبدًا حتى الالتزام بالسلوك السليم عند الأستاذ.
والمعلم البارع يستطيع أن يؤدي دوره بأبسط الوسائل التعليمية المتوفرة، ويستطيع أن يواجه العقبات التي تخلقها أمامه البيئة الفاسدة، باستطاعته سد الفراغ الناجم عن فقدان العوامل الأخرى، في حين أن المعلم غير الموهوب لا يستطيع أداء مهمته إلا في ظروف مساعدة جدًّا ومريحة.
• العامل الثاني في عملية التربية، هو المناخ الاجتماعي الذي يعيش فيه التلميذ- فكما أن الزارع الماهر لا يستطيع أن ينبت زرعًا ناجحًا في طقس مغاير جدًا أو في بيئة تعج بالحشرات والآفات الضارة، كذلك المعلم مهما كان ناجحًا لا يمكن أن يخرج جيلًا صالحًا في بيئة فاسدة.
فإذا أجهد المعلم نفسه طوال اليوم في الحديث عن تحريم الخمر والمخدرات وخرج التلميذ من باب المدرسة لتقابله دعاية أنيقة، جذابة، تدعوه لتعاطي الخمر في أسلوب مؤثر ومغر، أو وصل المنزل ووجد زجاجات الخمر بجوار زجاجة الحليب أو الكولا في الثلاجة أو ما شابه ذلك من تناقضات، فكيف يمكن لجهود المعلم أن تحدث أثرًا، إذا كان في المجتمع ألف صوت غير صوته يدعو إلى الانحراف والزيغ؟؟
إذًا، فعملية التربية عملية واحدة متكاملة يؤدي المعلم في المدرسة جزءًا منها، وتؤدي وسائل الإعلام الأخرى من راديو وتليفزيون وسينما ومجلات جزءًا آخر مكملًا، كما يؤدى المنزل جزءًا رئيسيًا هذا هو المناخ الذي يعيش فيه النشء والشباب فيجـب تنقيته أولًا، حتى لا يفسد على المعلم غرسه ومجهوداته
الدين والوسائل العلمية الحديثة:
أما العامل الثالث فهو الوسائل التعليمية المتطورة، وقد أصبحت الوسائل التعليمية ذات أهمية قصوى في عصرنا هذا، نسبة للتطور الشامل الذي عم نواحي الحياة جميعها.
فمثلًا نجد أن الوسائل العلمية قد دخلت في الدراسات النظرية والإنسانية، أصبحت اللغة تدرس بأحدث الوسائل السمعية والبصرية، وأصبح للجغرافيا معامل ودخلت «الأحياء» و «الجيولوجيا» في التاريخ، واستخدمت كل المخترعات العلمية في وسائل المعرفة والتعليم، إلا الدين الإسلامي، فلم تخرج وسائله من صورتها القديمة،
يجب تطوير مناهج الدين الإسلامي وتطوير وسائل التعليم، وما دمنا قررنا أن مادة تدريس الدين هي مادة تربية أساسًا، فإن الاستفادة من وسائل التربية الحديثة والدراسات التربوية والسيكولوجية، يصبح شيئًا أوليًا.
دين العصر الحديث
ويمكن أن نستطرد قليلًا في هذه النقطة، فنقول إن المادة المقررة الآن في المدارس هي بعينها وشكلها المادة التي كانت تدرس في العصور الغابرة، وهذا خطأ شنيع ينعكس على تكوين التلميذ فيخلق لديه ازدواج الشخصية الذي نعاني منه الآن، فنجد أجيالًا متأرجحة بين مفاهيم الماضي والحياة المعاصرة.
إذن يجب «تحديث» المنهج الديني، وربط المادة الدينية بالواقع الحاضر ومشاكل الإنسان الحديث وقضايا الحياة المعاصرة، يجب أن ننشئ لديه الاعتقاد والإحساس بأن الإسلام هو دين العصر، وأنه يتحدى كل مشاكل العصر ويتفوق على كل الأفكار والعقائد البشرية المعاصرة- يجب أن ننشئ في نفسه روح الاعتزاز بالدين والانتماء إليه والثقة في تعاليمه والفخر بها.
بهذا تجعله أكثر ارتباطًا بمفاهيم الدين وتعاليمه وأكثر حرصًا على اتباعها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل