بلاغة التعريف في جوامع الكلم (2)

غنى النفس.. حين يصبح الاكتفاء ثراء

سعد الحسن

13 أكتوبر 2026

11

لوحة لرجل يجلس في حالة من الرضا والسكون وأمامه كتاب مفتوح

غنى النفس يمنح الإنسان شعورًا بالكفاية قد تعجز كثرة المال عن منحه؛ فقد تتسع ممتلكاته، وتظل حاجته إلى المزيد أوسع منها، وقد يجد في رزق محدود طمأنينة لا يجدها غيره في وفرة متجددة. وبين ما يملكه الإنسان وما يشعر أنه يفتقر إليه، يأتي البيان النبوي ليعيد النظر في معنى الغنى ومعياره.

في الحلقة الأولى من سلسلة «بلاغة التعريف في جوامع الكلم»، التي حملت عنوان «القوة الحقيقية.. حين يصبح امتلاك النفس بطولة»، تأملنا انتقال معنى القوة من غلبة الآخرين إلى امتلاك النفس عند الغضب. وفي هذه الحلقة نتابع مسار التعريف النبوي، لنرى كيف ينتقل ميزان الغنى من كثرة ما في اليد إلى استغناء النفس بما أُوتيت.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (متفق عليه؛ أخرجه البخاري (6446)، ومسلم (1051)).

لا يقتصر الحديث على الدعوة إلى القناعة، بل يبني هذه الدعوة على مراجعة مفهوم مألوف؛ إذ يواجه ارتباط الغنى في الأذهان بكثرة الممتلكات، ثم يقدم معيارًا يكشف مقدار ما حققته تلك الممتلكات من كفاية داخلية. وهنا تتجلى فكرة السلسلة: ألفاظ نعرفها، يعيد البيان النبوي تعريفها، فتتغير معها نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الناس.

من كثرة المتاع إلى حقيقة الغنى

تستوقفنا أولًا كلمة «العَرَض»، بفتح العين والراء؛ فهي تدل هنا على متاع الدنيا وما ينتفع به الإنسان من حظوظها. ويبين ابن حجر الفرق بينها وبين «العَرْض» بسكون الراء، الذي يطلق على المال غير النقد، وجمعه «عُروض»؛ فاختلاف الحركة يصاحبه اختلاف في الدلالة، كما رأينا في الحلقة السابقة عند تأمل ضبط كلمة «الصُّرَعة» (ابن حجر، فتح الباري، 6446).

ويمنح اختيار «العَرَض» المعنى سعةً تتجاوز النقود؛ فالمقصود يشمل وجوه المتاع التي تتعلق بها رغبات الإنسان، ويقيس بها منزلته وثراءه. وبذلك يتسع مجال النظر ليشمل كل ما قد يتوهم المرء أن تكثيره كافٍ لتحقيق الاستغناء.

ومن دقة التعبير أن النفي تعلق بـ«كثرة العَرَض»؛ فموضع المراجعة هو اتخاذ الوفرة معيارًا للغنى المحمود. قد تزداد الأشياء حول الإنسان، من غير أن يزداد إحساسه بالكفاية، بل ربما نمت مطالبه مع نمو ممتلكاته، فصار كل ما يحصل عليه مقدمةً لما يطلبه بعده.

أما «عن» في قوله «عن كثرة العَرَض»، فقد وصفها ابن حجر بأنها سببية؛ أي إن الغنى المقصود لا يتحقق بمجرد كثرة المتاع (ابن حجر، فتح الباري، 6446)، وهذا المعنى يوجه النظر إلى العلاقة بين الوفرة والاستغناء: هل تكفي زيادة المال وحدها لتسكين الشعور بالحاجة؟ يقرر الحديث أن وراء هذه العلاقة أمرًا يتصل بالنفس وطريقة استقبالها لما تملك.

فالمال يسد حاجات واقعية، ويعين على قضاء مصالح كثيرة، لكن إحساس الكفاية يتصل أيضًا بقدرة النفس على تقدير الموجود، وضبط المطلوب، والتمييز بين الحاجة التي تنتهي بقضائها، والرغبة التي تستولد رغبة أخرى كلما أُشبعت.

النفي والاستدراك.. إعادة بناء المعيار

يبدأ الحديث بـ«ليس»، فيوقف التسليم بالمعيار المتبادر: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض». ثم تأتي «لكنَّ» لتقيم المعنى الذي يراد توجيه النظر إليه: «ولكنَّ الغنى غنى النفس». وهكذا لا يترك النفي السامع أمام مفهوم مضطرب، بل يصحبه إلى معيار واضح.

والاستدراك هنا يعالج توقعًا رسخته الخبرة اليومية؛ فالناس يرون صاحب المال قادرًا على شراء ما يريد، فيربطون بين قدرته المالية وبين شعوره بالاستغناء. لكن الحديث يكشف أن القدرة على اقتناء الأشياء قد تجتمع مع دوام التطلع إليها، وأن وفرة الوسائل لا تضمن طمأنينة صاحبها.

ولو قيل: «غنى النفس محمود»، لأثبت الكلام فضيلة القناعة، مع بقاء التصور المألوف للغنى على حاله. أما بناء العبارة على النفي ثم الاستدراك، فيجعل المتلقي يعيد ترتيب معاييره؛ إذ ينقل الصفة التي تستثير إعجابه إلى موضع أعمق يستحق التأمل.

وفي هذا السياق تفيد العبارة قصر الغنى المعتد به على غنى النفس؛ وهو قصر إضافي بحسب المقام، يوازن بين كثرة المتاع واستغناء صاحبه. وقد بيّن النووي أن المراد هو الغنى المحمود، وفسره بشبع النفس وقلة حرصها، في مقابل كثرة المال المصحوبة بالتطلع الدائم إلى الزيادة (النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، 1051).

وتتكرر مادة «الغنى» ثلاث مرات في الحديث، ويؤدي هذا التكرار وظيفة تتصل بإعادة التعريف: ترد الكلمة أولًا في سياق مراجعة التصور الشائع، ثم تعود بعد الاستدراك لتتهيأ لتفسيرها، ثم تأتي مضافة إلى «النفس» فتستقر دلالتها المقصودة.

إن اللفظ المألوف يبقى حاضرًا، بينما تتغير الصلة التي تمنحه معناه. وهذا من وجوه قوة البيان في الحديث؛ فهو يجعل السامع يراجع الكلمة التي اعتاد استعمالها، ويتساءل عن حقيقة الوصف الذي يمنحه لنفسه أو لغيره.

غنى النفس.. الإضافة التي تكشف موضع الثراء

تأتي الإضافة في «غنى النفس» لتحدد موضع الغنى الممدوح؛ فالنفس هي التي تتصف بالكفاية، وهي التي يهدأ فيها التطلع أو يتجدد. وبكلمتين ينتقل النظر من الممتلكات إلى صاحبها، ومن مقدار ما جمعه إلى طبيعة علاقته بما جمع.

وليس في هذا التعريف دوران يعيد اللفظ من غير فائدة؛ فـ«الغنى» في صدر الجملة مفهوم ينتظر بيان حقيقته، و«غنى النفس» في خبرها يحدد النوع الذي يراد الاعتداد به. لقد أضافت كلمة «النفس» القيد الذي تتوقف عليه إعادة بناء المعنى كله.

ويمكن أن نلمح هنا صلة وثيقة بالحلقة الأولى: ففي حديث القوة كانت النفس ميدان الامتحان عند اشتداد الغضب، وفي حديث الغنى تصبح ميدان الامتحان عند اشتداد الرغبة. هناك تظهر القدرة في ضبط الاندفاع إلى الرد، وهنا تظهر في ضبط التطلع الذي قد يجعل صاحبه يشعر بالفقد وسط الوفرة.

ومن ثم يتضح الفرق بين كثرة المال والشعور بالاستغناء؛ فالأولى يمكن إحصاؤها، أما الثاني فيظهر في سلوك الإنسان: كيف يطلب؟ وبماذا يرضى؟ وهل يحفظ قيمه حين تعرض له فرصة الزيادة؟ وهل يرى فيما أُوتي نعمة يستمتع بها ويشكرها، أم لا يرى إلا ما لم يحصل عليه؟

وهذا الاكتفاء يتيح للنفس أن تسعى بوعي، وأن تجعل للطلب غاية، وأن تحافظ على حريتها في الاختيار؛ فالطموح إلى تحسين الحياة يثمر حين يتصل بحاجة أو مقصد نافع، بينما يستنزف الحرص صاحبه حين تصبح الزيادة غاية تتجدد من غير حد.

هكذا تتعاون الكلمة المضبوطة، وحرف الجر، والنفي، والاستدراك، والتكرار، والإضافة، على بناء تعريف موجز واسع الأثر. ويخرج القارئ من الحديث بسؤال يتجاوز مقدار ما يملك إلى مقدار الكفاية التي وجدها فيما يملك؛ فثمرة الغنى تظهر حين يمنح صاحبه طمأنينةً وكرامةً وقدرةً على حسن التصرف.

ومن القوة التي يحفظ بها الإنسان نفسه عند الغضب، إلى الغنى الذي يصونها من استبداد الحرص، تمضي السلسلة نحو معيار ثالث في الحلقة المقبلة: «المفلس الحقيقي.. بلاغة مشهد الخسارة»؛ حيث يكشف البيان النبوي أثر حقوق الآخرين في رصيد الإنسان، ويضع أعماله أمام امتحان ما أبقته له معاملاته من حسنات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة