صورة المجتمع الكويتي القديم، وآليات السرد في رواية "سنة القطط السمان" لعبد الوهاب الحمادي

الأديب الكويتي عبد الوهاب الحمادي، ومشروعه السردي: 

يطالعنا اسم الأديب الكويتي: عبد الوهاب الحمادي بين زمرة واعدة من الأصوات الأدبية البارزة في السرد الكويتي المعاصر، على الأخص مع صدور روايته الثالثة: «سنة القطط السِمَان» 2024م، التي يواصل فيها مشروعه الأدبيّ القائم على رصد التحولات الإنسانيّة الكبيرة في المجتمع الخليجي عمومًا والكويتي خصوصًا، في أبعادها الاجتماعية والثقافيّة، وفيما يتعلق بالهويّة العربيّة والإسلاميّة، وما يرتبط بذلك من قِيَم وموروثات؛ مع نزعةِ تأمّلٍ نفسيّة بارزة لا تخطئها العين، حيث تغوص كتاباته في أعماق الشخصيات التي تقدمها أعماله السرديّة، وتنقّب في دوافع سلوكها، ومكنونات عواطفها المطمورة.  

تصنيف «القطط السمان» باعتبارها روايةً تاريخيّة:

صدرت رواية: «القطط السمان» في طبعتها الأولى عن دار الشروق المصريّة سنة: 2024م، وهي مما يمكن تصنيفه ضمن حيّز الروايات التاريخيّة؛ باعتبار بناء مُتَخَيَّلِها السرديّ تأسيسًا على حدث تاريخي واقعيّ مرت عليه قرابة تسعة عقود، فقد وقعت أحداث الرواية الرئيسة في العام 1937م على وجه التحديد، فضلاً عن الفجوات الزمنيّة المتعددة التي يتم – من خلالها – استرجاع أحداث متعددة تسبق هذا التاريخ بسنوات طويلة، ومما يدعم تصنيف الرواية ضمن هذا النوع التاريخي: ظهور شخصيات حقيقيّة ذات وجود فعليّ واقعيّ تشارك الشخصيَّات الخياليّة المُخْتَلَقة في صناعة الأحداث، على رأسها: المعتمد البريطاني في الكويت: جيرالد دي جوري (1897-1984م)، والشاعر الكويتي المشهور: صقر الشبيب (1894-1963م).

الحادثة التاريخيّة الواقعيّة التي تقوم عليها الرواية:

تتخذ الرواية من حادثة واقعية فحواها: اتهام عبد المطلب الهندستاني (وهو طبَّاخ هندي يدير مطعمًا ناجحًا) بأنه يقدّم لحم القطط للزبائن على أنها من لحوم الضأن، ومن ثمَّ محاولة مسؤول الأمن الكويتي عقابه والتنكيل به، لولا تدخل المعتمد البريطاني والحيلولة دون ذلك، باعتبار ذلك المواطن الهندي من رعايا التاج الإنجليزي، وتبعًا للاتفاقيات المُبرمة لا يجوز إنزال العقوبة به دون موافقة الحكومة البريطانية ممثلةً في المعتمد البريطاني، وهي حادثة حقيقيّة ورد ذكرها في يوميات المعتمد البريطاني جيرالد دي جوري، كما وردت إشارة عابرة لها في كتابات المؤرخ الكويتي عبد الله خالد الحاتم (1916 – 1995م) برواية مختلفة، وقد ذكر مؤلف الرواية عبد الوهاب الحمادي في بعض حوارات صحفية أجريت معه أنه طالع تفاصيل تلك الحادثة في هذين المصدرين التاريخيين.  

الرواية تقدم نموذجًا نضاليًّا من شاب كويتي على خلفية الحادث التاريخي:

تبدو هذه الحادثة الواقعية خلفيةً تدور حولها كل الأحداث، ومن ثمَّ ترصد الرواية صراعات التجار الكويتيين الكبار، وسعيهم الدؤوب لامتلاك هذا المطعم الذي يُدرّ على مالكه الهنديّ ثروةً هائلةً، بالتوازي مع طموحات شاب كويتي اسمه: «مساعد»، يتطلع بدوره إلى الثراء وتحقيق الذات من خلال شراكة صاحب هذا المطعم، على أن تطلعات «مساعد» تنتهي بكارثة مالية مروّعة، ودَيْنٍ مُؤْذِنٍ بالفقر والخراب، لولا تجدد الأمل في نهاية الرواية، وتجاوز هذه المحنة نحو بداية جديدة مُبشّرة بالخير والعطاء. و«مساعد» هو الشخصيّة الرئيسة التي تدور حولها جملة أحداث هذه الرواية، ونضاله في تحقيق ذاته إنما هو امتداد لنضال والده صيَّاد اللؤلؤ الفقير الذي انهارت حياته وحياة أسرته بعد كساد صنعتهم، وبوار تجارة اللؤلؤ، ولذا يمكن اعتبار شخصيّة «مساعد» نموذجًا تمثيليًّا للجيل الجديد؛ ليعبّر عن جيل من الشباب الكويتي المناضل في تلك المرحلة التاريخيّة، مع بداية اكتشاف النفط. 

رصد حياة المجتمع الكويتي القديم ومشاغله وهمومه في عصر صيادي اللؤلؤ:

وإلى جانب قصة نضال هذه الأسرة الكويتيّة التي تشق غمار الحياة بحثًا عن كيانها ووجودها؛ لا تفتأ الرواية تسترجع التاريخ الشعبي للكويت في تلك المرحلة التاريخيّة العتيقة، فهي ترصد بين ثنايا الأحداث صورًا من الفلكلور التاريخي، وطبيعة الحياة القديمة، وهيئة الناس وملابسهم، ويُوظّف المكان في هذه الرواية بشكل جيد؛ إذ يبرع الكاتب في وصف الحي، والبيوت، والأسواق، في شكل يعيد إحياء التراث الكويتي القديم واسترجاع الماضي في مخيّلة القارئ، مما يجعل الرواية ناجحةً في تعبيرها عن الحقبة التاريخية التي تتناولها؛ فضلاً عن تصوير مشاغل الناس في عصر ما قبل النفط، وقضايا الساعة في تلك المرحلة، من قبيل: صعود القومية العربية، والبحث عن الهوية، والصراع بين طائفتين كبيرتين في المجتمع الكويتي، تناضل إحداهما داعيةً إلى الحداثة والعلم والحضارة؛ بينما تنافح الأخرى عن البداوة والرجعية والقبلية، وتتبنى التعصب الديني التكفيريّ حربًا على كل ما تجود به الحضارة من رخاء ورقي إنساني.

 الهوية العربية الإسلامية، والسيادة الوطنيّة في مجابهة الاستعمار الإنجليزي: 

ومن أهم القضايا التي تعالجها الرواية – بطبيعة الحال – قضيّة الهوية العربية الإسلامية التي تجابه الوجود الاستعماري، وهي تطل بقوّة من خلال دلالات وإيحاءات الحادثة التاريخيّة المتعلقة بالطبَّاخ الهندي الذي اتُّهم بتقديم لحم القطط للزبائن على أنها لحوم ضأن، وهي الحادثة التي تستدعيها الرواية وتتخذها مركزًا تتداعى من حوله الأحداث؛ ومع أن هذه الحادثة قد تبدو – للوهلة الأولى – مجرد حدث عارضٍ لا قيمة له إذا ما قورن بالأحداث التاريخية الكبرى التي تُبنى عليها الروايات التاريخيّة؛ لكنها تُضمر في مكنونها دلالةً عميقةً، فهي – في واقع الأمر – تتجاوز فكرة الجدل القانوني المتعلق بصاحب الحق في مقاضاة المتهم وتنفيذ العقوبة؛ فالقضيّة في جملتها تافهة، ولا تستوجب أن ينشغل التاج البريطاني ببراءة هذا الطباخ الهندي أو إدانته، أو يكون حريصًا على إنزال العقوبة به أو تبرئته منها، وإنما تتعلق المسألة برمتها بالرغبة في فرض إرادة المحتل الإنجليزي، وإبراز الهيمنة، واستعراض النفوذ، ومن هذا المنطلق تتشكل أهمية هذه الحادثة – على بساطتها – لتكون محورًا مهمًّا لمعالجة قضيّة التشبث بالهويّة والسيادة الوطنيّة.   

السرد المتنوع يجعل الرواية أكثر إثارة وحيوية:

ومن الأبنية اللافتة في هذه الرواية بنية: «السرد المتنوع»؛ فالبناء السردي يتجاوز الأبنية الكلاسيكية التقليديّة التي تُقدَّم الحكاية فيها من خلال منظور أحاديّ يقدمه الراوي العليم، فضلاً عن كونها تتجاوز – أيضًا – السرود الذاتيّة سواء من الشخصيّة الرئيسة، أو من الأصوات المتعددة التي يحكي كل صوت منها الحكاية من منظوره الشخصي، وإنما عنيتُ بعبارة: «السرد المتنوع» كون الرواية تجمع بين ثناياها كل هذه السرود دون استثناء، فأنت تستمع تارةً لصوت السارد العليم، وتارةً أخرى لسرود ذاتيّة متنوعة تقدمها شخصيات روائيّة مختلفة، تعبيرًا عن هموهما الشخصيّة وأوجاعها ومشاغلها الذاتيّة، كلٌّ من منظوره ورؤيته، ويتنوع هذا السرد ما بين الحديث بضمير المتكلم، أو ضمير المخاطب، مما يجعل الرواية أكثر إثارةً وحيوية. 

السرد باستخدام ضمير المُخاطَب: 

وأبرز ما يكون من السرد وأوسعه في روايتنا: تلك المساحة الكبيرة التي يشغلها السردُ بضمير المخاطب، وهذه تقنيّة جديدة – إلى حد ما – وغير معهودة في السرد الروائي، فالمألوف أن يأتي صوت السارد بضمير الغائب في حالة السارد العليم، أو بضمير المتكلم في حالة السرود الذاتيّة، أما حديث السارد بضمير المُخاطب فهو يثير إشكاليّة وتوترًا في تحديد شخصيّة السارد، فمن الجائز والمقبول أن يكون الساردُ عليمًا، يقدّم الحكاية مُخَاطِبًا بها شخصًا واحدًا بذاته من بين شخوص الرواية، وكأنما يقرأ عليه كتابه، ويفضي إليه بما صنعت يداه، ومن غير المـُستبعد أيضًا أن يكون هذا السرد ذاتيًّا، ولا بأس أن تكون هذه الذاتيّة معبّرًا عنها بضمير المخاطب؛ لأنها خطاب من السارد لذاته، فهو حديث من الذات إلى الذات، على غرار ما يكون من «التجريد» في مطالع الشعر العربي القديم، حين يخاطب الشاعر نفسه مستخدمًا ضمير الخطاب، كقول أبي فراس لذاته: «أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ»، ولا سبيل إلى حسم هذه الإشكاليّة على وجه اليقين، إذ لا يُقدّم النص قرينةً جليّةً تتجلى بها شخصيّة السارد، ولا جرم أن يكون الأمر على هذا النحو المتوتر، فذلك وجه من وجوه الجماليات الفنيّة، إذ تُثَار التساؤلات ولا تُطرح الأجوبة الشافية. 

تيار الوعي، والمناجاة، والتعبير عن تناقض الظاهر والباطن: 

ومن اللافت بقوة قدرة الكاتب على الغوص في أعماق الشخصيات الروائيّة بوسائل فنيّة متعددة، من أبرزها عناصر تيار الوعي من تداع حر، وأحلام، وكذلك المناجاة الداخليّة المتزامنة مع القول الخارجي، والتي تكشف عن تناقض الظاهر مع الباطن، ويُعبّر عن تلك المناجاة من خلال كتابة خطيّة مائلة باللون الأسود البارز، وهذه الكتابة تناقض في دلالتها ما تتلفظ به الشخصيّة، وعلى هذا النحو تُصوّر النفس الإنسانية من داخلها، ويغوص القارئ في أعماقها المطمورة، ومن ثمَّ يصدر حكمه الذاتي دون تدخل مباشر من المؤلف، ومن ذلك – على سبيل المثال – ما يعلنه أمبيريك العامل الهندي في المطعم؛ إذ يُبدي تعاطفًا مع سيده المتهم بإطعام الناس لحوم القطط، بينما يضمر كراهيته والحقد عليه: 

كان أمبيريك يعيد لمساعد تفاصيل اعتقالهما البارحة، ثم الإفراج عنه لوحده اليوم، النجس ملعون الوالدين، يستحق ما حدث له وزيادة، كم ظلمني وبخس حقي، ظن الناس أنه أساس المطعم، بينما أنا الكل في الكل، وبين كل عبارة وأخرى كان أمبيريك يهز رأسه أسفًا وهو يقرّ بالظلم الذي وقع على المطعم، وعلى ربِّ عمله!

عفوية الأحداث العارضة ورمزيتها:

وعلى جانب آخر تثير هذه الرواية سؤالاً مهمًّا يتعلق بالأحداث الجانبيّة العارضة التي طالما أطلّت على القارئ من بين الأحداث، مع أنها ليست شديدة التعلّق بالحدث الرئيس، فلا هي ناتجة عنه، ولا هي ممهدة لما يليه، إنها محض حادث جزئيّ عارض وبسيط، يصح جدًا إسقاطه واختصاره واستئناف القصّة دون تعويل عليه، ثمة قط أسود يعبر الطريق، وآخر يطل من نافذة المحراب، امرأة تربط خيطًا في نافذة المسجد وتعتقد أن هذا يحفّز حَبَلَهَا وإنجابَها، نقطة بيضاء في عين إمام المسجد، حصان يسقط في الماء أثناء عبوره إلى السفينة، شاة ميتة ملقاة على قارعة الطريق …إلخ. وكل هذه الأحداث العارضة أشبه ما تكون بما ذكرته مؤرخة الفن التشكيلي الهولندية: فيتيكه فان زايل في كتابها: «إمعان النظر»، وهي ترصد في هذا الكتاب التفاصيل الدقيقة التي تذخر بها اللوحات الفنيّة التشكيليّة مما لا ينتبه إليه مطالعها من النظرة الأولى، كرقعة في ثوب، أو تطريز على ثوب سيدة تظهر في الصورة، أو جزء من نعل يبرز من تحت المقعد، وما شابه ذلك من التفاصيل الهامشية الخفيّة، وهي – بطبيعة الحال – ليست مقصودةً لذاتها، لكنها تتراءى في عفويّة تحفّز قناعتنا بواقعيّة التفاصيل الأهم التي تتضمنها الصورة، والأمر على النحو ذاته في الرواية، فهذه التفاصيل تجعلنا نعيش مع شخوصها ضمن سيرورة حياتهم اليوميّة، وتتراءى لنا حياتهم عفويّة وواقعيّة في جملتها، فضلا عن كون بعض من هذه التفاصيل الجزئيّة مما يصح تأويله باعتبار كونه رموزًا جزئية تعبر عن بعض مضامين الرواية، فالقط الأسود الذي لا يفتأ «مساعد» يراه ما بين حين وآخر إنما هو رمز للشخصيات الشريرة التي تعترض طريقه، وكذلك القط الرمادي الذي يعترض مرمى طلقات بندقيته، ويصاب بطلق ناري هو رمز لمصيره المجهول الغامض الذي يتهدد حياته بعد مغامرته المالية الفاشلة، ولا جرم أن اللون الأسود واضح في تعبيره عن الشر، وكذا من المألوف أن يكون اللون الرمادي تعبيرًا عن الرؤية الغائمة واختلاط الأمور وعدم وضوحها. 

عنوان الرواية ولوحة الغلاف:

ولعل حديثنا عن هذه القطط مما يقودنا إلى الحديث عن عنوان الرواية: «القطط السمان»، وهو ينسحب بدايةً على تلك القطط السِمَان التي اتُّهم رب المطعم بأنه يقدم لحومها لزبائنه، لكنها – في الوقت ذاته – مما يمكن اعتباره مجازًا عن الطبقة المترفة التي تستحوذ على الثروات دون وجه حق، وتعوق مسيرة الشباب الباحث عن ذاته، ولا بأس – طبعًا – من شمولية العنوان، ودلالته على الأمرين معًا، وهذا مما يقودنا إلى الحديث عن غلاف الرواية الذي رسمت لوحته الفنانة التشكيليّة الكويتية مشاعل الفيصل، وهو يُصوّر قطًا أسود يرتدي الملابس الخليجيّة منبطحًا على أريكة، وهو ما يفسِّر المجاز الذي تقوم عليه الرواية، ومن ثمَّ يمكن اعتباره توجيهًا للتلقي، أو ضبطًا له في حيّز بذاته، وهو – من وجهة نظري – مما يكفكف من تدفق الخيال الروائي، ويعوق انفتاح الدلالة على تأويلات متعددة.

اقرأ أيضًا:

مستويات التعبير الشعري عن «خيانة الوطن» في شعر أمل ‏دنقل 

العولمة وهدم القيم.. قراءة في مسرحية «ملحمة السراب» لسعد الله ونوس




الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة