تركيا.. وعملية التشكل الهوياتي
لا تزال عملية
التشكل الهوياتي في تركيا في حالة تغير وتحرك منذ عقود طويلة، ولا يزال ما يسمى
وفق بعض الدراسات بأنه ارتباك هوياتي مزمن موجوداً في تركيا، إذ يمكن أن تجد
إجابات مختلفة تماماً بين فئات كبيرة من المجتمع عند طرح سؤال الانتماء الحضاري.
كما أن
الاستقطاب بين العلمانيين والمحافظين ينعكس أيضاً على الهوية التي تعبر عن تركيا
بما يتعدى الخلاف حول السياسات الحزبية أو الاقتصادية أو غيرها.
لفترة طويلة،
حاولت الأيديولوجية الكمالية التي تشكلت من خلال امتزاج القومية المتطرفة مع
العلمانية المتشددة مع التغريب الإجباري أن تربط هوية تركيا بالحضارة الغربية، وقد
نجحت لفترة في ذلك في جعل الهوية الرسمية للدولة التركية خالصة لها، لكنْ حالياً
هناك تغيير كبير، إذ إن الدولة التركية الحالية بالرغم من كونها امتداداً
للجمهورية الكمالية، فإنها تستخدم الخطاب الإسلامي للتعبير عما يسمى رسالة تركيا
الحضارية.
وقد عانت تركيا
من صراع استمر لعقود في ظل بقاء العقلية التي تشربت هذه العناصر في الحكم بعد
الدولة العثمانية، وقد كان الواقع الاجتماعي غير منسجم مع هذه الأيديولوجية؛ ما
أنتج تناقضات كبيرة؛ ولذلك بقيت الهوية التركية في حالة تحول وتدافع بين الهوية
الكمالية والهوية الإسلامية المحافظة والهوية التعددية أو الهجينة التي جمعت أو
وفقت بين الهوية الكمالية والهوية الإسلامية.
الانتماء الحضاري لتركيا
حديثاً، وفي
استطلاع رأي حديث في تركيا شمل 1186 مشاركاً في 28 مدينة تركية، في مارس 2026م،
عند سؤال المشاركين عن «المجال الحضاري» الذي تنتمي إليه تركيا، لم تظهر هوية
جامعة، فقد رأى 33% أن تركيا تنتمي إلى «العالم التركي»، و27% إلى «العالم
الإسلامي والشرق الأوسط»، بينما قال 20%: إنها تنتمي إلى أوروبا، هذه الخريطة تكشف
عن تعددية في تمثّلات الانتماء وتردّد في حصر تركيا في نطاق حضاري واحد.
يتوزع ناخبو
العدالة والتنمية بين الشعور أنهم ينتمون إلى العالم التركي والعالم الإسلامي،
بينما يميل ناخبو حزب الشعب الجمهوري إلى الشعور بالانتماء إلى أوروبا، وتقترب
الأحزاب القومية من تصور الانتماء إلى «العالم التركي»، في حين يظهر ناخبو حزب الديمقراطية
والشعوب المتساوية وهم أكراد أنهم أقرب إلى العالم الإسلامي، وتعكس هذه الفروقات
كيف يترجم الانقسام السياسي إلى تصوّرات متباينة لموقع تركيا في العالم.
رمضان وجدل الهوية التركية
قبيل شهر رمضان
الماضي، أصدرت وزارة التعليم التركية تعميماً يدعو كل المدارس في 81 ولاية تركية
أن تنظم لأول مرة منذ تأسيس الجمهورية أنشطة رمضانية تشمل تزيين ممرات المدارس
بزينة شهر رمضان وعقد مسابقات قرآنية وعمل موائد إفطار ومشاريع خيرية.
ومع أن التعميم
الوزاري قدم كبرنامج لترسيخ قيم العدل والتضامن والرحمة، فقد أدى التفاعل الكبير
جداً من قبل الطلبة والمدرسين وانتشار هذه الأنشطة على «السوشيال ميديا» إلى
استياء كبير من الكماليين؛ حيث وقع 160 شخصية أكاديمية على عريضة بعنوان «ندافع عن
العلمانية معاً»، اعتبروا فيها أن الاحتفالات بشهر رمضان في المدارس نوع من
الرجعية التي تدمر أسس الدولة العلمانية، وأن ما جرى انتهاك لحياد التعليم وتحول
نحو أسلمة المناهج والعملية التربوية.
كما أن أنشودة
دينية عن الحج في تركيا أيضاً أثارت جدلاً كبيراً؛ لأن بعض طلاب المدارس قاموا
بتقليدها وتم تشغيلها عبر ميكروفونات المدارس، وقد انتقد وزير التعليم قيام بعض
المدارس باحتفالات «الهالوين» ورأس السنة أو الاحتفالات التنكرية التي تعتبر
مرتبطة بالغرب.
وكان رد الفعل
تعبيراً عن انقسام هوياتي أو استقطاب هوياتي؛ حيث اعتبر الكماليون ما حصل نشراً
للظلامية، فيما كان هناك من يرى أنه يمكن الجمع بين كافة الأنشطة من جميع الجهات
المتنوعة.
إعادة تعريف الهوية التركية
إن ما جرى في
رمضان من زينة ومظاهره جزء من التقويم الرسمي للمدرسة التي تعتبر إحدى مؤسسات
الدولة، هو جزء من إعادة تعريف الهوية الوطنية باتجاه إسلامي وطني، وهو ما يرسخ في
الوجدان التركي أن الهوية التركية مرتبطة بالإسلام والقيم الدينية، ولذلك حصل
استياء كبير واحتجاجات من الكماليين.
إن عمر هذا
التحدي يمتد لقرن كامل، فالنموذج السياسي القانوني الكمالي لا ينسجم مع معطيات
التاريخ والثقافة والجغرافيا التي تربط تركيا بإرث إسلامي كبير، من جانب آخر، تعمل
محاولة توظيف الهوية القومية بعيداً عن التعددية إلى خلق تحدٍّ كبير.
ومن زاوية أخرى،
فإن هناك توزعاً للهويات على الجغرافيا، فمدن الساحل أقرب للهوية الغربية، ومدن
الأناضول أقرب للهوية المحافظة، وفي المدن الكبرى تتدافع هذه الهويات فيما بينها.
وفي ذات سياق
الاستطلاع لكن في موضوع منفصل، ولكنه يظهر بعض القضايا العابرة للهوية، فعلى مستوى
فلسطين في وجدان الأتراك ودور تركيا المتخيل، عبّر 41% من المشاركين عن تأييدهم
الصريح لفلسطين، مع وجود شعور شعبي قوي مؤيد للفلسطينيين، مقابل تأييد شبه منعدم
للسياسات «الإسرائيلية».
ومع ذلك، تبرز
رغبة لدى 36% في أن تؤدي تركيا دور «الوسيط المحايد» في الصراع؛ ما يعكس مزيجاً من
التعاطف الوجداني مع الفلسطينيين من جهة، ووعي بحدود الانخراط العملي وبالحاجة إلى
الحفاظ على موقع يسمح لتركيا بالتأثير الدبلوماسي من جهة أخرى.
وبالتالي، فإن
الاصطفاف الهوياتي ومدى ترسخه يؤثر على الخيار النهائي للسياسة وقوته حتى لو كان
الاصطفاف العاطفي والإنساني موجوداً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً