ما دور «الخلاوي» و«المسيد» في صناعة مستقبل السودان؟

ما دور «الخلاوي» و«المسيد» في صناعة مستقبل السودان؟

تعددت زيارات رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وعدد من أعضاء المجلس، لدور «الخلاوي» و«المسيد»، والالتقاء بزعمائهم بشكل منتظم؛ ما لفت الأنظار إلى الدور الذي ينتظره البرهان من تلك الطرق الصوفية المشرفة على «الخلاوي» و«المسيد» المنتشرة في جميع ربوع السودان، فبحلول مايو 2026م، أصبحت «الخلاوي» و«المسيد» في السودان ليست مجرد مؤسسات دينية، بل الركيزة الأخيرة المتبقية للتماسك الاجتماعي والإغاثي في ظل صراع مدمر تجاوز الألف يوم.

زيارات البرهان

منذ خروجه من القيادة العامة في أغسطس 2023م، اعتمد البرهان إستراتيجية «الشرعية الروحية» من خلال زيارات مكثفة لدور الخلاوي في الولايات الآمنة بورتسودان، ونهر النيل، والشمالية، والبحر الأحمر، والجزيرة، والخرطوم، وسنار.

وهدفت الزيارات إلى حشد الدعم الشعبي لـ«المقاومة الشعبية» وتأكيد التفاف الكيانات التقليدية حول الجيش، ومن أبرز المحطات زيارات متكررة لمسيد الشيخ علي بيتاي في همشكوريب شرق السودان لضمان استقرار الإقليم، كما قام بزيارة خلاوي الغبش بمدينة بربر، وخلاوي الشيخ إبراهيم الكباشي، حيث تم التأكيد على دور هذه المؤسسات في حفظ بيضة الدين والوطن، كما أجرى البرهان لقاءات مع مشايخ الطرق الصوفية في بورتسودان التي كانت العاصمة الإدارية المؤقتة قبل العودة للخرطوم لتوسيع مظلة الدبلوماسية الشعبية.

دور «الخلاوي» أثناء الحرب

أدت الخلاوي دورًا مفصليًا شعبيًا عوض غياب بعض مؤسسات الدولة في مناطق النزاع والنزوح، وأول هذه الأدوار وأبرزها كان مقاومة الجوع، حيث تحولت «المسيدات» إلى مطابخ مركزية (تكايا) على سبيل المثال، واستقبل مسيد الشيخ الياقوت جنوب الخرطوم- النيل الأبيض آلاف النازحين، وقدم وجبات يومية مجانية في وقت توقفت فيه سلاسل الإمداد العالمية، وتنوعت وتمددت تكايا الطرق الصوفية في جميع أنحاء السودان بما فيها مناطق النزاع والنزوح، حيث اعتمدت على تبرعات القادرين في الخارج لمد الناس بأسباب الحياة.

وأدى الشكل الفلكلوري الصوفي القائم على المديح وترديد الأناشيد الدينية دورًا مؤثرًا في رفع الروح المعنوية، حيث مثلت حلقات الذكر والنشيد الصوفي ملاذاً نفسياً للسودانيين للهروب من ضجيج المدافع وأنهار الدم التي فجرتها قوات التمرد ضد المدنيين في كل منطقة تقع تحت أيديهم.

وفي إطار عمليات الإيواء والحماية، ظلت «الخلاوي» مناطق محرمة في العرف السوداني؛ ما جعلها ملاذًا آمنًا للنساء والأطفال، رغم تعرض بعضها لانتهاكات مباشرة من قبل «الدعم السريع» في ولايتي الجزيرة وسنار.

خسائر «الخلاوي» و«المسيدات»

تكشف الحالة الراهنة حتى مايو 2026م عن حجم الأضرار العميقة التي لحقت بالمؤسسة الصوفية على المستويين البشري والمادي، حيث فقدت الطرق الصوفية عدداً من القيادات والرموز الدينية والعلماء نتيجة القصف المباشر أو بسبب انعدام الرعاية الطبية في ظل تدهور الخدمات.

كما تعرض عدد من المشايخ في الخرطوم والجزيرة لمضايقات متكررة وعمليات تهجير قسري، في وقت لم تسلم فيه البنية الأساسية من الدمار، إذ دُمرت جزئياً «مسيدات» تاريخية في أم درمان القديمة ومدني، وتحولت بعض «الخلاوي» الواقعة في مناطق سيطرة قوات «الدعم السريع» إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء مدمرة؛ ما يعكس تحول هذه الفضاءات الدينية والتعليمية من دورها الروحي والتربوي إلى ضحايا مباشرة لآلة الحرب.

ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، بل امتدت إلى الموارد الاقتصادية، إذ تعاني الخلاوي من نضوب شبه كامل في مواردها الذاتية بعد أن كانت تعتمد تقليدياً على زراعة المريدين وهبات التجار، ومع توقف النشاط الزراعي في الجزيرة وسنار، أصبحت هذه الدور تعتمد بشكل كلي على تحويلات المغتربين ودعم المنظمات المحلية وجهود المتطوعين، في مؤشر واضح على هشاشة وضعها المالي وتراجع قدرتها على الاستمرار بذات الأدوار التي كانت تضطلع بها سابقاً، وقد ناقش البرهان مع زعماء «الخلاوي» و«المسيدات» سبل إعادة بناء هذه الدور وترميمها إضافة إلى ضرورة التذكير بأدوار الزعماء الذين استشهدوا في الحرب والعناية بالمصابين والعمل على إعادة اللاجئين من خارج السودان.

المصالحات وإعادة الإعمار

يُنظر إلى «الخلاوي» في مرحلة ما بعد الحرب كأداة وحيدة قادرة على المصالحات القبلية، حيث إن «الخلاوي» المؤسسة الوحيدة التي تتعالى على الانتماء القبلي، حيث يدرس فيها الطالب من دارفور بجانب الطالب من الشرق؛ لذا، هي المرشحة لقيادة مبادرات «جبر الضرر» وفض النزاعات بين المكونات التي اشتبكت خلال الحرب.

كما يأتي من بين تلك الأدوار القيام بعمل شعبي على امتداد السودان لمكافحة خطاب الكراهية، وبفضل خطابها المعتدل، تعتبر الصوفية الترياق الوحيد للتطرف الجهوي والقبلي الذي برز أثناء الصراع، وهي بذلك القادرة إعادة الإدماج وخاصة بين المقاتلين السابقين وتأهيلهم نفسيًا من خلال التربية الروحية.

تظل «الخلاوي» في السودان جهاز المناعة الأخير للدولة، وبينما تسعى القيادة العسكرية لاستثمار ثقلها السياسي، تظل هي «ملاذ الجوعى» وصوت العقل في بلد مزقته الحروب العسكرية والصراعات السياسية والقبلية، وبرغم أن البنية الأساسية منهكة، لكن السلطة الروحية لمشايخ الطرق الصوفية لا تزال الخيط الرفيع الذي يمنع السودان من الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة لا تبقي ولا تذر.

ويبدو أن الفريق البرهان الذي يحاول لملمة جراح الشعب السوداني، يحاول استثمار هذا الرصيد الكبير لـ«الخلاوي» والطرق الصوفية في إعادة توحيد الشعب السوداني من ناحية، وممارسة دور شعبي في إعادة وبناء إعمار السودان من ناحية أخرى، وربما توسعة الأمر إلى تفعيل دور سياسي للطرق الصوفية كي تكون ظهيرًا مقبولًا لدى المجتمع الدولي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة