العلماء والسلطة.. قراءة جديدة
على مدار 5 عقود توارثت مدارس الحركة الإسلامية
العديد من المفاهيم من زاوية واحدة، وصارت من المسلّمات التراثية، والحقيقة أنها قراءة
جائرة للتراث.
كان من بين هذه المسلّمات قراءة اقتراب العلماء
من السلطة، الذي دائماً تصفه النظرة الحركية بأنه خصم دائم من رصيد العلماء، مستدلين
بأقوال مأثورة من التراث، التي تأخذ منحى «اللصوصية» دائماً في حق العلماء.
والقارئ قراءة موضوعية لكل من تستدلّ بهم
مدارس الحركة الإسلامية من العلماء من ذوي التقدير والاحترام في كتب التراث، يجد أن
جلّهم كان لهم تقاطعات مع السلطة، ولكن يبقى الحكم على مهارة العالم وقوة تدينه، وعدم
استغراقه في السلطة وذوبان الأحكام وتماهيها مع قصر السلطان، وهو ما ترفضه سير العلماء
وحياتهم.
خطورة مخالطة السلطان
مما جاء في التحذير من مخالطة العلماء، وضرورة
بعدهم عن السلطان، ما روي عن الصحابي حذيفة بن اليمان: إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما
هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه.
ومع الرجوع لحالة الصحابي حذيفة، وهو أورع
وأسبق من سأل عن الفتنة، مخافة الوقوع فيها، كان يدخل على الأمراء، ويجعل مسافة بينه
وبينهم، بل كان يرى أن ذلك من جملة المحافظة على الدين عامة.
ومن سياسته وفهمه أنه كان يقول: ما كلام أتكلم
به يرد عني عشرين سوطاً إلا كنت متكلماً به.
وكان يقول: ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة
إلا قد اشترى بعض دينه ببعض، قالوا: وأنت؟ قال: وأنا، والله إني لأدخل على أحدهم -وليس
أحد إلا فيه محاسن ومساوئ- فأذكر من محاسنه، وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم
إلى الغداء فأقول: إني صائم ولست بصائم(1).
الزهري وبنو أمية
يعتبر الإمام الزهري من سادة عصر التابعين،
ومن عتب عليه جاء لأجل مصاحبته بني أمية، وأنه كان يسير معهم بزي الأجناد، وبرتبة «الأمير».
يقول الذهبي: بعض من لا يعتدّ به لم يأخذ
عن الزهري؛ لكونه كان مداخلاً للخلفاء، ولئن فعل ذلك، فهو الثبت الحجة، وأين مثل الزهري،
فقد كان محتشماً جليلاً؟
ورغم ما رُمي به الإمام الزهري من دخوله مع
السلطة، لكن كانت هناك ثوابت تصب في خدمة الدين والمسلمين عامة، لا يفهمها إلا من استشرف
المستقبل وسبر الخير والشر.
يروي أبو الزناد -من أشهر شيوخ الإمام مالك-
ما دار في الكواليس من ترتيب السلطة وولاية العهد بعد هشام بن عبدالملك، وكيف أن الزهري
كان يعيب دائماً الوليد بن يزيد المشهور بـ«الفاسق» -بحضرة هشام- ويقول له: ما يحلّ
لك إلا خلعه.
يقول أبو الزناد: فلما استخلف الوليد بعث
إليّ، وإلى (ابن المنكدر، وابن القاسم، وربيعة الرأي)، وفي خلوة، قال لي: أرأيت يوم
دخلت على هشام، وأنت عنده، والزهري يعيب فيّ؟
قلت: أذكر يوم دخلت والغضب في وجهك أعرفه،
قال: كان الخادم الذي رأيت على رأس هشام، ينقل ذلك كله إليّ.
يقول الوليد الفاسق: قد كنت عاهدت الله، لئن
أمكنني الله بالخلافة أن أقتل الزهري، وهذا يدلّ على أنه كان يصدع بالحق ولا يخاف في
الله لومة لائم، ويتحدث بكلام لا يجرؤ عليه العلماء ممن لم يخالطوا السلطان.
كما كان يتحدّى الوليد الفاسق، ويقول له:
لن يسلطك الله عليّ يا فاسق، فمات قبل ولاية الوليد، فكان لله عناية بالزهري.
العلماء ومال السلطة
أيضاً من الأمور التي تأخذ مجرى الريبة أخذ
المال من السلطان، وأنه دليل على تدني العالِم وأنه قد باع دينه، والأمر ليس على إطلاقه،
بل هناك نماذج من العلماء كان يأخذ الكثير من المال، دون أن يقدح في نزاهتهم، بل يشهد
لهم الجميع بحسن التدين.
يقول الإمام الشافعي: ما رأيت أحداً فيه من
آلة الفتيا ما في سفيان بن عيينة، وما رأيت أكفّ عن الفتيا منه.
ومع ذلك كان يحيى البرمكي يجري على سفيان
بن عيينة ألف درهم كل شهر، وكان سفيان يقول في سجوده: اللهم إن يحيى كفاني أمر دنياي،
فاكفه أمر آخرته، فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم فقال له: ما صنع الله بك؟
قال: غفر لي بدعاء سفيان.
ويعتبر سفيان بن عيينة أول من تفرّس في يحيى
بن أكثم التميمي، -وهو صبي- لما رأى فيه من مخايل تصلح لمصاحبة السلطان، ولاحقاً حينما
صار قاضياً للقضاة، وحظيّاً عند المأمون، كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله،
لأنه بذكائه السياسي أبطل عودة «نكاح المتعة»(2).
أيضاً لا يختلف أحد على فضل أبي عبيد صاحب
«غريب الحديث»، وقد كان إذا ألَّف كتاباً أهداه للأمير عبدالله بن طاهر فيحمل إليه
مالاً كثيراً.
ولما عمل أبو عبيد كتاب «غريب الحديث» عرضه
عليه، فأجرى له عشرة آلاف درهم في الشهر.
ابن تيمية وعلماء السلطة
من المعلوم أن أكثر العلماء قدوة بين مدارس
الحركة الإسلامية شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه رمز للصدع بالحق وغزارة العلم -وهو حقاً
كذلك- ومع ذلك، فإن موقفه مع خصومه من العلماء، أو من تلبسوا بصحبة السلطان، وتماهوا
معه لم تكن بذات الصورة التي تنقل عنه، بل كان أكثر استشرافاً وفهماً للصالح العام،
وليس النظرة الاستقطابية.
من المعلوم أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون،
تعرض للخلع من منصبه 3 مرات، منذ صغره حتى بلغ أشده، وانتزع منه السلطنة في مصر السلطان
بيبرس المعروف بـ«الجاشنكير»، بمساندة العلماء(3).
فلما عاد لسلطانه مرّته الأخيرة أراد أن يشتفي
من العلماء، فاستفتى ابن تيمية في قتل بعض القضاة، وأخرج فتاوى بعزله ومبايعة -الجاشنكير-
وأنهم آذوا ابن تيمية أيضاً، وأخذ يحثّه على الفتوى بالقتل.
ابن تيمية فهم مراد السلطان، فأخذ في تعظيم
القضاة والعلماء، وأنكر أن ينال أحداً منهم بسوء، وقال له: إذا قتلتهم لا تجد بعدهم
مثلهم.
فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مراراً،
فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حلّ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا
أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.
ولذلك كان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول:
ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح وحاجج عنا(4).
إن قراءة التراث بزاوية آحادية والتسويق لقضايا
منه، كان لها مسارها الخاص على أنه من المسلّمات للأمة، فيه جور على التراث وظلم لمنهج
العلماء، وهدر لطاقتهم كما أنه يصفد الأبواب أمام نشر العلم.
ولنا أن نتخيل كيف لو تركنا علم أبي يوسف
لمصاحبته هارون الرشيد، أو حال المغرب والأندلس بدون مذهب مالك، لو أهدرنا قيمة تلميذه
يحيي بن يحيي، الذي كان حظياً عند بني أمية، ولا يقطعون أمراً دونه.
اقرأ
أيضاً:
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً