السعادة بين النزعة المادية والروحية
السعادة ماهيتها ومعاييرها حيرت أذهان الفلاسفة وعلماء الأخلاق والنفس منذ القدم حتى الآن، فالكثير ناقشها من خلال رؤيته الثقافية والحضارية والدينية، واختصها الفلاسفة بالبحث باعتبارها غاية الإنسان في الحياة، وتناولها أهل الأديان كغاية للإنسان في آخرته، واهتم بها علماء النفس كمدخل للصحة والرفاهية النفسية، لكن تبقى معاييرها تتجاذبها نزعتان كبيرتان:
أولهما:
النزعة الدينية التي ترى السعادة تتحق في توحيد
الخالق سبحانه وتعالى وطاعته، وصولا إلى السعادة الأبدية في الآخرة.
وثانيهما: النزعة
المادية، التي تقرن السعادة بعالم الأشياء، فكلما زاد الإنسان من استهلاكه
ورفاهيته ومناصبه وإشباعه لغرائزه كلما تحققت سعادته.
الروحانية
وفلسفة السعادة
الرؤية الإسلامية
لمعايير السعادة، تنوعت من حيث تنوع المدارس الفكرية والفسلفية والتربوية، إلا أن
جميعها ينطلق من التوحيد ونفي الشرك، على اعتبار أن التوحيد يحرر النفس من كل
الأهام والقيود الأرضية، ليحلق الإنسان بروحه في آفاق الكون، موثقا الروابط بين الدنيا
وبين الآخرة، ليصبح ما يلقاه الإنسان في حياته مجالا للأجر سواء بالصبر أو الشكر، فالمعاناة لا تضييع هباءا
ولكن زخر مدخر، وأن تقلبات الحياة لها الأجر العظيم في الآخرة مع الصبر، كما أن
التوحيد يحرر النفس من أدرانها وشحها نحو رحابة الإنسانية الواسعة والروحانية
الفاضلة غير الخاضعة للغريزة والشهوة والطمع، فالتوحيد يحقق الحرية التي من خلالها
تتحقق السعادة.
ومن أهم من كتب عن
السعادة مفهوما ومعايير، ونقدا لتصورات الناس الخاطئة هو "أحمد بن محمّد
مسكويه" (المتوفى: 420هـ) في مؤلفاته ومنها كتاب " تهذيب الأخلاق
وتطهير الأعراق" فنقد معايير الناس المادية في السعادة التي ربطتها
بالشهوات والملذات الحياتية التي يتقاسم فيها الإنسان نفس المسلك مع الحيوان، فالإنسان
ذا نفحة روحية علوية تحتاج إلى إشباع من نوع آخر لتتحقق السعادة، فيقول:"وقد
ظن قوم أنّ كمال الإنسان وغايته هما في اللذات الحسية، وأنّها هي الخير المطلوب والسعادة
القصوى، وظنوا أنّ جميع قواه الأُخرى إنّما ركّبت فيه من أجل هذه اللذات، والتوصل
إليه... وهذا هو رأي الجمهور من العامة الرعاع، وجهال الناس السقاط" وبذلك
يرفض "ابن مسكويه" أن تكون المادية الحسية هي معيار السعادة الذي يجب أن
يبتغيه إلإنسان، فالنفس التي ترتضي بتلك المعيارية، تتسم بالخسة والدناءة التي
تناسب "الخنازير، والخنافس، والديدان، وخسائس الحيوانات التي تشاركه في هذا
الحال" لذا فمعايير السعادة عنده روحية عقلية أكثر منها مادية حسية.
والأهم
أن "ابن مسكويه" أوجد رباطا قويا بين السعادة والأخلاق، على اعتبار أن
الفضائل تقود دوما إلى السعادة، وأن الرذيلة سبب للشقاء التعاسة حتى وإن حققت
سعادة مؤقتة، وبالتالي كلما إزداد الإنسان تهذيبا لنفسه وإكمالا لفضائلها، كلما
اقترب من السعادة، فصلاح النفس هو الطريق الحقيقي للسعادة.
أما أبو نصر الفارابي
فله كتاب في "تحصيل السعادة" اعتبر فيه أن العقل هو منبع السعادة، وأن
السعادة لا تتحصل بالمنافع الحسية ولذة التملك، وإنما تتحصل بالفسلفة، وقال:"الفلسفة
هي التي بها ننال السعادة؛ فهذه هي التي تحصل لنا بجودة التمييز، وكانت جودة
التمييز إنّما تحصل بقوة الذهن على إدراك الصواب..وقوة الذهن إنّما تحصل متى كانت
لنا قوة بها نقف على الحق أنّه حق بيقين فنعتقده، وبها نقف على ما هو باطل أنّه
باطل بيقين فنجتنبه"، وبذلك فالسعادة عند الفارابي ليست مادية، وإنما عقلية؛
بل هي غاية الغايات.
والفارابي يرى أننا لا
نولد سعداء ولكن نحصل السعادة وفق شروط عقلية وعملية تتجاوز الاقتصار على رغبات
الجسد، لذا فالسعادة مكتسبة ما دام الإنسان يملك عقلا يتأمل بواسطته، فالسعادة لا
تنال إلا بالأشياء الجميلة.
المادية
وعلوم السعادة
معايير السعادة في الزمن
المادي الحداثي ذات ارتباط وثيق بعالم الأشياء، ولذا كانت علوم السعادة التي تطورت
خلال العقود الماضية، تقيس السعادة
بمقاييس مادية بحتة مثل عدد الابتسامات، أو التحسن في نبضات القلب، أو عدم
مراتالزيارة للطبيب وبخاصة النفسي.
ومن العلوم الحديثة التي
تدرس السعادة "علم النفس الإيجابي" الذي يركز على إزدهار الإنسان، وفق
معايير المشاركة والعلاقات الجيدة وإيجاد معنى للحياة والإنجاز، و"علم
الأعصاب" الذي يهتم بمناطق المكأفاة في الدماغ البشري والهرمونات التي
يفرزها الجسم للسعادة وتحسين المزاج والمكافأة وتخفيض التوتر، وعلم "الاقتصاد"
الذي يهتم بالسعادة وفق مناظير متعددة كالاستهلاك والتسويق والدخل والإنفاق
والثروة والعمل، حتى إنهم قاسوا تراجع السعادة على أساس خسائر الاقتصاد، ففي كتاب
"صناعة السعادة" لـ"ويليام ديفيز" ذكر أن خسائر الاقتصاد
الأمريكي بسبب عدم شعور الموظفين بالسعادة تكلف الاقتصاد حوالي (500) مليون دولار
سنويا.
الفيلسوف الإنجليزي
"آلن واتس" (المتوفى:1973م) حاول أن يستلهم حكمة الشرق في تصحيح
المعايير المادية عن السعادة في كتابه الشهير "معنى السعادة" الذي نشره عام 1940م، وكان
عمره أثناء تأليفه أربعة وعشرين عاما، ففي ذروة صعود الفلسفات المادية بشتى
تجلياتها، رأى أن المعايير المادية للسعادة المرتكزة على الامتلاك والاستهلاك لا
تعد اقترابا صحيحا وحقيقيا للسعادة، وإنما معيار السعادة هو الرضا والقبول بتقلبات
الحياة واحتضان الحياة بكل ما فيها من تناقضات ومفارقات، وأن السعي وراء السعادة
لا يحققها. ورأى أن للسعادة ثلاثة معايير،
أهمها: الامتنان أو الشكر، فالحياة يجب أن تكون رحلة امتنان إلى جانب
الحرية والدهشة أو التأمل العميق، فالتأمل يخفف المعاناة ويلهم النفس أن الأزمات
هي طبيعية في الحياة وأن لها آجالا تنتهي إليها وعندها.
الفيلسوف البريطاني
الملحد " برتراند راسل" (المتوفى: 1970) أصدر كتابا بعنوان "الطريق إلى السعادة" قبل وفاته بأربعين عاما، ناقش فيه معايير
السعادة، في ظل التعاسة التي لمسها في الإنسان المعاصر، وما طرحه "راسل"
من حديث عن السعادة كان محاولة لبناء نموذج للسعادة بعيدا عن أي منطلق ديني.
كانت معايير
"راسل" للسعادة نفعية مادية، فنفى أن يكون الدين مُحققا للسعادة، مدعيا أن الدين يُوقع
الإنسان في الشعور بالذنب، وهذا الشعور يُفقده السعادة.
أما
معياره لتحقيق السعادة فكان الحماسة للحياة، فتلك الحماسة تخلق شهية للإقبال على
الحياة، وجهد الإنسان عنصر رئيس في تلك الحماسة وقال :"النجاح السهل لا يخلق
فرحا وبهجة عميقة، ويسر الحياة الشديد يدمر الحماس، ومن ثم يقوض السعادة، كما أن
الملل والاعتياد من أكبر أعداء الحماس".
من معايير السعادة
كذلك
جعل "راسل" أن من معايير السعادة عدم التمحور حول الذات، لأن الذي يصنع
سعادته لا يخفيها، والذي يقصر سعادته على ذاته يشعر بالضيق والملل ويخلق سعادة
ناقصة، لكن المعيار الأهم الذي طرحه "راسل" هو ما يمكن أن نسميه
الرضا، ذلك الرضا الذي يخلق طمأنينة عميقة تمنح الإنسان أن يتذوق السعادة، أما
غياب الرضا فيجعل الإنسان يدور في دائرة الخوف من الفشل والحقد والحسد والمقارنات
التي لا تنتهي، فشعور الناس أنهم سيفشلون في التفوق على جيرانهم،
يفقدهم البهجة، ويقتل السعادة.
أما "تيم
لوماس" الباحث في جامعة هارفارد في كتابه "السعادة" أنه مع عصر
النهضة الأوروبي أخذ الفكر الغربي يبحث عن السعادة كفهوم أرضي وليس كغاية أخروية،
وأخذوا يبحثون عن جذرو السعادة في الفسلفة اليونانية القديم، ووجدوا ضالتهم في
أفكار الفيلسوف اليوناني "أبيقور" (المتوفى: 270 قبل الميلاد) الذي رأى
أن البشر منتجات مادية للكون ولا يبقى لهم وجود بعد الموت، فالهدف من الحياة لا بد
أن يكون السعادة، ولكن ليس بالانغماس في الملذات، ولكن بالبحث عن الطمأنينة.
هذا التحول سمح للرؤى
العلمانية في القرون التالية أن ترسخ مفهوم السعادة وفق الرؤية المادية، فمع عصر
التنوير الأوروبي في القرن السادس عشر الميلادي وسيطرة الروح العلمية والعقل، أصبح
التصور الأساسي هو أنه يمكن العثور على السعادة على الأرض، من خلال المنفعة، التي تحدث
عنها الفيلسوف الأيرلندي "فرانسيس هاتشيسون" (المتوفى: 1746م) أحد أبرز
فلاسفة عصر التنوير، الذي سعى للحكم على العمل من خلال نتائجه وتباعته وليس
استنادا على الأفكار المجردة التي انطلق منها، فيقول:"أفضل الأعمال هو
الذي يحقِّق أكبر قَدْر من السعادة لأكبر عدد من الناس".
ويبدي "لوماس"
ملاحظة ذات أهمية كبيرة حول الموجات الفكرية والفلسفية والعلمية الغربية الباحثة
عن السعادة اهتمت بالنزعة الفردية، فغالبية
أبحاث علم النفس حوالي 96% منها أجراها باحثون على مبحوثين في المجتمعات التي توصف
بأنها مجتمع ب "ويرد" WEIRD وهو مصطلح يرمز إلى المجتمعات الصناعية الغنية ذات الوفرة
والتعليم المرتفع، ولذا وضعت معايير السعادة ومقايسها وفق تلك المجتمعات حيث
التركيز على الفردانية، والتنمية الذاتية دون أن يكون هناك اهتمام بالأبعاد
الجماعية وما يرتبط بها من ثقافات وخصوصيات لتحقيق السعادة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً