إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
4 أوقات تُرفع فيها الأعمال إلى الله
يقول الله تعالى:
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى
اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ
الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة:
105).
أمر الله سبحانه
عباده أن يعملوا بما يرضيه عنهم، وذلك بأداء فرائضه والقيام بطاعته، فما خلق الله
العبد ليكون صفحة خالية من الأثر، ولا جسداً هامداً دون رسالة أو هدف، وإنما خلقه
للعمل والبذل، والسعي والاجتهاد والكسب، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ
كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: 6)؛ أي: إنك عامل إلى ربك عملاً فملاقيه
به خيرًا كان عملك ذلك أو شرًا.
وعندما يتأمل
الإنسان الكون من حوله، يرى كل شيء فيه قد قام بعمله ووظيفته التي خلق لأجلها،
فالسماء تمطر، والأرض تنبت، والبحار تجري، والرياح تسري، والملائكة تسبح، والنجوم
في أفلاكها تسير وتسجد، وما نحن إلا جزء من هذا الكون المنظم الفسيح الذي لا يفتر
عن العمل ولا يعرف البطالة والكسل.
ولئن كان عمل
الكائنات من حولنا فطرة وإجباراً، فإن أعمالنا كسبًا وإرادة واختيارًا؛ لأننا
مختبرون بهذه الأعمال، محاسبون عليها بين يدي الكبير المتعال، وصدق سبحانه حيث
قال: (الَّذِي خَلَقَ
الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: 2).
ولقد اقتضت حكمة
الله أن يجعل لهذه الأعمال أوقاتاً ترفع فيها إليه وتعرض عليه فهو سبحانه الذي (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: 10)، ومنها:
1- العرض اليومي للأعمال:
أخبر النبي صلى
الله عليه وسلم أن الله تعالى يسأل ملائكته كل يوم عن أعمال العباد وأحوالهم، وهو
سبحانه أعلم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ،
وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ
الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ:
كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ،
وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».
وهنا يبين لنا النبي
صلى الله عليه وسلم أن ثمة ملائكة تتناوب على حراسة البشر، فطائفة تحرسهم ليلاً،
وأخرى تحرسهم نهاراً، ثم يلتقون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، وكلما صعدت طائفة
سألهم الله عز وجل كيف تركتم عبادي؟ وهو غني عن سؤالهم هذا؛ وإنما يسألهم عن ذلك؛
تنويهاً بشأن بني آدم، وليباهي بهم الملائكة، فيقولون: تركناهم وهم يصلون الفجر
وأتيناهم وهم يصلون العصر.
فيا ليت شعري من
السعيد الذي يحافظ على هذه الصلوات، لينضوي تحت لواء «عبادي» الذين ينالهم شرف
سؤال الله تعالى.
كيفية العرض اليومي للأعمال
يقول ابن القيم:
ويعرض عمل اليوم في آخره والليلة في آخرها، كما في حديث أبي موسى الذي رواه
البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قامَ فِينا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عليه وسلَّمَ بأَرْبَعٍ: إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ،
يَرْفَعُ القِسْطَ ويَخْفِضُهُ، ويُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ النَّهارِ باللَّيْلِ،
وعَمَلُ اللَّيْلِ بالنَّهارِ»، فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يومي الإثنين
والخميس، والعرض فيها أخص من العرض في شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله
وعرض على الله وطويت الصحف، وهذا عرض آخر(1).
وعن ابن مسعود قال:
«إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه، وإن مقدار كل
يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم
فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع فيها على ما يكره فيغضبه ذلك، فأول من يعلم بغضبه
الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش
والملائكة المقربون وسائر الملائكة» (رواه الدارمي).
ولذا كان الضحاك
يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رفع من عملي(2).
فيا من عمله
معروض على من يعلم السر وأخفى لا تبهرج فإن الناقد بصير، وراقب ربك في ساعات يومك
فعمر قصير وعملك يصعد إليه ويسير.
ثمرات العرض اليومي للأعمال
وإن من فوائد
الإيمان بالعرض اليومي للأعمال تربية الإحساس اللحظي بأثر الطاعة والمعصية لدى
العبد، وقطع حبال الغفلة والجرأة بسيف المراقبة لله تعالى.
2- العرض الأسبوعي للأعمال:
وذلك في يومين
عظيمين من أيام الله، هما يومان متكرران، تفتح فيهما أبواب الجنان، وتمطر فيهما
سماوات الرحمة غيث الغفران، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: «تفتح أبواب
الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كانت
بينه وبين أخيه شحناء يقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا».
ولذا، كان النبي
صلى الله عليه وسلم يحرص على صيام هذين اليومين، فقد خرج أحمد أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الإثنين والخميس فقيل له ذلك، قال: «إن الأعمال تعرض
كل إثنين وخميس فيغفر لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين فيقول: أخرهما»، وعند
الترمذي في الشمائل، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُعرَضُ
الأعمالُ يومَ الإثنينِ والخميسِ، فأُحِبُّ أنْ يُعرَضَ عَمَلِي وأنا صائِمٌ»
(صحيح الجامع).
وكان إبراهيم
النخعي يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله
عز وجل.
ثمرات العرض الأسبوعي للأعمال
فهذا عرض خاص في
هذين اليومين، ولعل الحكمة منه أن يعلم العبد أن مقام المغفرة الربانية مرتبط
بالعمل الذي يعرض على الله فيقبله ويرضاه، أما أهل الشحناء فهم عن هذا المقام
مبعدون، كما أن هذا العرض الأسبوعي يعمل على تطهير المجتمع من أمراض الحقد
والضغائن، إذ يحرص العبد على إصلاح ما بينه وبين الناس قبل أن يرفع عمله إلى ربه
وهو ملوث بهذه الأمراض.
3- العرض السنوي للأعمال:
وذلك في شهر
شعبان من كل عام، كما في سنن النسائي عن أسامة بن زيد، قال: قلت: يا رسول الله، لم
أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب
ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (حسنه
الألباني).
قال ابن القيم
في رفع الأعمال وعرضها على الله: فإن عمل العام يرفع في شعبان، كما أخبر به الصادق
المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: «فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا
صَائِمٌ»، ويعرض عمل الأُسبوع يوم الإثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله
عليه وسلم(3).
وأما تخصيص هذا
الرفع والعرض بليلة النصف من شعبان فإن هذا لم يرد، وإنما الذي ورد أن الله تعالى
يطلع على خلقه في هذه الليلة فيغفر لعباده إلا لمشرك ومشاحن، فعن أبي موسى الأشعري
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان
فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» (رواه ابن ماجه وغيره، وحسنه الألباني(4).
ثمرات العرض السنوي للأعمال
ويمثِّل هذا
العرض وقفةً جامعةً يراجع العبد فيها حساب عام مر وانقضى، طويت في صحائفه أعمالٌ
ثقال، فينتفض إلى التوبة لتغسل ما زلَّت فيه قدمه من مستنقعات الآثام، ليُرفَع
عملُه طاهراً نقيّاً من شوائب الذنب، فيكون ذلك زاداً ودافعاً لاستقبال مواسم
الطاعة في رمضان وقلبه مخبتٌ منيبٌ إلى ربِّه، مستحٍ من نظره، راجٍ لرحمته.
4- العرض الأخير للأعمال:
عرض الخاتمة
الذي تعرض فيه أعمال العبد كلّها بعد موته، حين تقْبَض روحه، ويُختَم عملُه،
وتُرفَع صحيفته إلى الله، وهو الذي نوه به ابن القيم بقوله: ثم إذا انقضى الأجل
رفع العمل كله وعرض على الله وطويت الصحف(5).
وهذا العرض هو أخطر العروض الأربعة؛ لأن العمل زمانه قد انقطع، والتوبة أوانها قد انتهى ولا يكون بعده إلا الثواب والعقاب، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
اقرأ
أيضاً: