رمضان والعمل الخيري.. من العبادة إلى الاستعراض

أسامة الهتيمي

22 فبراير 2026

397

يعد شهر رمضان فرصة عظيمة للكثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للإكثار من فعل الخيرات، فهو شهر تتسع فيه أبواب الرحمة وتتضاعف فيه الأجور وتصفو فيه النفوس؛ طلباً للثواب وابتغاء لمرضاة الله، فقد ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول في شأن الصيام: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به»؛ الأمر الذي يجعل نفوس هؤلاء وقلوبهم تهفو من العام للعام انتظاراً واستعداداً لاستقبال رمضان.

وتتنوع في رمضان أعمال البر والخير فيما تختلف بحسب قدرات الناس وطاقاتهم، فمنها ما يتعلق بإطعام الطعام والمشاركة في موائد الرحمن وكفالة الأسر الفقيرة وتفريج كرب الغارمين، ومنها ما يتعلق بالتكافل الاجتماعي والإصلاح بين الناس وتقديم المساعدة بمختلف أشكالها التي تشير جميعها إلى العطاء كعنوان رئيس لهذا الشهر العظيم.

غير أنه ومع جمال تلك الروح التي تجسد معاني الرحمة والتراحم بين الناس في رمضان ومع تلك الصور المضيئة من أعمال البر والخير، فإننا لا نعدم أن نجد نفوساً مريضة امتلأت رغبة في الفخر وحب الظهور فتحولت قبلتها فيما تقوم به من أعمال خير من إرضاء الله إلى الاستعراض طلباً للشهرة والمكانة الاجتماعية.

الإخلاص شرط للقبول

ليس ثمة خلاف بين علماء المسلمين على أن الاتباع والإخلاص شرطان أساسيان لقبول أي عمل، ومن ثم فإنه بغيابهما أو غياب أحدهما يرد العمل على صاحبه فلا قيمة له.

ولقد وردت العديد من الأدلة القرآنية والنبوية للتأكيد على أهمية الإخلاص باعتباره ميزاناً دقيقاً يحدد إن كان ما يفعله الإنسان طاعة تقربه من الله أم مجرد جهد دنيوي لا ثواب فيه.

قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: 5)، وقال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) (الزمر: 11)، فيما جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (رواه مسلم).

وجاءت السُّنة لتؤكد نفس المعنى، ومن ذلك ما روي عن أبي أمامة أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتُغي به وجهه» (رواه النسائي).

في مقابل ذلك، فإن الرياء شكل من أشكال الشرك الأصغر الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء» (رواه أحمد).

بل أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن عقوبة الرياء لا تنحصر في كون أن أعمال المرائي بلا جدوى فحسب لكنها تجر صاحبها أيضاً إلى النار، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل تعلم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، ورجل تصدق، ورجل قاتل، فيقال: كذبت، إنما فعلت ليقال، ثم يُسحب على وجهه حتى يُلقى في النار» (رواه مسلم).

مظاهر التفاخر والتظاهر

بكل أسف لم تعد مظاهر الرياء أو التظاهر في العمل الخيري طلباً للسمعة والمكانة مجرد حالات فردية، بل باتت في بعض المجتمعات العربية والإسلامية ظاهرة مرضية تتكرر بصورة لافتة، حيث ساعد على ترسخيها عدة عوامل، كان أهمها مواقع التواصل الاجتماعي التي أضحت بوابة إغراء تدفع البعض إلى أن يصدروا لأنفسهم صورة مثالية تتحلى بالكثير من الصفات الإيجابية وأبرزها البذل من أجل الآخرين.

ليس صعباً أن نرصد بعضاً من السلوك الشائن الذي يكشف عن مدى تحكم شهوة الشهرة والسمعة في نفوس البعض من خلال صور متعددة باتت تتكرر كل موسم رمضاني، ومن ذلك مثلاً أن بعض المترشحين للانتخابات التشريعية وغيرها لا يترددون في توظيف موائد الرحمن أو توزيع المساعدات على الفقراء باعتبارها وسيلة دعائية رخيصة هدفها الحقيقي ليس سد حاجة المحتاجين، بقدر ما هو استمالة الناخبين والتحصل على أصواتهم عبر خطاب عاطفي مغلف بشعارات الإحسان.

كما أن بعض رجال الأعمال الذين تحيط بهم شبهات الفساد يلجؤون إلى الأعمال الخيرية لا من باب التوبة أو التكفير عن الأخطاء، وإنما في إطار ما يشبه غسل السمعة وغسل الأموال فيقومون بضخ التبرعات بصورة استعراضية يؤكد ذلك حرصهم الشديد على نشر فعلهم عبر الصحف ووسائل الإعلام.

وامتدت الظاهرة إلى بعض الفنانات أو الراقصات من اللائي تدور حولهن الشبهات فيحرصن على إقامة موائد الرحمن أو المشاركة في حملات الإطعام، رغم أن المال الذي يقمن بإنفاقه في مثل هذه الأعمال ليس حلالاً على الأغلب وهو ما يجعل العمل -وإن بدا في ظاهره خيراً- مثار جدل شرعي وأخلاقي.

ومن مظاهر الرياء كذلك حرص بعض المتبرعين على تخليد أسمائهم على جدران المستشفيات والمدارس وغيرها، وكأن العطاء لا يكتمل إلا إذا ارتبط باسم صاحبه وجرى تثبيته أمام الناس، فضلاً عن ظاهرة تصوير لحظات توزيع صناديق المساعدات الغذائية على الفقراء مع كتابة اسم المؤسسة أو المتبرع على الصندوق بشكل واضح بما يوحي بأن المقصود ليس إغاثة المحتاج، بل صناعة مشهد استعراضي لاستثماره اجتماعياً أو سياسياً.

بين الرياء والتشجيع

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي منا التأكيد على أن إظهار العمل الخيري أو الإعلان عنه لا يعني بالضرورة الوقوع في الرياء، كما أن إخفاءه ليس دائماً دليلًا قاطعًا على الإخلاص، فالمعيار الحقيقي الذي يزن به الإسلام الأعمال ليس شكلها ولا طريقة تقديمها، وإنما النية التي تتحكم في صاحبها مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

وهنا يجب الإشارة إلى أن البعض قد يعلنون عن أعمالهم الخيرية لا طلباً للمدح ولا للشهرة، وإنما رغبة لتحفيز الآخرين على المشاركة في الخير وتشجيع المجتمع على التنافس في البر، وهو المعنى الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: 271).

ولعل من المعايير الجوهرية للتفريق بين من يعلن عن فعل الخيرات رياء ومن يفعل ذلك تشجيعاً للآخرين هو أن يكون المال الذي يتم إنفاقه حلالاً طيباً، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً، وألا يكون لفاعل الخير غرض دنيوي، وألا يصطبغ إعلانه بالمبالغة في الظهور، والذي يصحبه بكل تأكيد مظاهر المن والأذى كجرح كرامة المحتاجين أو تصويرهم في أوضاع مهينة.

ويبقى في الختام أن المشكلة ليست في الإعلان عن فعل الخير في ذاته بل في النية التي تحركه وفي طريقة تقديمه، فضلاً عن الهدف الذي يقف خلفه، فوفقاً لهذه المعايير يتحدد مصير العمل بين القبول والرد.



اقرأ أيضاً:

العمل الخيري رحمةٌ للعالمين

عمل خيري مستدام بعد رمضان

مستقبل العمل الخيري.. تحديات وفرص واعدة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة