قرأ القرآن في المجالس ورفع الأذان في الثغور

أبو العالية الرياحي.. من علم التوحيد إلى نشر التوحيد

عالم وهو يبدوا عليه انه يستعد للخروج للجهاد من امام المسجد ووراءه رجل ينادي حي على الجهاد

يذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أبي العالية الرياحي(1) رفيع بن مهران؛ حيث قال قتيبة: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: «أول من أذن بما وراء النهر أبو العالية الرياحي»(2).

تكشف هذه الرواية عن جانب آخر من شخصية أبي العالية الرياحي؛ جانب العالم الذي لم يجعل العلم سببًا للانفصال عن حركة الأمة، ولم يرَ أن اكتمال التكوين العلمي يعني الانكفاء في مجالس التعليم فقط، بل حمل ما تعلمه من القرآن إلى ميادين العمل والنصرة.

فهذا هو أبو العالية نفسه الذي قضى حياته في طلب العلم، وأخذ عن كبار الصحابة، وربى الأجيال على القرآن والاتباع، لكنه لم يفهم العلم على أنه عزلة عن واقع الناس، بل فهمه على أنه رسالة تحمل صاحبها إلى حيث يحتاجه الدين.

فالعالم الرباني لا يقف عند حدود التلقي، بل ينتقل من تعلم الوحي إلى القيام بمقتضى الوحي.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الموقف؛ فهو يجيب عن سؤال مهم: هل حين يتعلم العالم ويتفقه ويبلغ منزلة علمية عالية يصبح بعيدًا عن ميادين الأمة؟ أم أن العلم الحقيقي يدفع صاحبه ليكون أكثر حضورًا في مواقع المسؤولية؟

وسيرة أبي العالية تجيب بوضوح؛ أن العلم الذي يُحفظ في الصدر لا بد أن يظهر أثره في الحياة.

لماذا ترك أبو العالية البصرة نحو الثغور؟

كان خروج أبي العالية الرياحي في مرحلة الفتوحات الإسلامية الكبرى في الشرق، في العصر الأموي المبكر، حين كانت جيوش المسلمين تتقدم في بلاد خراسان وما وراء النهر، في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، في حدود منتصف القرن الأول الهجري، وكانت هذه المناطق من أبعد الثغور الشرقية التي وصلت إليها حركة الفتح، وهي بلاد واسعة ذات حضارات قديمة، وكان دخول الإسلام إليها يعني انتقال رسالة التوحيد إلى آفاق جديدة.

وفي هذه المرحلة لم يكن أبو العالية مجرد عالم مقيم في البصرة يروي العلم، بل خرج مع جيوش المسلمين ليكون جزءاً من حركة الفتح التي كان هدفها إعلاء كلمة الله ونشر دينه؛ امتثالاً لقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (البقرة: 193)، فالجهاد في التصور الإسلامي لم يكن مجرد حركة عسكرية، بل كان مرتبطاً بإزالة الموانع التي تحول بين الناس وبين معرفة الحق.

ويرسخ الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه هذا المبدأ حين أرسله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه معلماً ووزيراً إلى الكوفة المفتوحة حديثاً ليحمل أمانة العلم والتوحيد إلى الثغور والأمصار، كاتباً لأهلها: «إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَمِيراً، وَعبدالله بْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّماً وَوَزِيراً، وَهُمَا مِنْ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؛ فَاقْتَدُوا بِهِمَا وَاسْمَعُوا مِنْهُمَا»(3).

ويروي الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه صمود الجيل الأول وحملهم للرسالة بالنص المباشر: «وَاللهِ إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَنَا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي»(4).

قصة رفع أول أذان بما وراء النهر

لم تكن عبارة: «أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ» مجرد وصف تاريخي لمن رفع الصوت بالأذان، بل تحمل معنى حضارياً عميقاً؛ فالأذان ليس مجرد إعلام بدخول وقت الصلاة، بل هو إعلان التوحيد «الله أكبر.. لا إله إلا الله»؛ إنه إعلان بانتماء المكان إلى رسالة الإسلام، وبداية حضور العبادة في أرض جديدة، وههنا تظهر رمزية أبي العالية؛ فهذا الرجل الذي بدأ حياته في ظروف صعبة، يتعلم القرآن في الخفاء وهو مملوك، أصبح بعد سنوات يحمل القرآن إلى أقصى أطراف العالم الإسلامي، ويكون صوته أول صوت يعلن التوحيد في تلك الديار، إنها صورة تختصر رحلة الإسلام في حياة رجل واحد؛ من طالب علم يطلب النور، إلى عالم يحمل النور، إلى مجاهد ينقل النور إلى الآخرين.

ويتجلى هذا الإعلان التاريخي للتوحيد وتطهير البقاع المفتوحة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لـ بلال بن رباح رضي الله عنه يوم فتح مكة؛ إذ أمره بالصعود فوق ظهر الكعبة المعظمة ليرفع صوته بالأذان حاسماً عهد الشرك ومؤذناً بدخول التوحيد لأقدس بقعة، كما يروي ذلك الحافظ ابن كثير في تاريخه بالنص المباشر: «حين جاءت الظهر، فأذّن على ظهر الكعبة، وقريش فوق الجبال؛ منهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أومن، فلما قال: «أشهد أن محمداً رسول الله»، قالت جويرية بنت أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع نهيق ابن أم بلال فوق الكعبة!»(5)؛ لتبقى تلك الصيحة الخالدة علامة فارقة في انتقال الأرض من عبادة الأصنام إلى سيادة التوحيد.

ويرسخ سهم بن منجاب التميمي لحظة افتتاح الأرض ونفود الدين بالدعاء الصادق والتوحيد الخالص في فتوح الشرق، حين تقحم الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه وجيشه لُجّة البحر نحو العدو، متوسلاً إلى الله بأسمائه الحسنى، ورامياً بحمول ثقته على كفايته سبحانه، بدعائه المأثور بالنصر: «اللَّهُمَّ يَا عَلِيمُ يَا حَلِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، إِنَّا عَبِيدُكَ، وَفِي سَبِيلِكَ نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، فَاجْعَلْ لَنَا سَبِيلًا إِلَى عَدُوِّكَ ثُمَّ اقْتَحَمَ بِنَا الْبَحْرَ، فَوَاللَّهِ مَا ابْتَلَّتْ سُرُوجُنَا حَتَّى خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ»(6).

وهذا ما يوضح بأن الفتوحات الأولى لم تكن مجرد اندفاع عسكري خاوٍ من الروح، بل كانت حركةً إيمانيةً خاشعة، يُفتتح فيها الميدان وتُطوى فيها المسافات بالتضرع والافتقار إلى الله قبل إعمال السلاح، ليغدو العابدُ المجاهد سفيراً للتوحيد بباطنه وظاهره.

تكامل الأدوار بين التعليم ونصرة الأمة ميدانيًا

قد يظن البعض أن كثرة العلم والتفرغ للتعليم تجعل العالم بعيداً عن ميادين المواجهة، لكن شخصية أبي العالية تقدم نموذجاً مختلفاً؛ فالعلم عنده لم يكن بديلاً عن العمل، بل كان الذي يعطي العمل معناه؛ فالذي تعلم القرآن عن الصحابة لم يكن منطقياً أن يحبس أثر القرآن في مجلسه، بل يحمل هدايته حيث يحتاجها الناس، ولهذا جمع أبو العالية بين وظائف متعددة: «حامل للقرآن، معلم للناس، مصلح في المجتمع، وحاضر في ميادين الفتح»، وهذا هو النموذج الذي عرفته الأمة في جيلها الأول؛ علماء لم يروا العبادة والعلم سبباً للابتعاد عن قضايا الأمة وميادينها.

ويتأكد هذا الجمع بين أعلى مراتب العلم والجهاد في البيت المأثور عن التابعي الإمام عبدالله بن المبارك في رسالته للفضيل بن عياض من الثغور:

أَيَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا    لَعَلِمْتَ أَنَّكَ في العِبَادَةِ تَلْعَبُ(7)

ويتجلى هذا المنهج الأصيل في مسلك الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ إذ لم يكتفِ بكونه أعلم الأمة بالحلال والحرام، بل خرج حاملاً أمانة العلم ورسالة الدين إلى الثغور وميادين البلاغ، ورابط في أرض الشام معلماً ومجاهداً حتى نزل به طاعون عمواس، فظهر يقينه الراسخ وشوقه لربه في نص كلمته الخالدة وهو يجود بنفسه: «مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ، مَرْحَبًا زَائِرًا مُغَيَّبًا حَبِيبًا، جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَخَافُكَ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْجُوكَ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا لِكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَلَا لِغَرْسِ الشَّجَرِ، وَلَكِنْ لِظَمَأِ الْهَوَاجِرِ وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ»(8)؛ ليضرب أروع الأمثلة في العالم الذي أفنى عمره بين حلق العلم ومكابدة المرابطة في الثغور.

الترابط بين حمل المصحف والمرابطة بالثغور الإسلامية

إن اجتماع صورة العالم وصورة المجاهد في شخصية أبي العالية يكشف فهماً متوازناً للدين؛ فليس الجهاد منفصلاً عن العلم، وليس العلم منفصلاً عن نصرة الحق، فالقرآن الذي يتعلمه الإنسان يوجهه إلى العمل، والعمل الذي يقوم به يحتاج إلى هداية القرآن؛ ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات: 15)؛ فصدق الإيمان يظهر حين يتحول الاعتقاد إلى بذل وتضحية.

ويتجلى هذا التلاحم بين هداية القرآن وبذل النفس في موقف الصحابي الجليل عبدالله بن رواحة رضي الله عنه يوم مؤتة، حيث تقدم يحمل الراية مرتجزاً بصريح قوله:

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ     لَتَنْزِلِنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ(9)

ويتجلى هذا الجمع الميداني بأبهى صوره في سيرة التابعي الزاهد صلة بن أشيم العدوي ؛ إذ كان يقرن عبادة الليل ومناجاة الوحي بمكابدة السرايا والرباط في الثغور، حتى خرج غازياً في فتح كابل مع ابنه، فنصحه ودَفَعه للشهادة أولاً، ثم تقدم بعده يقاتل حتى قُتل شهيداً، ويروي الإمام أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء نص مناجاته المأثورة التي كان يفتتح بها ليله ويستمد منها القوة لميادين البطولة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ أَوَ مِثْلِي يَجْتَرِئُ أَنْ يَسْأَلَكَ الْجَنَّةَ؟!»(10)؛ ليرسخ بذلك خُلُق السالك الذي يطوي ليله خاشعاً باكياً بين يدي القرآن، ثم يشرق نهاره فارساً مجاهداً في قلب الميدان.

كيف تحول حفظ النص إلى تكليف ودعوة؟

تظهر روعة سيرة أبي العالية في أن مراحل حياته لم تكن منفصلة؛ فطلبه للعلم في بدايته صنع العالم، وتعلمه من الصحابة صنع المرجعية، وتعليمه للناس صنع الأثر، وخروجه إلى الفتح جعل العلم حركة في التاريخ، فهو لم يحمل القرآن بوصفه كتاباً يحفظه فقط، بل بوصفه رسالة يحملها، وهذا هو الفارق بين من يتعامل مع العلم كمعلومة، ومن يتعامل معه كتكليف ومسؤولية.

ويعد الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه الأنموذج الأول لهذا التدرج الميداني والتربوي؛ إذ بدأ يتلقى الوحي ويتزكى بآيات القرآن في دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة، ثم ابتعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ليكون أول سفير ومقرئ ينشر هداية القرآن ويتلوه على الناس.

ثم خاض الميادين وحمل لواء المسلمين يوم «أُحد» يذود عن الدين ورسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يوثق ابن سعد في الطبقات حادثة استشهاده حين جال المسلمون يوم «أحد»: «فلمّا جال المسلمون ثَبَتَ به مصعبٌ فأقبل ابن قَميئة، وهو فارس، فضرب يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) (آل عمران: 144)، وأخذ اللواءَ بيده اليسرى، وحَنا(11) عليه، فَضَرَبَ يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمّه بعَضُدَيْه إلى صدره وهو يقول: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، ثمّ حمل عليه الثالثة بالرّمح فأنفذه وانْدَقّ الرّمْح ووقع مصعب وسقط اللّواء، وَسَقَطَ اللِّوَاءُ»(12)؛ ليمثل السلسلة المكتملة في حياة حامل الرسالة من تلقي القرآن، إلى تعليمه ونشره، إلى بذل الروح دونه في الميدان.

ويتأكد هذا المعنى في مسلك ا الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء نص دعوتِهِ التاريخية لحبيبه سلمان الفارسي رضي الله عنه ليترك العزلة ويلتحق بميادين الرباط بالشام، قائلاً له في كتابِهِ: «هَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ المَقَدَّسَةِ وَأَرْضِ الجِهَادِ»(13)؛ ليثبت بفعله وقوله أن القرآن يُقرأ في المحاريب ليثمر شجاعةً ورباطاً على الثغور.

دوافع مشاركة العلماء في فتوحات الشرق الإسلامي

قد يفسر البعض مشاركة أبي العالية في الفتوحات بأنها مجرد مشاركة فردية ضمن جيش، دون دلالة خاصة على شخصية العالم، لكن سياق سيرته يجعل الصورة أوسع؛ فأبو العالية لم يكن رجلاً يبحث عن الغنائم أو المكانة؛ فقد عُرف بالزهد والعفة والحرص على نقاء العلم، وكان يرفض المحاباة ويخاف على قلبه من الشهرة، ولهذا فإن حضوره في الثغور ينسجم مع منهجه العام؛ أن العلم أمانة، وأن من حمل هدي الله لا يقعد عن تبليغه ونصرته حيث يستطيع.

ويجسد الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه هذا التجرد التام بالنص والعمل؛ إذ رغم كبر سنه خرج غازياً تحت راية الفتح نحو القسطنطينية حتى دُفن عند أسوارها، موصياً جند المسلمين فقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أنه: «غَزَا أَبُو أَيُّوبَ الرُّومَ فَمَرِضَ فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَاحْمِلُونِي، فَإِذَا صَافَفْتُمُ الْعَدُوَّ فَادْفِنُونِي تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ»(14).

كيف يقاس الأثر الحقيقي للعلماء والمصلحين؟

تكشف هذه الواقعة أن العالم الرباني لا يُقاس فقط بعدد الكتب التي حفظها، ولا بعدد الطلاب الذين جلسوا إليه، بل بقدر ما يتحول علمه إلى أثر في الواقع، فأبو العالية لم يكن عالماً بعيداً عن الحياة؛ كان في المسجد معلّماً، وفي المجتمع مصلحاً، وفي الثغر حاملاً لرسالة التوحيد، وهذا هو الدرس الأكبر من دراسة حياته: أن العلم الحقيقي لا يصنع إنسانًا ينسحب من حركة الأمة، بل يصنع إنسانًا يعرف أين يضع علمه، ومتى يتحول من التعليم إلى العمل، ومن الحفظ إلى البلاغ، لقد تعلم القرآن، ثم عاش القرآن، ثم حمل رسالة القرآن إلى حيث لم يصل صوت التوحيد من قبل، ولهذا بقي أبو العالية مثالاً للعالم الذي لم يحبس النور في صدره، بل حمله حتى وصل إلى آفاق بعيدة.

ويؤكد إمام أهل السُّنة سفيان الثوري هذا المعنى العملي لحمل أمانة الدين بقوله المأثور بالنص: «إِنَّمَا يُتَعَلَّمُ الْعِلْمُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْعِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ»(15).

ويرسخ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أثر هذا الجيل العظيم الذي نزل العلم ميداناً وحركة، بقوله بالنص: «فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَهُمْ عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ وَلَئِنْ قُلْتُمْ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ»(16)؛ ليبقى أبو العالية الرياحي أنموذجاً حياً للعالم الذي أقرأ القرآن في المسجد، ورفع صوته بالتوحيد على الثغور.

وتؤكد سيرة أبي العالية الرياحي ومن سار على نهجه من علماء السلف، أن مكان العالم لا يقتصر على مجالس العلم وحلقات الإقراء، بل يمتد إلى ساحات الجهاد وميادين الثغور، فالعلم الرباني الأصيل ليس معرفةً خاملة تُحبس بين جدران المساجد، بل هو رسالة حية تسير بالقرآن هدايةً إلى القلوب، وتحمله إلى آفاق الأرض إعلاءً لكلمة الله، وحين يجتمع في شخص العالم فقهُ الوحي وشرفُ الرباط، يتحول القول إلى عمل، وتصان الشريعة باللسان والسنان؛ ليبقى العالم الرباني هو من يُقرئ التنزيل للطلاب في المحاريب، ويحمل راية التوحيد جهاراً في خطوط المواجهة.

الهوامش
  • 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولى لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
  • 3 كتاب المستدرك على الصحيحين (3/ 438/ 5663).
  • 4 كتاب صحيح مسلم (8/ 215/ 2966).
  • 5 كتاب أنساب الأشراف (1/ 452).
  • 6 كتاب مجابو الدعوة لابن أبي الدنيا، ص39 (40).
  • 7 كتاب الفوائد المنتقاة والغرائب الحسان عن الشيوخ الكوفيين للصوري، ص51.
  • 8 كتاب الزهد لأحمد بن حنبل، ص148 (1011).
  • 9 كتاب سيرة ابن هشام (2/ 379) في ذكر إمارة ابن رواحة ومقتله.
  • 10 كتاب محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، ص78 (33).
  • 11 كذا في «ل» وفى هامشها: قراءة الشيخ محمد عبده «وَجَنَأَ»، «فَجَنَأَ» وقد آثرت قراءة المستشرق ساخاو لورودها في «ت، ث» مضبوطة هكذا ضبط قلم وتحت حاء الكلمة علامة الإهمال للتأكيد، ولدى ابن الأثير في النهاية «حنا»، ومنه حديث معاذ: «وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه ولْيَحْنَا» هكذا جاء في الحديث، فإن كانت بالحاء فهي من حَنَى ظَهْرَه إذا عَطفه، وإن كانت بالجيم، فهي من جَنأ الرجل على الشيء إذا أكَبّ عليه، وهما متقاربان، والذي قرأناه في كتاب مسْلم بالجيم، وفي كتاب الحُمَيْدي بالحاء.
  • 12 كتاب الطبقات الكبرى (3/ 112/ 56).
  • 13 كتاب المجالسة وجواهر العلم (4/ 69/ 1238).
  • 14 كتاب مسند أحمد (38/ 539/ 3559).
  • 15 كتاب جامع بيان العلم وفضله (1/ 665/ 1159).
  • 16 كتاب سنن أبي داود (4/ 202/ 4612).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة