المبررات الصهيونية أمام اغتصاب فلسطين (1 - 4)

غسان كنفاني

15 يونيو 2026

18

المبررات الصهيونية أمام اغتصاب فلسطين (1 - 4)

يقول أرنولد توينبي: «أستطيع أن أفهم مطالب اليهود بعد كل الذي عانوه على أيدي الألمان بأنها مطالب ترمي إلى إعطائهم ولاية في مكان ما من العالم ليمارسوا سياداتهم الخاصة فيه، وإذا كان لا بد من حدوث ذلك فتلك الولاية ينبغي أن تكون على حساب الغرب الذي ارتكب أقسى الفظائع مع اليهود، وليس على حساب العرب. إن هذه النقطة تبدو لي سهلة وسليمة، ولكن حين أشرت إليها مرة في بلد غربي، وهو ليس ألمانيا ولا إنكلترا، قوبلت بموجة من الصياح الضاحك»(1).

والذي يبدو أن الدعاية الصهيونية رسخت في الذهن موقفاً بعيداً للغاية عن هذه العملية الحسابية الإنسانية البسيطة التي وضعها توينبي بتلك السهولة والتقريب، وينعكس هذا الترسيخ، بصورة أخص، على الرواية الصهيونية.

إن أحد المبررات الصهيونية لغزو فلسطين يعتمد في جوهره على «الرد على المذابح الهتلرية ضد اليهود، خصوصاً، وعلى الاضطهاد الذي تعرض له اليهود عموماً»، ولذلك فإنه من المستحيل تقريباً أن يجد المرء رواية صهيونية عن فلسطين لا يكون المدخل إليها مبنياً عبر المذابح الهتلرية، ويبدو أن المؤلف الصهيوني يعي تماماً قيمة هذا السيف الدموي الذي يسلطه منذ البدء على ذهن القارئ الغربي، فيضمن، من الصفحات الأولى، كسبه إلى جانبه، مهما ارتكب من أخطاء.

مع ذلك فإن النقطة الرئيسية تظل نقطة بعيدة عن اللمس: ما شأن عرب فلسطين بدفع ثمن مذابح ارتكبها الغرب ضد اليهود خصوصاً وأن اليهود عاشوا في المجتمع العربي على مر العصور في انفراج مستمر تقريباً؟

إن هذا السؤال على بداهته يظل بعيداً عن اللمس، وكل المحاولات التي تبذلها الرواية الصهيونية للإجابة عنه من بعيد تسقط في تناقض مهلك، وأحياناً مضحك.

ويبدو أن هذا السؤال يشغل بال ليون أوريس مؤلف «إكسودس»، فيعترف بأن «المذابح العربية ضد اليهود لم تبلغ مبلغ ما حدث في أوروبا»، لأن العرب «انشغلوا في حياكة المؤامرات ضد بعضهم بعضاً عن الاهتمام باليهود»(2).

ويُبرز ميشنر في «الينبوع» عدم وجود مذابح تركية ضد اليهود بأن ذلك «لم يحدث لأن الأتراك فضلوا اليهودي عن المسيحي، بل العكس.. فإن الأتراك - مثل الله - وجدوا أن اليهود شعب شديد المراس يصعب قمعه»(3) وأمام «مشكلة» عدم اضطهاد الإسلام لليهود في المدينة إثر الهجرة يفضل ميشنر أن يقول في التبرير «799 يهودياً في المدينة رفضوا (الدين الجديد).. ولكن تصفيتهم كلهم كانت مستحيلة.. لقد كانوا مزارعين ممتازين وكانوا لازمين للأرض، وهكذا عقدت معاهدة معهم»(4).

إن هذا الالتواء الفظ في مواجهة الحقيقة يضطر أوريس لتكريس 40 صفحة(5) في روايته لشرح تفصيلي ومبالغ فيه للمذابح الهتلرية على لسان طفلة، ليدخل عبر هذه البوابة الدامية نحو تبرير جرائم ارتكبها اليهود على بعد عشر سنوات وعشرة آلاف ميل وضد شعب لا علاقة له بألمانيا الهتلرية! والشيء ذاته يفعله ميشنر في «الينبوع».

سنجد شيئاً أكثر فظاعة من ذلك: فاليهودي بات، مثلاً، المفجوع بمقتل حبيبته سارة، ينسف دبابتين عربيتين ويضرم فيهما النار «كان متعباً، ولكنه أحسّ بجسده خفيفاً بصورة لا تصدق، استدار نحو الدبابتين: هذا من أجلك يا سارة، من أجلك»(6)، إن سارة هذه ماتت في معسكر للعمل القسري في ألمانيا الهتلرية، ويروي الحبيب المفجوع مأساته على بعد عشر سنوات من موتها، وعشرة آلاف ميل من المعسكر الذي ماتت فيه، وضد العرب، ليس ضد الألمان، ثم يجد ذلك منطقياً للغاية.

وسنستمع إلى كولونيل أميركي تطوّع للقتال مع اليهود ضد العرب دون أن يكون قد سمع بهيرتسل يقول: «لقد كنت في دانشو.. الأجسام مكوّمة هناك وما تزال كالحطب. وبعد ذلك لم أعد بحاجة إلى دروس أكثر عن أهمية وطن لليهود»(7).

إنه نوع مدهش من معادلة غير متكافئة وغير منطقية. لماذا يحدث هذا؟ لأنه «في كل مرة تنسف فيها البالماخ مستودعاً إنكليزياً، أو ترسل فيها بعض العرب إلى الجحيم، تكسب لي بذلك مزيداً من الاحترام.. أنتم، هنا، تخوضون معركتي من أجل الاحترام»(8)، إنها مسألة شديدة التعقيد، جوهرها التبرير وليس التفسير، اختراع السبب لأنه في الأصل لا يوجد سبب.

إن جوزيف، في «لصوص في الليل» يصبح إرهابياً في فلسطين لأن دينا قتلت في ألمانيا، وفجأة نجد ربطاً مضحكاً في هذه المسألة المستعصية على التفسير في «إكسودس»: «إنني لا أستطيع أن أنسى... قطع يدي رجل كعقاب للسرقة (في السعودية) ولسبب ما، أيضاً، لا أستطيع أن أنسى أولئك اليهود في بلسن»(9)، إن هذا الاصطلاح: «سبب ما» هو جوهر الموضوع. ما هو؟ قد يكون في «أن كارن، مثل كل يهودي، يجب أن تذهب إلى فلسطين، ففلسطين هي المكان الأوحد الذي يمكن لليهودي أن يعيش فيه بكرامة»(10)، ولكن هذا الرأي هو نصف المسألة، ماذا عن السكان الأصليين؟ سنسمع جواباً مذهلاً عن هذا السؤال: «هل يملك الإنكليز حق أن يكونوا في فلسطين أكثر مما يملكه أولئك الذين نجوا من سطوة هتلر؟»(11)، إننا نعود بقدرة ساحر، فوق قنطرة مزوّرة، إلى السوط الهتلري، دون أن نحصل على جواب(12).

الهوامش
  • 1 محاضرة في القاهرة - كانون الأول / ديسمبر ١٩٦١. نشرت نصوصاً منها، أيضاً، الـ«جويش أوبزرفر» (لندن) بعنوان: «صياح ضاحك».
  • 2 Leon Uris, Exodus (London: Kimber, 1959), p. 596
  • 3 James A. Michener, The Source (London: Secker and Warburg, 1966), p.740.
  • 4 Ibid., p. 516.
  • 5 Uris, op. cit., pp 69-109. من الناحية الفنية المحضة لا علاقة لهذه الصفحات بالرواية، وهي تروي بصورة لا يمكن للشخص الراوي (كارن) بحكم السن أن ترويها).
  • 6 Lester Gorn, The Greater Glory (New York: Popular Libray, 1959), pp. 236-237.
  • 7 Ted Berkman, Cast a Giant Shadow (New York: Perma Book, 1963), pp. 18-19.
  • 8 Uris, op. cit., p. 108.
  • 9 Ibid., p. 4.
  • 10 Ibid., p. 94.
  • 11 Ibid., p. 194.
  • 12 المصدر: في الأدب الصهيوني.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة