رؤية شرعية لعمارة الأرض وحماية الأمن الاقتصادي

الاقتصاد الأخضر.. وإدارة الأخطار المناخية

د. هبة جمال جاد

21 أكتوبر 2026

43

يتضمن التصميم أيدي تحمل كوكباً ينقسم بين بيئة خضراء مستدامة وأخطار مناخية وبجانبه اسم المقال والكاتبة.

الاقتصاد الأخضر.. يشهد العالم اليوم تحولات مناخية غير مسبوقة تضرب استقرار المجتمعات وتهدد عصب الاقتصاد العالمي؛ فالتغيرات المناخية لم تعد مجرد ظاهرة بيئية عابرة، بل تحولت إلى خطر داهم يهدد الأمن الغذائي، والمائي، والاقتصادي للدول والشعوب، وفي خضم هذه الأزمات، يقف الفكر الاقتصادي الحديث متطلعاً إلى حلول مستدامة كالاقتصاد الأخضر.

لكن العجيب أن جذور هذه المفاهيم المعاصرة متأصلة بعمق في الإسلام، الذي جعل من عمارة الأرض وحمايتها من الإفساد غايةً كبرى ومقصدًا أساسياً من مقاصد الاستخلاف البشري.

الاستخلاف وعمارة الأرض أساس عقدي للاقتصاد المستدام

خلق الله تعالى الإنسان ليكون خليفة في هذه الأرض، وأنيطت به مهمتان متلازمتان؛ العمارة والإصلاح، والنهي عن التخريب والإفساد؛ (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61).

فالاقتصاد الأخضر بمعناه المعاصر الذي يقوم على تقليل الأخطار البيئية، والحد من الانبعاثات، وتحقيق التنمية المستدامة دون استنزاف للموارد؛ يتقاطع كلياً مع فلسفة التنمية الرشيدة في الإسلام، حيث المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه ومسؤول عن حفظه وحفظ بيئته.

الأخطار المناخية وتأثيرها المباشر على الأمن الاقتصادي

تنعكس الكوارث المناخية والتغيرات البيئية (جفاف، وفيضانات، وتصحر، وارتفاع درجات الحرارة) بصورة مباشرة على أركان الأمن الاقتصادي لأي مجتمع، وتحديداً:

1- الأمن الغذائي: فتلف المحاصيل الزراعية ونفوق الثروة الحيوانية بسبب التغيرات المناخية المفاجئة يؤديان إلى شح المعروض وارتفاع الأسعار وحدوث مجاعات أو أزمات معيشية طاحنة.

2- استقرار الدخول وفرص العمل: تضررت القطاعات الاقتصادية المعتمدة على الطبيعة (الزراعة، والصيد، والسياحة البيئية)؛ ما يرفع معدلات البطالة ويوسع فجوة الفقر.

3- تكاليف التعافي الاقتصادي: تضطر الدول لتوجيه ميزانياتها الضخمة نحو ردم الفجوات وإصلاح البنى التحتية المدمرة جراء السيول أو الحرائق، بدلاً من توجيهها للإنتاج والاستثمار الحقيقي.

وقد حذر الله تعالى من عاقبة الإفساد في البر والبحر وتدمير مقومات الحياة والبيئة التي تنعكس بالسلب على حياة العباد؛ (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، وهو ما ينطبق تماماً على الأضرار الناتجة عن التعدي على التوازن البيئي ومصادر الحياة الأساسية.

آليات الاقتصاد الأخضر في الميزان الشرعي

يقوم الاقتصاد الأخضر على ركائز أساسية تتطابق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ المال والنفس والنسل، ومن أبرزها:

1- إحياء الأراضي ومكافحة التصحر: حث الإسلام على عمارة الأرض وإحيائها وجعل ذلك من سبل نماء الحياة والخير للجميع؛ (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ {33} وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ {34} لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) (يس).

هذه التوجيهات القرآنية السامية تمثل حجر الأساس لما يُعرف اليوم بالتشجير المستدام وسياسات امتصاص الكربون ومواجهة التصحر وعمارة الأرض. 

2- الترشيد ومنع الإسراف والتبذير: يقوم الاقتصاد التقليدي الاستهلاكي على ثقافة الوفرة والرمي والإسراف، بينما يرسخ الاقتصاد الأخضر مبدأ الاقتصاد في الاستهلاك وتدوير الموارد.

هذا يتوافق تماماً مع النهي القرآني الحكيم: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، ووصف الله تعالى عباده بقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67).

3- إدارة الأخطار وتنبؤ الأزمات: حثت الشريعة على التخطيط الاستباقي وإدارة الأخطار الاقتصادية قبل وقوع الكارثة؛ وخير دليل على ذلك التوجيه القرآني العظيم في قصة سيدنا يوسف عليه السلام حين وضع خطة اقتصادية استباقية لمواجهة سنوات الجفاف والقحط السبع: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ {47} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ) (يوسف).

هذا يماثل تماماً في فكره الإداري المعاصر: إدارة الأخطار المناخية، وبناء المخزون الإستراتيجي لمواجهة الصدمات البيئية الطارئة.

نحو رؤية متكاملة للتمويل الأخضر والتنمية المستدامة

إن حماية الأمن الاقتصادي اليوم تتطلب تفعيل الأدوات المالية لتكون في خدمة الاقتصاد الأخضر، ومن ذلك:

1- الأوقاف البيئية: تخصيص جزء من الأوقاف لغرس الغابات، وتطوير الطاقات المتجددة، وحماية مصادر المياه.

2- الزكاة كأداة أمان اجتماعي وبيئي: توجيه جزء من مصارف الزكاة لدعم المزارعين المتضررين من الكوارث المناخية المفاجئة لضمان عدم خروجهم من العملية الإنتاجية، تطبيقاً لمبدأ التكافل العام الذي أرساه قوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 19).

3- الاستثمار المسؤول وصناديق التمويل الأخضر: توجيه الاستثمارات نحو المشاريع النظيفة التي لا تضر بالبيئة، وتجنب المشاريع الصناعية الملوثة ذات البصمة الكربونية المدمرة، التزاماً بالهدي القرآني في حفظ النظام الكوني وعدم الإفساد فيه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة