كيف يحدث الانحدار الثقافي؟

الانحدار الثقافي

لا يحدث الانحدار الثقافي بين ليلة وضحاها، ولا تسقط أمة من علياء نهضتها إلى حضيض التبعية بفعل حدث عابر أو خطأ منفرد، فالانحدار الثقافي، في جوهره، ليس كارثة تقع فجأة، بل عملية تراكمية بطيئة، أشبه ما تكون بتآكل الصخر تحت وطأة قطرات الماء، فرغم كون أثره غير ملحوظ في بدايته، فإن مرور الأيام لا يزيد النحت في الصخر إلا عمقًا حتى يستيقظ الناس وقد تقوضت أركان ثقافتها، بعد أن صارت خِلوًا من المعنى والمضمون.

الانحدار الثقافي للغة العربية

يبدأ انحدار الثقافة ممن خولناه الذود عن حصونها فإذا به أول من يقود العدو لثغرات هذه الحصون، ونعني بهؤلاء الكتَّاب والمثقفين والعلماء، ونقصد بالعدو الأساليب الركيكة، والألفاظ الهزيلة، والانحطاط في التعبير نزولًا على رغبة الجماهير العريضة، وسعيًا في إرضاء أكبر شريحة ممكنة من القراء بدلًا من الارتقاء بهم.

صرنا نرى مؤلفات كاملة تُكتب بالعامية بدعوى أن الفصحى صعبة، وهي دعوى لا حجة عليها ولا برهان، وإنما هو إغواء الأرقام والمبيعات اللذين هبطا باللغة العربية من جنة الفصاحة اللغوية، والبلاغة الأدبية، والروعة الشعرية إلى أرض جرداء من كل ذلك.

وإننا لنرى امتداد ذلك على كافة المستويات لا اللغوية فحسب، فنرى الافتقار للدقة العلمية بدعوى تبسيط العلوم وجعلها مرضية لجميع الأذواق، مناسبة لكافة الشرائح، حتى صار المجتمع بأكمله يُخاطب وكأنه طفل في الخامسة من عمره، ونفس هذا الطفل من أجيال غير بعيدة ربما ألفيته يحفظ من القرآن ما لا يحفظه اليوم من يؤم الناس، وما صرنا لذلك إلا حينما جعلنا إرضاء الناس مقدمًا على العلم!

انحدار اللغة وصل لمقاعد الاحتياط

اللغة ليست وعاءً محايدًا للمعنى، بل هي الأداة التي يفكر بها الإنسان قبل أن يعبّر بها، ومن أخطر علامات الانحدار الثقافي أن تتحول اللغة من أداة للتحليل والتمييز إلى أداة للاستهلاك السريع والإثارة العابرة.

حين تُختزل اللغة إلى شعارات براقة وعناوين جذابة لا يتجاوز قدر حضورها في ذاكرة المتلقي أصابع اليد عدًا، فلا شك أن داء الاضمحلال الثقافي الناتج عن الجهل اللغوي سيصيب المجتمع لا محالة.

كيف يمكن للناس أن يعبروا عن أفكار عظيمة دون أن يحوزوا القدرة على التعبير عنها، بل وأن تصير أفكارهم عظيمة دون أن يتعرضوا هم لتراث العظماء، ومحال أن يتعرضوا له وبينه وبينهم حجاب من فارق المستوى اللغوي يحول بينهم وبين الاستفادة مما كتبه العظماء من الأجيال الماضية، ونحن بهذا نفوت على أنفسنا فرصة عظيمة من النهل من معين معارفهم وما يتبع ذلك من تفويت فرصة البناء عليها، فكل أمة تبني على تراث سابقتها، فاللاحق يرث من السابق علمه وفنه ومناهج بحثه وطرق استقرائه، وإلا لضاع عمره في الوصول إلى النقطة التي انتهى عنده غيره بالفعل.

غير أن الإتيان بقبس من علم الأولين بات اليوم أمرًا هو للمحال أقرب منه للإمكان؛ فالمتأمل في أحوال الناس اليوم لا يراهم قادرين على مستوى من اللغة أعلى من ذلك الذي يستهلكونه على مواقع التواصل الاجتماعي سواء كان هذا قراءة أم تعبيرًا.

ونادرًا ما تجد رواية أو كتابًا يصدران اليوم ولغتهما بمستوى أعلى من ذلك، وللأسف فإن داء الضحالة اللغوية قد استشرى إلى الترجمات كذلك، فبعد أن كنا نقرأ للمنفلوطي، ومحمد لطفي جمعة، وحلمي مراد نصوصًا هي في عربيتها أجمل من النص في لغته الأم؛ صرنا اليوم نحتاج للنص الأصلي حتى نفهم ذلك المكتوب بالعربية!

الانحدار الثقافي ليس قدرا حتميا

حين تنسحب الثقافة الرصينة من الفضاء العام، لا يبقى هذا الفضاء فارغًا، بل يُملأ بسرعة بأشكال أخرى من الإنتاج، أكثر بساطة وأسرع انتشارًا، حتى يصبح الترفيه بديلًا عن التعلم، والاستهلاك السريع بديلًا عن المعرفة المتأنية، كله تحت مسمى إذا كان يمكنك مشاهدة حلقة عن هذا الموضوع فلماذا تحتاج إلى كتاب يناقشه! ربما يكون هذا أمرًا مفهومًا في موضوعات يريد الإنسان مجرد الوقوف على ظواهرها دون الغوص في أعماقها ومحاولة سبر أغوارها، بيد أن المُشاهَد اليوم أن هذه باتت طريقة التعلم اليوم، وأن الكتاب أضحى موضة قديمة.

ولا ينبغي فهم هذا التحول بوصفه مجرد تغيّر في الأذواق، بل بوصفه إعادة تشكيل لبنية ثقافة المجتمع نفسه، فحين يعتاد العقل الجماعي على جرعات متقطعة من التحفيز اللحظي، يفقد تدريجيًا القدرة على الانخراط في أي عملية معرفية تتطلب صبرًا، وهو ما يجعله عرضة لكل خطاب مبسّط يعده بإجابات سريعة عن أسئلة معقدة، فلو كان الانحدار الثقافي قدرًا حتميًا، لما كان لأي محاولة إصلاح معنى.

لكن الحقيقة أن كل واحدة من هذه الآليات نتاج قرارات متكررة، فردية وجماعية، يمكن عكس اتجاهها متى أُدرك منطقها، ويبدأ الإصلاح من استعادة اللغة، ومن إعادة بناء المؤسسات الناقلة للمعرفة، للارتقاء بالقراء، والدمج بين التقليدي والمعاصر لتوفير أفضل تجربة تعليمية ممكنة، لا التضحية بواحدة على حساب الأخرى بدعوى التقدم أو الأسوأ من ذلك بدعوى التسلية.

ولنعلم أن الارتقاء الثقافي كالانحدار، من جهة أن كليهما، ليس حدثًا مفاجئًا بل مسارًا مخططًا، وأن الوصول لنهاية المسار لا يتم إلا بأن نسير أول خطواتنا عليه حتى لو أكمل السير عليه من تلانا من الأجيال.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة