الشيخ إبراهيم حمروش.. شيخ الأزهر ورحلته في رحاب العربية

الشيخ إبراهيم حمروش.. شيخ الأزهر ورحلته في رحاب العربية

لم يكن الإمام الأكبر الشيخ إبراهيم حمروش –رحمه الله– عالمًا أزهريًّا جمع بين التدريس والقضاء والإدارة فحسب، بل كان واحدًا من العلماء الذين جعلوا اللغة العربية ميدانًا من ميادين البحث والتجديد، وآمنوا بأن قوة العربية لا تكون بإقصاء تراثها أو التضييق على مفرداتها، وإنما بفهم سنن نموها، واستقراء طرائق العرب في التعبير والاشتقاق والتوليد.

وقد تكشف آثاره اللغوية والبحوث التي قدمها إلى مجمع اللغة العربية عن عقل علمي يجمع بين المحافظة على أصول العربية والانفتاح على حاجاتها المتجددة؛ فتناول التضمين ونيابة الحروف، والاشتقاق الكبير، والنحت، وكتابة الألفاظ الأجنبية، كما شارك في النقاشات التي دارت حول تيسير العربية ورسم المصحف، مستندًا في آرائه إلى شواهد اللغة ونصوص علمائها وإلى ما يقتضيه واقع الاستعمال، كما سنبين في هذا المقال.

ولم تكن عناية الشيخ باللغة منفصلة عن تكوينه الأزهري ومسيرته العلمية؛ فقد تلقى العلم على أيدي كبار علماء عصره، وكان من أبرز شيوخه الإمام محمد عبده، ثم امتدت آثاره العلمية إلى أجيال من العلماء الذين تخرجوا عليه، وفي مقدمتهم الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي شهد لشيخه بغزارة العلم وتنوع الفائدة.

ومن هنا تبدو سيرة الشيخ إبراهيم حمروش أكثر من ترجمة لعالم أزهري تولى مناصب علمية رفيعة؛ إنها سيرة عالم عاش قضايا العربية في زمن كانت فيه اللغة تواجه أسئلة التجديد والتيسير والمحافظة على أصولها، وترك في هذه القضايا بحوثًا ومواقف تكشف عن رؤيته للغة بوصفها كيانًا حيًّا قادرًا على النمو، دون أن يفقد صلته بأصوله.

من القرية إلى رحاب الأزهر

ولد شيخنا في قرية الخوالد التابعة لمركز إيتاي البارود من أعمال مديرية البحيرة في العشرين من شهر ربيع الأول عام 1297هـ الموافق الأول من مارس عام 1880م.

نشأ في قريته التي ولد فيها، والتحق بكُتاب القرية فحفظ القرآن الكريم كاملا في الثانية عشرة من عمره أرسله والده إلى الأزهر الشريف فالتحق به، وكان الشيخ –رحمه الله- حينئذ من طليعة الشباب الذين تم تطبيق القانون الجديد للتعلم الأزهري عليهم.

فقد ذكر الأستاذ الشيخ محمد عبد الله دراز –رحمه الله- أن قانون الجامع الأزهر الجديد صدر في العشرين من المحرم سنة 1314هـ -أول يوليو سنة 1896م، وقد أصدره الخديوي عباس بطلب من الشيخ محمد عبده –رحمه الله-، وقد جاء في هذا القانون أن بعض العلوم الرياضية كالحساب والجبر تعد موادَّ إجبارية (مادة 17)، وبعض العلوم كالهندسة والجغرافيا والتاريخ تعد اختيارية، ويكون بها الترجيح والإيثار (مادة 18).

شيوخه.. جذور راسخة

من شيوخه الذين تلقى عليهم العلم في الأزهر الشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ أحمد أبو خطوة، وقد تعلق بهذا الشيخ وأحبه حتى سمَّى ابنه أحمد أبو خطوة بن إبراهيم حمروش، ومنهم أيضًا الشيخ علي الصالحي المالكي، والشيخ الإمام محمد عبده الذي لزمه وأخذ عنه أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، والبصائر النصيرية في المنطق، وهذا الكتاب الأخير من تأليف القاضي زين الدين عمر بن سهلان الساوي، وكان الإمام محمد عبده كتب عليه تعليقات وتحقيقات، وقررت إدارة الأزهر بتاريخ الخامس من رجب 1316ه الموافق التاسع عشر من نوفمبر 1898م تدريس هذا الكتاب بتعاليقه في الجامع الأزهر.

تلاميذه.. علم امتد إلى أجيال

من أنجب تلاميذه الذين انتشر ذكرهم وعم النفع بعلمهم فضيلة الشيخ حسن مأمون الذي تولى مشيخة الأزهر الشريف، وفضيلة الشيخ علام نصار وفضيلة الشيخ حسنين مخلوف اللذان توليا منصب مفتي الديار المصرية، وفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي يقول عن شيخه: "أما الشيخ إبراهيم حمروش فقد أثر في حياتي تأثيرًا لم يكن لأحد مثله، فهذا الرجل لا تدخل عليه تطلب أمرًا ما إلا وتخرج منه بفائدة نادرة، أو حكمة، أو معلومة عامة، أو طرفة علمية، أو غير ذلك من الأمور النافعة، وكان غزير العلم باللغة وغيرها".

الشيخ إبراهيم حمروش في جماعة كبار العلماء

تُوجت حياة الشيخ العلمية باختياره عضوا في جماعة كبار العلماء في الثامن والعشرين من صفر سنة 1353هـ - الموافق العاشر من يونية سنة 1934م، وقد قدم لنيل هذه الدرجة رسالة جليلة تحمل عنوان: "عوامل نمو اللغة"، يقول في مقدمتها: "وبعد.. فاللغة العربية بفضل عواملها المتعددة رحب صدرها واتَّسع نطاقها، وكثرت مادتها، وتنوعت أبنيتها، وصار لها جمال المنطق وجلال الدلالة وحسن الديباجة، وقد وسعت بتلك العوامل علوم اليونان والفرس وغيرهما؛ وصارت لغة العلم والدين... وقد كتبت كلمة في التوليد بالزيادة والإبدال والقلب والاشتقاق والترادف والاشتراك والمجاز والنحت والارتجال والتعريب".

في رحاب مجمع اللغة العربية

في العام الذي دخل فيه الشيخ جماعة كبار العلماء نال عضوية مجمع اللغة العربية؛ ففي 16 من جمادى الآخرة سنة 1352ه الموافق 6 من أكتوبر 1934م صدر مرسوم ملكي بتعيين عشرين عضوًا في مجمع اللغة العربية، كان منهم الأستاذ الشيخ إبراهيم حمروش.

آثاره العلمية

1- التضمين ونيابة بعض الحروف عن بعض: بحث منشور في محاضر جلسات دور الانعقاد الأول لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، يقع في خمس صفحات. وهو عبارة عن نصوص نقلها الشيخ من حاشية الخضري على ابن عقيل، وحاشية الصبَّان على الأشموني، وتقرير الأنبابي على حاشية الأمير، ونصين من مغني اللبيب لابن هشام؛ أحدهما من الجزء الأول، والنص الثاني من الجزء الثاني، ثم نص من الرسالة البيانية للأنبابي، ثم ختم هذه النصوص برأيه في التضمين قائلا: "ونرجح على هذا القول بقياسية التضمين".

2- الرد على مقترحات الأستاذ أحمد أمين -رحمه الله– بشأن تيسير العربية: في الجلسة السابعة لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته العاشرة المنعقدة بتاريخ 3/ 2 / 1363هـ، الموافق 29 / 1 / 1944م؛ حيث ألقى الأستاذ أحمد أمين بحثًا بعنوان: "اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة"، ذكر فيه أن من مشكلات اللغة العربية التي تعوق رسالتها اتساعها أكثر من اللازم في مواطن، وضيقها أكثر من اللازم في مواطن أخرى؛ لذلك اقترح لحل هذا ما يأتي:

أ– التخفف من كثير من مفردات اللغة -إلا من المعجمات التاريخية- كالكلمات الحوشية التي يمجها الذوق ويكرهها الذوق، واستبعاد المترادفات التي لا حاجة لها، وحذف الأضداد والقضاء عليها.

ب– فتح باب الاجتهاد في اللغة لتوسيع الضيق عن طريق التعريب والاشتقاق والقياس.

جـ– إعادة النظر في باب المذكر والمؤنث، ووضع بعض القواعد العامة كجواز تأنيث كل مؤنث بإلحاق تاء التأنيث، وكل ما لم يرد فيه نص فالأنثى فيه بالهاء، وكل ما ليس مؤنثًا حقيقيًّا إذا لم تكن فيه علامة التأنيث يجوز تذكيره وتأنيثه كالبئر.

وقد رد الأستاذ الشيخ إبراهيم حمروش على هذا المقترح في بحث في ست صفحات نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة الجزء السادس على الصفحات من 103 – 108، كما نشر في محاضر جلسات المجمع الدورة العاشرة، حيث ألقاه الشيخ على المجمعيين في الجلسة الرابعة عشرة للمؤتمر في دورته العاشرة المنعقدة بتاريخ 12 صفر 1363هـ - 16 فبراير 1944م، ونُشر أيضًا في محاضر جلسات هذه الدورة في الصفحات من 385 – 392.

وقد وافق الشيخ حمروش الأستاذ أحمد أمين على حذف الكلمات الحوشية والاقتصار على كتابتها في المعاجم التاريخية فقط، كما وافقه على التوسع في اللغة بصوغ مزيدات الأفعال الثلاثية التي لم يسمع لها مزيدات متى روعيت القواعد الصرفية، واستقام المعنى، وأن نقيس ما لم يُسمع من المصادر على ما سُمع؛ فنقيس البِرادة والنِّقاشة على الخِياطة والحِياكة وغير ذلك، ولم يقتصر في التأييد بذكر رأيه بل دعمه بما ذكره ابن جني في الخصائص في باب "أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب"، إلا أنه اعترض عليه في بقية ما قدّم ودعم رده بالأدلة الملموسة من لغة العرب، ومن الواقع اللغوي قديمًا وحديثًا، فقال –مثلا- في شأن حذف المترادفات وبعض أمثلة المشترك والتضاد: "أما إماتة بعض المترادفات الكثيرة فإننا لا نوافق عليها لأن المترادفات جرت في الأدب منظومه ومنثوره، وسارت في الأدب القديم والحديث، فلو اقتصرنا على بعض المترادفات لوقع مَن بعدنا في حيرة ..".

3- رسم المصحف بين المأثور وقواعد الكتابة: في الجلسة الثالثة عشرة من الدورة السادسة المنعقدة يوم 25 يناير 1950م ألقى الشيخ –رحمه الله- بحثًا بعنوان: "رسم المصحف" بدأه بذكر أساس من أسس الخط هو: "الأصل في هذا الخط أن يكون تصويرًا للملفوظ بحروف هجائه بحيث يطابق المكتوب"، ثم ذكر أن علماء الرسم مزقوا هذا الأصل بكثرة الاستثناءات في الحروف، ولا سيما الهمزة.

ثم ذكر بعض ظواهر الرسم المصحفي كزيادة الياء في (نبأ، ووراء)، وحذف الألف في المثنى المرفوع، وحذف ألف التثنية في المضارع المرفوع، وكتابة بعض تاءات التأنيث المربوطة بالتاء المفتوحة.

وعلل ذلك بأن كتبة الوحي من الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا على حظ واحد من معرفة علم الرسم، فكتب كل واحد منهم على وفق ما يعلم.

ثم تعرض لذكر بعض الآراء الفقهية في حكم كتابة القرآن الكريم بالرسم الإملائي كرأي الباقلاني الذي روي عنه أنه قال: "ومن ادعى أن المصحف يكتب برسم مخصوص فهو مطالب بالدليل"، ورأي الإمام مالك الذي أفتى ببقاء الرسم على كتابته الأولى، فلما رجع إليه السائلون أفتى بجواز التغيير في كتابة السور لتعليم الأطفال، ورأي العز بن عبد السلام الذي يرى أن كتابة المصحف على خلاف الرسم المقرر موقعة في التشكيك.

ثم ذكر أنه في سنة 1937م قُدم إلى لجنة الفتوى بالأزهر اقتراح خاص بطبع المصحف على أساس الرسم الكتابي العادي المتبع الآن، فأفتت اللجنة بأنها ترى لزوم الوقوف عند المأثور من كتابة المصحف وهجائه.

4- طريقة كتابة الألفاظ الأجنبية بحروف عربية: وهو بحث قدمه لمؤتمر مجمع اللغة العربية في دورته الثالثة، ففي الجلسة التاسعة والعشرين المنعقدة بتاريخ السبت 18 من ذي القعدة 1354هـ الموافق 22 من فبراير 1936م، بدأ الدكتور محمد توفيق رفعت الجلسة بقوله: "وزع على حضراتكم بحث في طريقة كتابة الألفاظ الأجنبية للأستاذ الشيخ إبراهيم حمروش، فنبحث الليلة في هذا الموضوع لنفرغ منه قبل انتهاء الدورة".

5- في الاشتقاق الكبير: وهو بحث منشور في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة الجزء الثاني، يقع في إحدى عشرة صفحة، بدأه الشيخ بالحديث عن أنواع النظر في اللغة، وذكر أنه نوعان: نوع قد يكون لمعرفة المعاني الحقيقية والمجازية للألفاظ، وذكر أن هذا النوع لا يتجاوز إلى معرفة ما بين المعاني المتعددة من جهات جامعة ومعان عامة مشتركة، كما ذكر أن هذا النوع لا يؤدي إلى استنباط القواعد، واستخراج الضوابط، وغايته معرفة معان متفرقة لا يهتدى إلى صلة بينها، ولا يعرف ما فيه من معان مشترك تجمع متعددها، والنوع الآخر يكون لمعرفة الجهات الجامعة، والمعاني العامة التي تظهر بها المعاني المتعددة فصائل مختلفة وفرقًا كثيرة يجمع كل فرقة معنى عام ترجع أفرادها إليه وتشترك فيه، وبه تمتاز الفرقة من غيرها.

ثم ذكر أن هذا النوع الأخير هو نظر الاشتقاقيين الذي مكنهم من رد الكلمات التي اشتركت في معنى واحد بعضها إلى بعض بالقلب والإبدال، وأطلعهم على سر تَوَلُّد اللغة ونموها.

6- النحت، بحث قدَّمه إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

من التدريس إلى مشيخة الأزهر.. مسيرة حافلة بالعطاء

عقب اجتياز الشيخ إبراهيم حمروش لاختبار العالِمية عين مدرسًا في الأزهر الشريف في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1906م.

وفي عام 1908م تم اختياره مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي، ودرَّس فيها الفقه وأصوله وظل بها حتى الثاني عشر من شهر يونيو عام 1916م.

وبعدها عُين قاضيًا في المحاكم الشرعية وظل يرقى في مناصبها حتى عام 1928م حيث اُختير شيخًا لمعهد أسيوط الديني، وبعدها بشهور اُختير شيخًا لمعهد الزقازيق الأزهري.

وفي عام 1931م تم اختياره شيخًا لكلية اللغة العربية عند نشأتها وظل عميدًا للكلية حتى عام 1944م حيث نقل شيخًا لكلية الشريعة، واستقال من هذا المنصب في عام 1946م.

في سنة 1950م عُين رئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر، وفي عام 1951م عُين شيخًا للأزهر الشريف، وتم إعفاؤه من هذا المنصب بعد أن بقي فيه ستة أشهر وثلاثة أيام، وقبل أن يتم العام في العاشر من فبراير 1952م.

رحل الشيخ وبقي الأثر

لبَّى الشيخ إبراهيم حمروش نداء ربه بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والكفاح الوطني، وبعد مواقف مأثورة في محاربة البدع والأباطيل، وجهود مثمرة في تنظيم المعاهد والكليات الأزهرية. وذلك في يوم السادس والعشرين من جمادى الأولى 1380هـ، الموافق الخامس عشر من نوفمبر 1960م.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة