السنن الإلهية في الدعوة إلى الله (4)
شياطين الدعوة!
شياطين الدعوة..
ليست الدعوة إلى
الله طريقًا مفروشًا بالورود، ولا مسارًا تمضي فيه الحقائق حتى تبلغ غاياتها دون
مقاومة؛ إنها طريق تتجاذبه قوى الهداية والإضلال، ويتدافع فيه الحق والباطل،
وتُختبر فيه بصيرة الداعية قبل حماسته، وثباته قبل اندفاعه، وإخلاصه قبل أثره.
ومن السنن
القرآنية التي ينبغي ألا يغفل عنها السالكون أن هذا الطريق لا يخلو من عداوة
الشياطين، وأن الغفلة عنها قد تجعل الداعية ينشغل بمعارك لا تعنيه، أو ينحرف عن
غايته وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
يضع القرآن هذه
السُّنة في عبارة جامعة، فيقول سبحانه: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ
وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) (الأنعام:
112): إنها ليست حكاية عن ماضٍ انقضى، وإنما بيان لطبيعة الطريق الذي تسلكه
الرسالات؛ فما من دعوة تحمل الإنسان من الظلمات إلى النور إلا وتواجه من يحاول
إطفاء نورها، أو تشويه حقيقتها، أو تعطيل أثرها، أو تحويل مسارها عن الغاية التي
جاءت من أجلها.
عدو يقعد على الطريق
يعلن الشيطان مشروعه منذ بداية الخصومة مع الإنسان: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ
الْمُسْتَقِيمَ) (الأعراف: 16): إنه لا يكتفي بالوقوف عند أبواب الضلال، بل
يقعد على الصراط المستقيم؛ لأن إفساد الطريق المؤدي إلى الغاية أبلغ أثرًا من مجرد
الدعوة إلى طريق آخر، فقد لا يستطيع العدو أن يمنع الداعية من السير، لكنه يحاول
أن يغير اتجاهه، أو يبدد طاقته، أو يفسد قصده، أو يشغله بما لا يخدم رسالته.
وهنا قاعدة
ينبغي أن تستقر في وعي كل داعية؛ حذَّرك ربك من عدوك قبل انطلاقك، فلا تجعل
التحذير معلومة تحفظها، بل بصيرةً تُنزلها على خطواتك، فليس كافيًا أن تعرف أن
الطريق محفوف بالعقبات؛ بل عليك أن تتأهب لها علمًا وإيمانًا وخطةً وعملًا.
إذا لم تعدّ
للطريق عدته، فلا تلومنَّ أحدًا حين يحكم العدو قبضته على منافذه، وإذا سلكت درب
الدعوة بلا إعداد، فقد عرّضت نفسك ومشروعك ومن ائتمنوك على الرسالة لأخطار كان
يمكن تقليلها بالعلم والتخطيط وحسن التقدير، فالتوكل ليس بديلًا من الاستعداد،
والاستعانة بالله لا تعني إهمال الأسباب؛ بل تجمع بين صدق الافتقار إليه وإحكام
العمل بما أتاح من أسباب
ولهذا لا يكفي
أن يعرف الداعية أن له عدوًّا؛ بل عليه أن يتعلم كيف يتعرف إلى أساليب العداوة،
ويميز بين العقبة التي ينبغي تجاوزها، والفتنة التي ينبغي اجتنابها، والخلاف الذي
يُدار بالحكمة، والانحراف الذي يجب أن يُصحَّح، فالبصيرة ليست أن ترى العدو فحسب،
بل أن تعرف أين يريد أن يأخذك.
شياطين الإنس والجن
يذكر القرآن أن
شياطين الإنس والجن (يُوحِي
بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) (الأنعام: 112)،
والزخرف هو الكلام الذي يُحسَّن ويُزيَّن حتى يبدو مقبولًا، وإن كان يحمل في باطنه
تضليلًا أو إفسادًا، والخطر هنا لا يكمن في الباطل حين يظهر قبيحًا، بل حين يلبس
ثوب الحق، ويستعير لغته، ويستعمل شعاراته ليقود الناس إلى نقيضه.
وشياطين الإنس
ليسوا صورة واحدة؛ فقد يظهر أثرهم في خطاب إعلامي مضلل، أو دعاية سياسية، أو مشروع
فكري يزيّف الحقائق، أو ممارسة اجتماعية تفسد الفطرة، أو خطاب ديني يوظف المقدس
لخدمة الهوى، وقد يظهر الخلل داخل المؤسسات الدعوية نفسها حين يتسلل إليها حب
الشهرة، أو التعصب، أو التنافس على النفوذ، أو تبرير الخطأ حمايةً للأشخاص
والجماعات.
مشروع الشيطان واضح
لم يخفِ الشيطان
غايته، فقد قال: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ {82} إِلَّا
عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص)، ثم كشف القرآن جملة من وسائله، فقال: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) (النساء: 119)، فالإضلال والتمنية من أدواته؛ يضلل
الإنسان عن الحق، ويعلقه بأماني كاذبة، ويمنحه شعورًا زائفًا بأنه على الطريق وهو
يبتعد عنه.
ومن أخطر هذه
الوسائل التسويف؛ أن يؤجل الإنسان واجبه حتى يفوته، وأن يستبدل الإعداد بالأمنيات،
والعمل بالحديث عن العمل، ومراجعة النفس بتتبع أخطاء الآخرين، ومنها التزيين؛ أن
يُعرض الانحراف في صورة بطولة، والظلم في صورة قوة، والرياء في صورة خدمة للدعوة،
والتنازع في صورة غيرة على الحق.
ويحذر القرآن من
مآل الاستحواذ الغافل، فيقول: (اسْتَحْوَذَ
عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ
الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المجادلة: 19)،
فالخطر لا يبدأ بالضرورة بانقلاب معلن على الحق؛ قد يبدأ بنسيان الغاية، ثم اعتياد
التنازل، ثم تبرير الانحراف، حتى يصبح ما كان المرء يقاومه جزءًا من طريقته في
العمل.
كيف يتحصن الداعية؟
أول التحصين
إخلاص القصد لله؛ لأن القرآن استثنى من إغواء الشيطان عباده المخلصين، وثانيه
العلم والبصيرة، فلا تسير الدعوة بردود الفعل، ولا تُبنى المواقف على الظنون
والشائعات، وثالثه لزوم الطاعة والاستعانة بالله؛ قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) (فاطر: 6)، والأمر هنا لا يقف عند معرفة العداوة،
بل يقتضي موقفًا عمليًّا من أسباب الإضلال وطرائقه.
ويحتاج الداعية
كذلك إلى محاسبة دائمة لنفسه ومشروعه: هل لا يزال هدفنا هداية الناس أم غلبتنا
الرغبة في الانتصار لأنفسنا؟ هل توسع عملنا في بناء الإنسان أم استهلكتنا
الخصومات؟ هل نزن الوسائل بميزان الشرع أم نبرر كل وسيلة باسم الغاية؟
وهل نحمي الناس
من التضليل دون أن نظلم المخالف أو نتهمه بغير بيّنة؟ فالداعية الذي يرى التحديات
ولا يستعد لها قد يفاجأ بعواقبها، والذي يبالغ في تقديرها حتى ينشغل بها عن رسالته
قد يمنحها من وقته وطاقته أكثر مما تستحق.
حراسة الطريق
إن قانون شياطين
الدعوة يعلّمنا أن الطريق إلى الله يحتاج إلى عبادة وبصيرة، وإخلاص وحذر، وثبات
ومراجعة، فالعداوة سُنة، لكن الهزيمة ليست قدرًا لازمًا؛ والوسوسة قائمة، لكن
الاستجابة لها ليست حتمية؛ والتضليل متجدد، لكن القرآن يمنحنا من الهدى ما نميز به
الحق من زخرف القول.
فإذا عرفت أن
العدو قد قعد لك بالطريق، فاستعد قبل أن تصل إلى موضع الكمين؛ وإذا رأيت زخرف
القول يلبس ثوب الحق، فزن الكلام بميزان الوحي؛ وإذا اشتد عليك التدافع، فلا تجعل
الخصومة تسرق منك غايتك، ولا تجعل العداوة مبررًا لظلم المخالف، وما أحوج الداعية
إلى أن يحرس قلبه من الرياء، وعقله من التضليل، ولسانه من الظلم، ومشروعه من
الانحراف، وجماعته من التنازع! فليس النجاح أن نكشف كيد الشياطين فحسب، بل أن نحفظ
وجهتنا، ونستعين بالله، ونأخذ بالأسباب، ونواصل العمل على هدى وبصيرة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً