خيام الشهوات في رمضان!

هي خيام الشهوات والمحرمات، والذنوب والمعاصي، تحت لافتات براقة ترفع شعار «الخيام الرمضانية»، وهي أبعد ما تكون عن شهر رمضان، بل هي مفسدة عظيمة لشهر الصوم والقرآن.

يقام هذا النوع من الخيام السنوية، تحديداً خلال شهر رمضان فقط، دون غيره من الشهور؛ بدعوى إحياء الشهر الكريم، وإدخال الفرحة على قلوب الناس، باللغو واللهو، والغناء والطرب، وتقديم ما لذّ وطاب من صنوف الطعام، بصحبة رائحة الدخان وأصوات كركرة النرجيلة (الشيشة)!

جذور فاطمية

تعود جذور الخيام الرمضانية إلى العصر الفاطمي، في القرن العاشر الميلادي، حيث كانت تنصب السرادقات في شوارع وأحياء مصر؛ لإقامة دروس العلم وحلقات الذكر والشعر والإنشاد الديني، ثم انتقلت لتصبح جزءاً من تراث رمضان في بلاد الشام، ودول الخليج، كمراكز ترفيهية تقدم خدمات الإفطار والسحور، إضافة إلى فقرات فولكلورية وفنية وترفيهية أخرى.

يقول المؤرخون: إن تلك الخيام كانت مقصداً للمصلين والصائمين لإحياء الشهر الكريم بعد صلاة التراويح، وحتى صلاة الفجر، لكن هذا النشاط توارى كثيراً، وحاد منظمو تلك الخيام عن طريق السابقين، لتحل حديثاً الخيام الرمضانية، التي تقدم الترفيه والغناء والاختلاط والإباحية.

التطور اللافت في تلك الخيام، كان انتقالها من ساحات التصوف والذكر، لتتحول في الفنادق والنوادي والحدائق والبواخر العائمة، إلى ليال ترفيهية وفنية وغنائية طوال الليل، لتحجب روحانيات الشهر الفضيل، الذي تصفد فيه الشياطين ومردة الجن، لكن شياطين الإنس كان لهم رأي آخر!

خيام 5 نجوم

التنافس في شهر رمضان المعظم في الطاعات والخيرات، يقابله على الجانب الآخر تنافس من نوع آخر، في مضمار اللهو والرذيلة، بعدما انضمت فنادق خمس نجوم إلى السباق بعروض ترفيهية وغنائية لاجتذاب الزوار، إضافة إلى مبالغات في الزينة والخدمات المقدمة، بمبالغ كبيرة، ليخرج الشهر الفضيل عن مساره وهدفه ومبتغاه.

يقول أمين صندوق غرفة المنشآت والمطاعم السياحية في مصر هشام وهبة، في تصريح صحفي: إن 70% من فنادق مصر تبنت هذا النشاط، وإن نشاط الخيام الرمضانية شهد زيادة بنسبة لا تقل عن 50% خلال عام 2025، مقارنة بعام 2024م، وأن الفعاليات الرمضانية أصبحت جزءاً أساسياً من التجربة السياحية في الشهر الكريم.

تقدم كذلك عواصم خليجية خلال رمضان باقة من خيام الإفطار التي تجمع بين النكهات التقليدية وفنون الطهي العالمية، مصحوبة بعروض مغرية للإفطار والسحور، وقوائم طعام عربية وعالمية، وأطباق مميزة للأطفال والكبار.

في خيام الـ5 نجوم، تقدم وجبات الإفطار والسحور بنظام «الأوبن بوفيه» (البوفيه المفتوح)، حيث تقدم قوائم الطعام متنوعة ما بين المطبخ المصري واللبناني والسوري والخليجي، وبأسعار تصل إلى 5 آلاف جنيه (قرابة 100 دولار) لوجبة الإفطار، أما وجبة السحور، فيصل سعرها إلى ما يزيد على 2500 جنيه (نحو 50 دولاراً).

إسراف وتبذير

يجري هذا الإسراف والتبذير، دون إدراك لقيمة ومغزى الصيام، وإحساس الصائم بحاجة الفقير والمحتاج والمسكين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، يقول المفسرون: إن من جملة مسائل التقوى التي يحض عليها الصيام أن يشعر الغني بحال الفقير، وكيف يعاني الجوع، فيدعوه ذلك إلى الإحسان إليه.

تلتقي العائلات والأصدقاء داخل أروقة الخيام الرمضانية؛ للاحتفال بالأيام المباركة، وسط أجواء تغذيها شهوات البطن والعين والأذن والفرج، وغيرها من الجوارح التي تسهر إلى طلوع الفجر، تستمتع بأجواء رمضان بعيداً عن سجادة الصلاة، وقيام الليل، ومسبحة الاستغفار، وآي الذكر الحكيم.

يقول العلَّامة الراحل ابن عثيمين: إن حكم هذه الخيام الرمضانية هو بحسب ما يكون فيها من أعمال، فإذا أقيمت هذه الخيام من أجل إطعام الناس –تفطيرهم وتسحيرهم– فهو عمل طيب، وجهد مشكور، فإذا أضيف إلى ذلك دروس علمية وكلمات توجيهية في أحكام الصيام وآدابه كان ذلك أفضل وأكثر أجرًا، أما إذا كان في هذه الخيام أغانٍ ومعازف أو اختلاط وتبرج وسفور، فلا يجوز المشاركة فيها، بل يجب إنكارها قدر الوسع والطاقة.

وتؤكد دار الإفتاء المصرية، في فتواها المنشورة عبر موقعها الرسمي، أن هذه الخيم الرمضانية يتحدد حُكمها تبعًا لما يُقام فيها؛ فإن اشتملت على ما ينفعُ الناسَ ويعودُ عليهم بالخيرِ والفائدةِ، أو كان فيها تعاونٌ على البِرِّ والتَّقوى، فهي حلالٌ ولا بأسَ بها، أما إِن عَجَّتْ بالمفاسد والمنكراتِ والتَّبَرُّج والاختلاط المثير للغرائز فهي حرامٌ.

وقفة جادة ونحن نستقبل أول أيام شهر الصوم، ونفس لوامة تسأل صاحبها: ألا يستحق الشهر الفضيل استئصال تلك الخيام التي تضيع شهر رمضان في اتباع الهوى وفعل المنكر، وقيام مكانها خيام للذكر والتقوى؛ لاستجلاب رحمات الله علينا، حتى نصدق في الدعاء: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا». 



اقرأ أيضاً:

رمضان.. كيف نبدأ؟

تجليات صوم رمضان إيماناً واحتساباً

تحدي «توك توك صائم».. ترفيه يضيع هيبة العبادات

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة