هل يمكن أن نستعيد هويتنا في عصر الضجيج الرقمي؟

شاب_يحمل_مصحفاً_وسط_الضجيج_الرقمي

سرعة الحدث، وتناقض الأحداث، وتسارع الوقائع، وكثرة التناقضات في التصريحات والمعلومات والتحليلات، وضياع بوصلة التفكير عن العقل العربي المسلم اليوم، سمات بارزة في هذا الوقت، جسدتها الحرب الأخيرة في غزة وحول إيران!

واليوم، كأن الصراع والتسابق بات على عقل الإنسان، واختطاف وعيه، أو ضربه في عمقه ليضطرب ويتيه، مع غموض شديد، ولخبطات في الأوراق، فأصبح هذا جزءاً من الصراع على النفوذ والموارد والأرض والنفط!

والإشكال أن الوسائل التي كان من الممكن أن تساهم في وعي الإنسان، وفي عمق ثقافته، وفي تسهيل المعلومة له، باتت هي المشكل الكبير، وهي الموقع الأخطر في تفكير الإنسان وفي انحراف بوصلته، وطمس هويته وارتداده عن ثقافته ووعيه ودينه أحياناً!

إن المعرفة اليوم باتت مطروحة في الطريق، ولا يمكن للمرء أن يتعب حتى يحصلها، ولكنها مغلفة بسلب الوعي، وخطورة الانجراف، وانحراف العقل نحو المجهول، فنحن بتنا نهباً لكل ناعق، ومصيدة لكل نابل وحابل، وباتت عقولنا، بل حياتنا الخاصة، في يد آخرين، يوجهوننا كيفما شاؤوا وأينما اتجهوا!

هشاشة التركيز ومخلفات الوعي

مشكلتنا اليوم مشكلة عويصة، ومركبة، فالشتات وعدم التركيز، مع صعود نجوم التافهين، وسطوة التفاهة على مراكز الإعلام المرئي والمسموع، ودخولهم، بل وسهولة تسللهم إلى كل أذن وعين، أصبحت تحتاج إلى علاج طويل، وإلى هدمه، وإنشاء بناء آخر عليه.

إن واقعنا اليوم، يريك أنه حتى المثقف والسياسي، والمسؤول وغيرهم كثير، باتوا ضحايا هذا الواقع المرير، فما عدت ترى ثقل الأطروحات، ولا موازين في الأطروحات، بل ترى الكذب والدجل وطمس الحقائق، وأصبحت المعلومة الصادقة في ظل هذا التراكم المعرفي، والكم الهائل من المعلومات، كأنها إبرة في كومات من القش الأصفر الزاهي واللامع، وليس وراء صفرته إلا الرماد والحسرة والضياع!

إننا هنا فعلاً نعيش «أزمة وجودية»، فلا العلم علمنا، ولا الواقع واقعنا، ولا أي شيء بات نعرفه، كما حدث للعربي الذي وصفه المتنبي في قصيدته «مغاني الشعب»:

مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني    بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ

وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها          غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ

مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها       سُلَيمانٌ لَسارَ بِتَرجُمانِ

بل نخشى أن يظلنا ذلك الزمان الذي وصفه نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء»، نعم هي طوبى، ولكنها بعد معاناة جسيمة وصراع طويل وجهد وجهاد.

بل يصدق تماماً عليها هذا الحديث: «عن أنَسِ بن مَالكٍ، عن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «تكُونُ بَيْنَ يَدَي السَّاعةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللّيْلِ المُظلِمِ، يُصْبحُ الرَّجُلُ فِيها مُؤْمناً وَيُمْسِي كافِراً، ويُمْسِي مُؤْمناً، ويُصْبحُ كافِراً، يَبِيعُ أقْوامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ من الدُّنْيا»، وقد رأينا وسمعنا ووعينا، عمن باع دينه وذمته وشرفه وأصبح ديوثاً أو ما نكف لساننا عن وصفه.

المعركة طويلة ولكنها مضمونة النتائج!

نعم، هي معركة طويلة لنعيد الوعي والثقة والدين في القلب والعقل والنفس، وبحاجة إلى تكاتف وتعاون بعيداً عن التصنيفات، لأننا فعلاً في مرحلة وجود من عدمه، ليس ترفاً ولا تطوعاً، بل واجباً شرعياً وعقلياً، يفرض على النابهين والمثقفين والعلماء والسياسيين وغيرهم أن يعالجوا الحالة الظاهرة والخافية.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة