«قميص عثمان» الذي لم يعد يخدع أحداً!

10 حقائق تفضح كذب «ذريعة القواعد» في الخطاب الإيراني

جمال خطاب

25 مارس 2026

28745

تتبنى الآلة الإعلامية والسياسية في طهران خطاباً تعبويا ترويجياً يرتكز على مغالطة منطقية كبرى؛ وهي أن الوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج العربي هو المبرر الأساسي لحالة التوتر الإقليمي، والذريعة لعمليات الابتزاز والتهديد التي تمارسها ضد جيرانها، وتزعم إيران في خطابها «الموجه» أن هذه القواعد تمثل تهديداً وجودياً لها، متناسية أن هذا الوجود لم يكن يوماً خياراً أولياً، بل كان رداً اضطرارياً لسلوكيات عدوانية من جيران بدوافع انتهازية بدأت منذ عقود.

الواقع يثبت أن هذه الحجة داحضة ومتهافتة أمام الحقائق الإستراتيجية والعسكرية، فإيران التي تدعي السيادة الإقليمية، تمارس عبر أذرعها انتهاكات صارخة لسيادة دول عربية عديدة، وتتخذ من القواعد شماعة لشرعنة أطماعها التوسعية.

فيما يلي، نستعرض 10 حقائق جوهرية تفكك هذا الخطاب المغرض وتكشف زيفه:

1- المغالطة التقنية.. الجغرافيا لم تعد قيداً عسكرياً:

تزعم طهران أن القواعد الأرضية في الخليج هي المنصة الوحيدة التي تُضرب من خلالها، وهذه مغالطة عسكرية كبرى؛ فالولايات المتحدة تمتلك 11 حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، كل واحدة منها قاعدة عسكرية متنقلة تحمل عشرات الطائرات المقاتلة من طراز «F-35» و«F-18»، وبالنظر إلى صواريخ «توماهوك» التي تطلق من الغواصات والمدمرات في المحيط الهندي وبحر العرب، فإن مدى هذه الصواريخ يصل إلى 2500 كيلومتر؛ ما يعني أن العمق الإيراني بالكامل يقع تحت طائلة النيران الأمريكية من خارج المنطقة؛ لذا، فإن ضرب جيرانها بدعوى القرب الجغرافي للقواعد عدوان بلا مسوغ تقني.

2- حرب الناقلات.. حين بدأت إيران العدوان قبل وجود القواعد:

تثبت الذاكرة التاريخية أن الاعتداءات الإيرانية سبقت الوجود العسكري الأمريكي المكثف بقرابة عقدين، ففي الثمانينيات، وخلال ما عُرف بـ«حرب الناقلات»، استهدفت إيران السفن التجارية التابعة للكويت والسعودية بالرغم من أنها دول لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب العراقية الإيرانية.

وبحسب إحصاءات تلك الفترة، تعرضت أكثر من 540 سفينة لهجمات وألغام في الممرات المائية، هذا السلوك العدواني هو الذي دفع الكويت عام 1987م لطلب حماية دولية (عملية «إرنست ويل») لرفع الأعلام الأمريكية على ناقلاتها، هنا، يبرز السؤال المفصلي: لماذا استهدفت إيران سفن جيرانها، بذرائع متهافتة قبل وجود القواعد؟

الحقيقة هي أن العدوان الإيراني هو الذي استدعى القواعد، وليس العكس.

3- غزو الكويت.. الأب الشرعي للتحالفات الدفاعية الثابتة:

يمثل غزو النظام العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990م برهاناً دامغاً على ضرورة وجود قوة ردع دولية، فقبل هذا التاريخ، لم تكن المنطقة تضم قواعد عسكرية أمريكية دائمة، بل كانت تعتمد على التضامن العربي، لكن اجتياح دولة جارة ومحاولة مسح سيادتها في ساعات أثبت أن الفراغ الأمني يغري المغامرين الإقليميين بارتكاب الجرائم، والقواعد العسكرية القائمة اليوم في الخليج ما هي إلا نتيجة شبه مباشرة لصدمة أغسطس؛ فهي الضمانة السيادية التي تمنع أي قوة إقليمية (سواء كانت في بغداد سابقاً أو طهران حالياً) من التفكير في تكرار سيناريو الاحتلال، والدول التي قاست من مرارة الغزو تدرك أن القاعدة العسكرية هي ثمن السلام وهي التي تكبح قانون الغاب.

4- حق السيادة المطلق.. الأمن قرار وطني لا إقليمي:

تملك كل دولة خليجية الحق السيادي الكامل في اختيار شركائها بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ومحاولة إيران فرض وصايتها على نوعية السلاح أو هوية الحليف الذي تستعين به دول الخليج اعتداء صارخ على مبادئ الاستقلال، فالسيادة ليست منحة تُطلب من طهران، بل هي قرار وطني مستقل، فبأي حق أخلاقي أو قانوني تمنع إيران جيرانها من حماية أنفسهم، بينما هي نفسها تبرم اتفاقيات إستراتيجية وعسكرية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين؟

5- حماية الملاحة.. مصلحة عالمية وليست هيمنة أمريكية:

تمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وثلث تجارة الغاز المسال، والقواعد الأمريكية تسهم في تأمين هذه الممرات المائية الحيوية للاقتصاد العالمي أجمع، بما في ذلك اقتصاديات الصين والهند (أصدقاء إيران)، وتهديد إيران لهذه الممرات بدعوى وجود القواعد هو في الحقيقة تهديد لمعيشة ملايين البشر حول العالم، ومحاولة لتحويل عنق الزجاجة العالمي إلى ورقة ابتزاز سياسي، وهو ما يفتقر لأدنى معايير المسؤولية الدولية.

6- التهديد الإيراني وقود لبقاء القواعد:

المفارقة الكبرى هي أن السياسات التدخلية الإيرانية هي المحرك الأكبر لاستمرار الوجود العسكري الأجنبي، فكلما أطلقت إيران تهديداً جديداً؛ زادت قناعة شعوب وقادة دول الخليج بضرورة تعزيز التحالفات الدولية، ولو كانت إيران صادقة في رغبتها بإخلاء المنطقة من القواعد، لبدأت بتقديم ضمانات أمنية حقيقية والكف عن دعم المليشيات المزعزعة للاستقرار، ولأثبتت أنها جار آمن لا يحتاج الآخرون للاستعانة بغيره لكي يأمن شره.

7- الابتزاز السياسي:

تستخدم طهران ملف القواعد كأداة للابتزاز في مفاوضاتها الدولية حول البرنامج النووي أو العقوبات، فعندما يشتد عليها الخناق الدولي، توجه صواريخها نحو منشآت الطاقة الخليجية (مثل اعتداء بقيق وخريص 2019م) تحت ذريعة القواعد، هذا السلوك يفتقر للمروءة السياسية؛ إذ لا يجوز اتخاذ استقرار الجيران رهينة لتحسين شروط تفاوضية مع قوى بعيدة، إن العدوان هنا ليس رداً على تهديد، بل هو نفسه تهديد لأمن المنطقة.

8- كذب شعار الأمن الإقليمي.. التجربة تثبت العكس:

تروج إيران لشعار أمن المنطقة بأيدي أبنائها، لكن أفعالها على الأرض في العراق، وسورية، واليمن،ولبنان، تثبت أن مفهومها لـ«الأمن» يعني الهيمنة المطلقة ونشر الفوضى عبر المليشيات، كيف يمكن لدول الخليج أن تأمن لنظام أمني إقليمي تقوده طهران وهي ترى نماذج الدول الفاشلة التي تدخلت فيها إيران؟ إن وجود القواعد الدولية يمثل توازناً ضرورياً يمنع تحول المنطقة إلى ساحة نفوذ مذهبية أحادية الجانب.

9- القواعد ليست احتلالاً:

على عكس السردية الإيرانية التي تصور القواعد كاحتلال قسري، فإن هذه القواعد تعمل ضمن اتفاقيات دفاع مشترك شفافة ومعترف بها دولياً، وتدفع الدول المستضيفة أحياناً تكاليف لوجستية لضمان أمنها، إنها علاقة تعاقدية بين دول مستقلة لحماية مصالح مشتركة، إن تصويرها كتدنيس للتراب خطاب عاطفي يدغدغ المشاعر القومية والدينية بينما يتجاهل أن إيران نفسها تسهل مرور قوى دولية عندما تقتضي مصلحتها ذلك، وهذا ما وقع عندما تعاونت مع أمريكا التي تسميها «الشيطان الأكبر» وسهلت لها احتلال أفغانستان ومن بعده العراق، وتعاونت مع الروس، وسهلت لهم بناء قواعد عسكرية لضرب إخوانها المسلمين في سورية.

10- القدرة الذاتية وتطوير منظومات الدفاع الخليجية:

الحقيقة العاشرة هي أن وجود القواعد لم يمنع دول الخليج من بناء قوى عسكرية وطنية ضاربة، فاليوم، تمتلك الكويت والسعودية وبقية دول المجلس منظومات دفاعية (مثل «باتريوت» و«ثاد») وكوادر بشرية مدربة تدريباً عالياً، ولذلك فوجود الحليف الدولي قوة مضافة وليس بديلاً عن القوة الذاتية، هذا التطور العسكري الخليجي هو ما يقلق طهران حقاً، فتحاول إضعافه عبر المطالبة برحيل الحليف ليتسنى لها الاستفراد بدول المنطقة عسكرياً.

«قميص عثمان» الذي لم يعد يخدع أحداً!

إن ذريعة القواعد في الخطاب الإيراني ليست سوى «قميص عثمان» سياسي يُرفع لتبرير الأطماع التوسعية وهروباً من مواجهة الواقع، لقد أثبت التاريخ منذ حرب الناقلات ووصولاً إلى غزو الكويت، أن القواعد العسكرية في الخليج هي نتيجة لغياب الثقة وسلوكيات الجوار العدوانية، وليست سبباً للتوتر.

إذا كانت طهران تنشد حقاً منطقة خالية من القواعد الأجنبية، فإن الطريق لا يمر عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة الموجهة للمدنيين والمنشآت الاقتصادية، بل يمر عبر طي صفحة تصدير الثورة والاعتراف بسيادة الجيران، ودون ذلك، ستظل التحالفات الدولية ضرورة إستراتيجية وحقاً سيادياً أصيلاً لدول الخليج لحماية وجودها ومستقبل أجيالها من مطامع جغرافية لا تشبع.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة