الانتخابات «الإسرائيلية».. ديمقراطية الجريمة المتصاعدة
يترقب العالم
مآلات نتائج انتخابات الاحتلال «الإسرائيلي» لتكون بعضاً من آمال مبنية على تغيير
شخوص ارتبط اسمهم بمصادرة أرض أو بوابة تُغلق مدينة أو إحراق ممتلكات أو سرقة حصاد
زيتون، وآخرون وسعوا آمالهم لتطال إزالة حصار ووقف اعتداء واحتمالية صدق في وقف
إطلاق النار في غزة.
وبات بعض الناس
يحاولون أن يُجمّلوا الجريمة ويُشرعنوا مجرماً ضد الأكثر إجراماً، وراح آخرون
يشعرون أنفسهم أن الفلسطيني الذي ثبت في أرضه في الداخل عام 1948م، الذي يطلق عليه
الاحتلال اسم «عربي إسرائيلي»، قد يغير مشهداً بمشاركته في الانتخابات.
وكثرت التكهنات والتأملات، وفوراً ارتطمت بواقع
يغيب بين الفينة والأخرى عن عقول العرب والمسلمين، وهو أن الحركة الصهيونية لديها إستراتيجية
التمزيق والترهيب حتى تسود، وما نسميه الضفة الغربية يسمونه «يهودا والسامرة»،
وطموحنا لدولة فلسطينية مشلولة قابلة للحياة يعدمونه بتعزيز دولة المستوطنين، وما
ننتظره من المجتمع الدولي وصل سلاحاً ومالاً لـ«إسرائيل»، ووصلنا وعوداً وبيانات
وبّخت مستوطناً ولم تمنع استيطاناً.
الصندوق الأسود
أفرزت «إسرائيل»
بعد سنوات الإبادة والتجويع والتطهير العرقي نفس المشهد، ووضعت في الصندوق أوراق
انتخاب أقلها ضرراً على الفلسطينيين ينادي بتعزيز الاستيطان ومنع الدولة
الفلسطينية، وتحجيم الدور السياسي للفلسطينيين، واستكمال الحرب في غزة، وإعلان
القدس عاصمة أبدية، وإبقاء الجيش في لبنان وسوريا.
وهذا كله ينادي
له معسكر المنفذ للإبادة، جابي أيزنكوت، الذي صوّره الإعلام العربي أنه المنقذ
للمنطقة من وحشية نتنياهو، أما هذا الصندوق فأعطى أعلى الأصوات للمطلوب لمحكمة
الجنايات الدولية نتنياهو، رئيس الحكومة الحالية.
وبالتالي، هذا
يعني أن الشارع «الإسرائيلي» انتخب الإبادة والتجويع والتطهير وضغط الفلسطينيين
ومنع السلام والازدهار، بل والتعدي على الدول العربية، وهذا كله في صندوق الاقتراع
«الصندوق الأسود على الفلسطينيين» الذي يُظهر الجريمة المستمرة أنها الديمقراطية
الوحيدة في المنطقة، بل ويشعر المراقب أن المشكلة ليست في عقلية الصهيونية الدموية
ولا في قيادات الاحتلال، بل في الفلسطيني الذي يراقب ويُلام أنه يصمد أو يدافع عن
حقه، وإذا جاء الحديث عن إرهاب الاحتلال فتكون الكلمات السحرية جاهزة، وهي أن «إسرائيل»
دولة ديمقراطية، وانتظروا حتى يتغير نتنياهو ويأتي من يراعي قتلكم بصورة حضارية!
انعكاسات الانتخابات «الإسرائيلية»
تعتبر هذه
الانتخابات وما تشكله من إعادة رسم خريطة السياسة في الكيان بناءً على ما تم
استحداثه من مخططات ترمي للتوسع والطمس والاستبدال، نقطة مفصلية في توقيت التسريع
أو الانتقال لجوهر الصراع، والحديث هنا عن الوجودية.
في المستوطنات
لا يرون أن صندوق الانتخابات مهم، بل يرون أنه إن جاء بداعمهم فهو جيد وإن خالف
نظريتهم، فيجب أن يقاتلوا لترويض من جاء للحكم.
هكذا تمت
المعادلة في فترات حكم أريئيل شارون، رئيس وزراء الكيان الهالك، الداعم للاستيطان
وصاحب ثورة الاستيطان التي تغنى بها وزير المالية الحالي في الكيان والمنتخب
مؤخراً سموتريتش، وكذا إسحاق رابين، رئيس الوزراء الهالك، وفي عهده كانت أول
مستوطنة عام 1975م في سبسطية قرب نابلس بعد مستوطنة كريات أربع في الخليل عام 1968م،
وهو حتى في ذلك العام كان رئيس هيئة الأركان.
واستحضرنا هنا
شارون، ورابين؛ لأن الإعلام وصفهما أن الأول رأس التطرف، والثاني لديه براغماتية
تسمح بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم، وكثير من نماذج رؤساء وزراء في الكيان، إيهود
أولمرت، وإيهود باراك، وشمعون بيريز، ونفتالي بينيت، وبنيامين نتنياهو.. وغيرهم،
ينفذون نفس نظريات وفلسفة الحركة الصهيونية، ففي عهد المتطرفين أو البراغماتيين
زاد الاستيطان وتقلصت مساحات الضفة الغربية وعُزلت القدس وتم التهويد فيها وعُزلت
وحوصرت غزة، ورويداً رويداً بات الحديث عن الدولة الفلسطينية المنشودة سراباً.
وبالتالي، وفي
خضم التطورات الإقليمية، فإن مجموعات الاستيطان في الضفة الغربية تعتبر أن صندوق
الاقتراع مهما جلب من تغيرات سياسية فهو فقط ينعكس على الحياة اليومية الداخلية
ولا يؤثر على مشاريع الاستيطان، بل وفي بعض جوانبه يكون داعماً لفكرة التوسع
والتمدد والاستبدال.
وفي ناحية أخرى
بعيدة عن عقلية الاستيطان، هناك التأثير السياسي الذي تسابق كل المرشحين
والمنتخبين لتأكيده حول يهودية الدولة ومنع الفلسطيني من التواصل الجغرافي
والبنيوي السياسي؛ ما يعني أن البرامج الانتخابية تصبح قوانين في المحصلة تصب في
صالح المستوطنين ولا تخدم الفلسطيني بتاتاً.
وعلى الصعيد
الاقتصادي، فخطة خنق الفلسطينيين منذ سنوات طويلة تعتمد على قطع الرواتب
والاستيلاء على أموال المقاصة وتدمير المصانع والمنشآت الاقتصادية هدماً مباشراً
أو منعاً للتصدير أو الاستيراد، ناهيك عن إغلاق الحواجز بين المدن وكذلك المعبر
الوحيد للضفة الغربية للعالم وهو مع الأردن ليكون تحت تحكم مزاجيتهم.
وبالعناصر
الثلاثة تصبح نتيجة الصندوق معروفة سلفاً للفلسطينيين، ولكنهم في ظل صمت المجتمع
الدولي باتوا يبحثون عن أقل إجراماً من مجرم سفاح أو عن صاحب طريقة قتل لهم بصيغة
ألطف، وهذا أسموه أمل التغيير في مشهد مرير من خلال صندوق انتخابات أصلاً لا يصل
إلى الحكم من خلاله إلا الذي وضع على أولى أولويات دعايته الانتخابية مشروع سحق
الهوية والوجود الفلسطيني مع اختلاف الطرق وتوحيد الغاية.
تناقضات!
وتعتبر مرحلة
الترقب لما سيكون من خريطة سياسية في الكيان حساسة جداً لما فيها من تناقضات بين
ثقل عربي لأهل الداخل المحتل الذي لا تعتبره «إسرائيل» جزءاً من نظامها السياسي
وتستخدمه فقط لتجميل ديكور الانتخابات لديها لتظهر بصورة التعددية وحامية الأقليات
ودولة الجميع، غير أنها تزداد عنصرية، حيث معسكر أيزنكوت، ومعسكر نتنياهو، لديهما
إصرار على استبعاد قوائم الأحزاب العربية من أي موقع أو تأثير في مراكز صنع القرار؛
ما يعني أن الحكومة المقبلة سيكون ميدان تنافسها في مسارعة أعمال الاستيطان وتبني
إجرام المستوطنين وقطع الطريق على أي فرصة للسلام.
بل والأخطر أنها
ستمهد لمشاريع تضييق الخناق على أهل الداخل المحتل عام 1948م، وهذه سياسة كل قادة
الأحزاب الصهيونية ضدهم.
وبهذه الصيغة،
تصبح تناقضات الديمقراطية وتجميلها في كل مراحلها تعتاش على سياسات عنصرية سيكون
وقودها الفلسطيني بإطلاق العنان لكل من يسهل بإجرامه الوصول لسدة الحكم في الكيان
ولو تكررت الإبادة وتم تزيينها بصندوق انتخابات يغطيه الإعلام العربي من زاوية
مشاركة العرب، ولا يوسعون الصورة لمآلات التشكل الجديد في عقلية الحركة الصهيونية
التي باتت عينها على النيل والفرات وليس الضفة الغربية وحسب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً