الشرط الجدلي في القرآن.. هكذا تُقام الحجة

العنوان وصورة الكاتبة وصورة تعبيرية لرجال يتحاورون

الشرط الجدلي في القرآن يفتح أمام المخاطب باب النظر في دعواه وما يترتب عليها؛ فقد يعرضها على سبيل الفرض، ثم يطالبه بدليلها، أو يلزمه بمقتضاها، أو يكشف بطلانها، وحين يقرأ المتأمل قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، يجد أن تركيب الشرط يضع صدق الدعوى موضع الاختبار، وينقل المحاورة من القول إلى البرهان، ومن هنا تتجاوز وظيفة الشرط ربط جملتين إلى بناء الحجة وتوجيه النظر، دون أن يعني افتراض الدعوى التسليم بصحتها، وفي الشواهد الآتية نتأمل تنوع هذه الوظيفة، وصلتها بدقة التعبير القرآني في محاورة المخالف.

جاء في المعاجم اللغوية: الحَجُّ: القصد، والحُجَّةُ: البرهان، تقول حاجَّهُ فحجَّه أي غلبه بالحُجَّةِ، وهو رجلٌ مِحْجاجٌ، أي جَدِلٌ(1)، والحَجُّ: (الغَلَبَةُ بالحُجَّةِ)، يُقَال: (حَجَّهُ) يَحُجُّه حَجًّا، إِذا غَلَبَه على حُجَّتِه(2)، وبذلك ارتبطت الحُجّة في المعاجم بمعنى البرهان، كما ارتبط الحجاج والمجادلة بإقامة الحجة ومواجهة الخصم بها.

ويعرف الشرط الحجاجي بأنه أسلوب إقناعي يعمل على توظيف الإمكانات الدلالية والتداولية للعلاقة الشرطية، فيؤدي دورًا حجاجيًّا في توجيه المخاطَب، وحمله على قبول رأي أو الإذعان لقضية معينة، أو إلزامه بما يترتب على فرضه أو دعواه، أو نقض موقفه من خلال النتائج التي تستلزمها العلاقة بين الشرط وجوابه.

وفي هذا السياق، نتناول الشرط الجدلي بوصفه بنية لغوية تؤدي وظيفة حجاجية، وذلك على النحو الآتي:

الشرط الجدلي.. من الدعوى إلى الاختبار

الشرط اللغوي: يقوم على علاقة سببية أو ارتباطية: إن تجتهد تنجح؛ فالمتكلم يريد بيان العلاقة بين الاجتهاد والنجاح، أما الشرط الحجاجي فقد يكون على صورة "إن سلّمنا بصحة قولك" لزم منه كذا؛ فالغاية ليست الإخبار بتحقق الشرط، وإنما اختبار الدعوى وإلزام صاحبها بنتيجتها، كما في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 23).

فجواب الشرط الثاني محذوف دلَّ عليه ما قبله؛ أي؛ إن كنتم صادقين فأتوا بسورة من مثله، وتتمثل القضية الجدلية هنا في شك المخاطبين في مصدر القرآن الكريم، وارتيابهم في كونه منزلا من عند الله تعالى، فكان الافتراض الجدلي بعرض الشك في مصدر القرآن على سبيل الفرض، دون التسليم بصحة موقف المخاطبين، ثم انتقل من افتراض الشك إلى مطالبة المخاطبين بالإتيان بسورة من مثل القرآن، فوظف الخطاب القرآني الشرط رابطًا بين الشك في مصدر القرآن والمطالبة بالإتيان بسورة من مثله، لينقل المخاطبين من مجرد الادعاء إلى الاختبار العملي الذي يكشف عجزهم عن إقامة الحجة على دعواهم.

ويكرر الشرط في نهاية الآية بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، ليؤكد الوظيفة الحجاجية للتحدي، ويربط صدق المخاطبين بقدرتهم على إقامة الدليل العملي على دعواهم؛ أي: إنهم إذا كانوا صادقين في دعواهم، فعليهم أن يثبتوا ذلك بالفعل، لا بالكلام وحده، ويتأكد هذا المقصد الحجاجي في توجيه المفسرين للآية، إذ ربطوا بين صدق المخاطبين وقدرتهم على الاستجابة للتحدي بإقامة الدليل العملي على دعواهم(3).

وفي قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 94) أي؛ إن كنتم صادقين في دعواكم أن الجنة لكم دون غيركم؛ فتمنوا الموت، فجاء التوظيف الحجاجي لأسلوب الشرط في تحدي المخاطبين وإلزامهم بمقتضى دعواهم؛ حيث علق تمنيهم على شرط مفقود، وهو صدقهم في زعمهم أن الجنة خالصة لهم دون سائر الناس، وتكرر الشرط في قوله تعالى: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) لتأكيد ارتباط هذا التحدي بصدق دعواهم، ولما كانت دعواهم غير صحيحة، انتفى صدق الشرط، ولم يتحقق مقتضاه، ومن ثمّ أدى الشرط وظيفة حجاجية تمثلت في كشف تناقض موقفهم وإظهار بطلان دعواهم من خلال إلزامهم بما يترتب عليها وهو ما أشار إليه أبو حيان الأندلسي في تفسيره للآية(4).

افتراض الدعوى لإبطالها

لا يقتضي أسلوب الشرط إمكان وقوع الشرط أو تحققه، بل قد يُوظف في سياق الجدل لتعليق الجواب على فرض ممتنع، بقصد إلزام المخاطب بمقتضاه وإظهار فساد دعواه، كما في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف: 81) فقد بيَّن الزمخشري أن أداة الشرط "إنْ" لا تستلزم إمكان وقوع الشرط، بل يصح دخولها على المستحيل عقلًا، كما في هذه الآية؛ إذ عُلِّق الأمر بالعبادة على شرط مستحيل في ذاته، فكان ما عُلِّق عليه مستحيلًا مثله، وبذلك جاء الأسلوب في صورة إثبات الشرط وجوابه، بينما المقصد من معناه نفي الولد عن الله تعالى وتنزيهه عنه، متجاوزًا مجرد النفي إلى إقامة الحجة على المخالف وإظهار بطلان دعواه بأبلغ صورة(5)، فالآية لا تعني إثبات أن للرحمن ولدًا؛ فهذا منفي قطعًا، وإنما جرى التنزل الجدلي مع فرض دعوى الخصم: إن صحّ –على سبيل الفرض– أن للرحمن ولدًا، فأنا أول من يعبده(6).

حين يكشف الفرض نعمة التعاقب

يؤدي الشرط في قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (القصص: 72) وظيفة جدلية من خلال افتراض حالة مخالفة للواقع (افتراض استمرار النهار إلى يوم القيامة)، وهو أساس الحجة الجدلية، ثم إثارة الإشكال بالسؤال: من يستطيع أن يأتي بالليل إذا استمر النهار؟ ثم مطالبة المخاطب بتعيين من يقدر، فتتمثل النتيجة الحجاجية في الاستدلال بتعاقب الليل والنهار على تفرده بالقدرة سبحانه وتعالى، وهو ما أشار إليه المفسرون، يقول الطاهر بن عاشور: "لأن الشرط مفروض فرضًا مخالفًا للواقع"(7).

ولا يقف أثر هذا الافتراض عند تصور الحالة الممكنة ذهنيًا، بل يتجاوز ذلك إلى بناء حجة يُواجه فيها المخاطب بنتيجة الفرض من خلال الاستفهام: (مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) فالاستفهام يدفع المخاطب إلى البحث عن قدرة بديلة تستطيع تغيير الحالة المفروضة، بما يكشف عجز غير الله عن ذلك، ويقوده إلى الإقرار بتفرده بالقدرة، ويقوي هذا البناء الحجاجي بمقابلة فرض استمرار النهار بفرض استمرار الليل في الآية السابقة، ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) (القصص: 71)

وفي هذا السياق يكشف أسلوب الشرط عن مقاصده الحجاجية في بناء الدليل، وتوجيه الخطاب بحسب المقام، أو افتراض الممتنع المخالف لكشف بطلان أو فساد الدعوى وتقرير المعنى المقصود.

الهوامش
  • 1 منتخب من صحاح الجوهري: الجوهري (ت 393هـ) (926).
  • 2 تاج العروس: الزَّبيدي (ت 1205هـ) (5/ 460).
  • 3 الكشاف: الزمخشري (ت 538هـ) (1/ 96)، وإرشاد العقل السليم: أبو السعود (ت 982هـ) (1/ 66)، والتحرير والتنوير: ابن عاشور (ت 1393م) (1/ 336).
  • 4 البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ) (1/ 489).
  • 5 الكشاف: الزمخشري (ت 538هـ) (4/ 266)، وأنوار التنزيل: البيضاوي (ت 685هـ) (5/ 97).
  • 6 أنوار التنزيل: البيضاوي (ت 685هـ) (5/ 97).
  • 7 التحرير والتنوير: ابن عاشور (ت 1393هـ) (20/ 169).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة