الهروب إلى ما قبل الإسلام.. الجذور الفكرية للقومية الإيرانية الحديثة (3)
لم تتشكّل
القومية الإيرانية الحديثة بمعزل عن التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها إيران
منذ أواخر العصر القاجاري، بل ارتبطت بمشروع فكري وثقافي سعى إلى إعادة تعريف
الهوية الإيرانية، من خلال استحضار الماضي السابق للإسلام وإبراز الإرث الأخميني
والساساني والزرادشتي بوصفه أحد المرتكزات الأساسية للهوية الوطنية.
وقد أسهم عدد من
المفكرين والأدباء والصحفيين والمؤسسات الثقافية في بلورة هذا التوجه، عبر
الكتابات التاريخية والأدبية، وإصلاح اللغة الفارسية، وإنشاء الصحف والمجلات التي
تحولت إلى منابر لنشر الأفكار القومية والتحديثية، ومع قيام الدولة البهلوية،
اكتسب هذا المشروع أبعاداً رسمية.
ونستكمل في هذا
الجزء استعراض أبرز الشخصيات الصحفية والأدبية التي أسهمت في ترسيخ هذا الاتجاه، مع التوقف
عند تجربة ميرزا فتح علي آخوندزاده، بوصفه أحد أبرز الممهدين فكرياً للقومية
الإيرانية الحديثة، ودور المجلات الثقافية في إعادة تشكيل الوعي التاريخي وتعزيز
مفهوم «إيران الحضارية».
سادساً: محمد علي جمال زاده (1892 - 1997م):
رغم شهرته
أديباً أكثر منه صحفياً، فقد كان من كتّاب مجلة «كاوه»، ومن أبرز الداعين إلى
تحديث اللغة والأدب الفارسي، أسهمت مقالاته وقصصه في نشر الفكر القومي والحداثي
بين الطبقات المتعلمة، وكان من أوائل من دعا إلى جعل اللغة الفارسية لغة قومية
موحّدة لجميع الإيرانيين.
سابعاً: عباس مسعودي (1895 - 1974م):
أسس صحيفة
«اطلاعات» عام 1926م، التي أصبحت أكبر صحيفة في عهد رضا شاه، ثم محمد رضا شاه، وكانت
الصحيفة قريبة من مؤسسات الدولة، وأسهمت في نشر سياسات التحديث والتغريب التي
انتهجها النظام البهلوي، وقد تحولت لاحقاً إلى واحدة من أهم أدوات تشكيل الرأي
العام في إيران، وفي عهد محمد رضا شاه، واصلت «اطلاعات» دعم النظام الملكي، وأصبحت
جزءاً من المؤسسة الإعلامية الرسمية للدولة.
ثامناً: مصطفى مصباح زاده (1907 - 2006م):
أسس صحيفة
«كيهان» سنة 1942م، التي أصبحت الصحيفة الأكثر انتشاراً وتأثيراً في إيران خلال
عهد محمد رضا شاه، وأدت دوراً رئيساً في نشر الخطاب القومي والتحديثي والدفاع عن
سياسات الدولة.
تاسعاً: داريوش همايون (1928 - 2011م):
في عهد محمد رضا
شاه، برز الصحفي والسياسي داريوش همايون، الذي أسس صحيفة «آيندگان» (الأجيال
القادمة) عام 1967م، وكانت الصحيفة قومية وليبرالية، وتدافع عن مشروع الدولة
الحديثة في إيران، وأصبحت من أكثر الصحف تأثيراً بين النخب المثقفة حتى سقوط
النظام الملكي عام 1979م.
عاشراً: برويز ناتل خانلري (1914 - 1979م):
يُعدّ برويز
ناتل خانلري أحد أبرز أدباء إيران ولغوييها في القرن العشرين، وُلد في طهران عام
1914م، وتخرج في جامعة طهران حاصلاً على الدكتوراة في الأدب الفارسي عام 1943م، ثم
تابع دراسات متخصصة في اللسانيات بفرنسا، عمل أستاذاً في جامعة طهران، ثم أصبح
لاحقاً وزيراً للثقافة والتعليم في عهد محمد رضا شاه، كما عُيّن عضواً في مجلس
الشيوخ الإيراني.
أسس مجلة «سخن»
(الكلمة) سنة 1943م، واستمرت في الصدور حتى عام 1978م، أما أهميتها الثقافية،
فتتمثل في أنها أصبحت المنبر الرئيس للنخبة الأدبية والأكاديمية الإيرانية في
العهد البهلوي، فقد نشر فيها عدد كبير من أعلام الدراسات الإيرانية، ومنهم إحسان
يارشاطر، وذبيح الله صفا، وإيرج أفشار، وغيرهم من كبار المؤرخين والأدباء، كما
تولى ذبيح الله صفا رئاسة تحريرها في بعض مراحلها.
ولم تكن «سخن»
مجلة أدبية بحتة، بل كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً؛ فقد نشرت أبحاثاً في مجالات
عديدة، منها: الأدب الفارسي الكلاسيكي والحديث، والتاريخ الإيراني القديم
والإسلامي، واللغة الفارسية وتطورها، والفنون الإيرانية، والنقد الأدبي الحديث،
والدراسات الحضارية الإيرانية، والترجمات من الأدب الأوروبي، ولا سيما الفرنسي.
ومن الناحية
الفكرية، أدت المجلة دوراً مهماً في دعم الخطاب الثقافي الذي كان سائداً في العهد
البهلوي، والقائم على إبراز الخصوصية الحضارية الإيرانية واستمرارية الثقافة
الفارسية عبر العصور، ولذلك أصبحت منبراً لعدد من تلامذة مدرسة إبراهيم پورداود،
الذين اهتموا بتاريخ إيران القديم، واللغات الإيرانية، والتراث السابق للإسلام.
وفي سياق مشروع
الهوية الإيرانية، الذي كان يتبلور منذ أواخر العصر القاجاري، يمكن اعتبار مجلة
«سخن» حلقة وصل بين ثلاثة أجيال:
أ- جيل المؤسسين
الفكريين للقومية الإيرانية في نهاية العصر القاجاري، مثل آخوندزاده وآقا خان
الكرماني.
ب- جيل
الأكاديميين في العهد البهلوي الأول، مثل حسن تقي زاده وإبراهيم پورداود.
جـ- جيل
المؤسسات الثقافية في العهد البهلوي الثاني، مثل ذبيح الله صفا وإحسان يارشاطر
ومحمد معين وبرويز ناتل خانلري.
تميّزت مجلة
«سخن» بطابعها الأكاديمي، واهتمامها بالدراسات الأدبية والتاريخية والنقد الثقافي،
وانفتاحها على المناهج الغربية، وأسهمت في:
1- تشكيل النخبة
الجامعية الإيرانية.
2- إعادة تفسير
الأدب الفارسي.
3- تعزيز مفهوم
«إيران الحضارية».
4- ترسيخ موقعها
في مشروع الهوية الإيرانية.
وكانت «سخن»
أكثر تأثيراً من المجلات السياسية؛ لأنها وصلت إلى الجامعات، وأثرت في الأساتذة
والطلاب، وأسهمت في إعادة تشكيل الوعي التاريخي للنخبة.
حادي عشر: حبيب يغمايي (1901 - 1984م):
اختار حبيب
يغمايي هذا الاسم لمجلته تيمناً باسم عائلته، إذ يعود نسبه إلى الشاعر الإيراني
الشهير في العهد القاجاري، يغما جندقي، وأصدر مجلة «يغما» خلال الفترة (1948 - 1979م)،
في ذروة الخطاب الثقافي القومي، وصدر منها 31 مجلداً، تضم 366 عدداً شهرياً
متتالياً، منذ عام 1948م وحتى مطلع عام 1979م، حين توقفت مع أحداث الثورة
الإيرانية، ويُعدّ هذا الاستمرار نادراً جداً بالنسبة إلى المجلات الثقافية
المستقلة في تلك الحقبة.
كانت «يغما»
منصة رئيسة للدراسات التاريخية والأدب الفارسي والفكر القومي الإيراني، ومن أبرز
كتّابها: علي أكبر دهخدا، ود. إبراهيم پورداود، ود. محمد معين، ود. ذبيح الله صفا،
ود. إحسان يارشاطر، ود. عبدالحسين زرين كوب، والشاعر جلال الدين همائي.
ركزت «يغما»
على:
1- إعادة
الاعتبار للتراث الإيراني القديم.
2- دراسة
الزرادشتية والأفستا.
3- تناول
الشاهنامة بوصفها نصاً تأسيسياً للهوية الإيرانية.
4- إبراز
الاستمرارية الحضارية لإيران.
5- إعادة تشكيل
الوعي التاريخي.
يتبين مما تقدم
أن الصحافة الثقافية في إيران الحديثة لم تكن مجرد وسيلة إعلامية، بل كانت أداة
مركزية في إعادة بناء الهوية الوطنية خلال العصر البهلوي.
ثاني عشر: ميرزا فتح علي آخوندزاده (1812 - 1878م):
وفي المسار
التاريخي والفكري التأسيسي، يظهر اسم ميرزا فتح علي آخوندزاده بوصفه أحد أوائل
الذين أعادوا صياغة الوعي التاريخي الإيراني خارج الإطار الإسلامي التقليدي، ويُعدّ
آخوندزاده من أكثر الشخصيات تأثيراً في تشكيل الفكر القومي الإيراني الحديث، حتى
إن عدداً من الباحثين المعاصرين يعدّه، مع ميرزا آقا خان الكرماني، الأب الفكري
للقومية الإيرانية التي تبنتها الدولة البهلوية لاحقاً.
وُلد آخوندزاده
في 12 يوليو 1812م في مدينة نوخة (شكي الحالية في أذربيجان)، التي كانت آنذاك
جزءاً من المجال الإيراني القاجاري، قبل أن تقع تحت السيطرة الروسية، نشأ في بيئة
فارسية–تركية، وأتقن اللغات الأذرية والفارسية والروسية، ثم انتقل إلى تفليس،
عاصمة جورجيا الحالية، حيث عمل في الإدارة الروسية معظم حياته، وقد جمع في شخصيته
بين الثقافة الإيرانية التقليدية والأفكار الأوروبية الحديثة التي انتشرت في
القوقاز خلال القرن التاسع عشر.
اشتهر أولاً
بوصفه رائد المسرح الحديث في العالم التركي والإيراني، إذ ألّف عدداً من المسرحيات
الساخرة التي هاجمت الجمود الاجتماعي والتعصب الديني والاستبداد السياسي، كما
يُعدّ من أوائل دعاة الإصلاح اللغوي وتغيير الأبجدية العربية إلى أبجدية أكثر
قرباً من النظم الأوروبية.
لكن أهمية
آخوندزاده بالنسبة إلى تاريخ الفكر الإيراني لا تكمن في أدبه فقط، بل في رؤيته
للتاريخ والهوية، فقد كان يرى أن إيران القديمة، قبل الإسلام، تمثل العصر الذهبي
للأمة الإيرانية، وأن سقوط الدولة الساسانية عام 31/ 651م أدى إلى انقطاع تاريخي
وحضاري كبير، ولهذا اتجه إلى تمجيد الملوك الأخمينيين والساسانيين وإحياء الذاكرة
التاريخية لإيران القديمة.
ويذهب عدد من
الباحثين إلى أنه كان من أوائل من صاغوا فكرة القومية الإيرانية الحديثة على أساس
الإرث السابق للإسلام، كما وجّه نقداً حاداً إلى المؤسسة الدينية التقليدية، أي
المرجعيات الشيعية التقليدية في قم ومشهد وطهران، ودعا إلى علمنة الحياة العامة
وإصلاح الفكر الإسلامي على أسس عقلانية.
وقد جعلته هذه
المواقف شخصية مثيرة للجدل؛ فالبعض يراه رائداً للتنوير والإصلاح، بينما يراه
آخرون مؤسساً لاتجاه فكري سعى إلى إضعاف البعد الإسلامي في الهوية الإيرانية لصالح
البعد القومي القديم.
ومن الناحية
الفكرية، أثّر آخوندزاده تأثيراً مباشراً في جيل كامل من المفكرين الإيرانيين،
وعلى رأسهم ميرزا آقا خان الكرماني وميرزا ملكم خان، ثم انتقلت أفكاره إلى جيل حسن
تقي زاده وإبراهيم پورداود، وقد أصبحت كثير من أفكاره حول تمجيد إيران القديمة
وإبراز العنصر الآري جزءاً من الخطاب الرسمي للدولة البهلوية في القرن العشرين.
وفيما يتعلق
بالزرادشتية، لم يكن آخوندزاده زرادشتياً بالمعنى الديني، لكنه رأى في التراث
الزرادشتي رمزاً لعظمة إيران القديمة؛ ولذلك دعا إلى إعادة الاعتبار لذلك التراث
بوصفه جزءاً من الهوية القومية الإيرانية، وهذه الفكرة هي التي سيطوّرها لاحقاً
إبراهيم پورداود من خلال الدراسات الزرادشتية وترجمة الأفستا.
فقد ركز
آخوندزاده في كتاباته المسرحية والنقدية على إيران السابقة للإسلام باعتبارها عصر
القوة والعظمة، وقدم تصوراً مبكراً لفكرة «الانقطاع الحضاري» بعد الفتح الإسلامي،
وهو ما شكّل لاحقاً أحد المرتكزات الفكرية للقومية الإيرانية الحديثة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً