النصيحة المفقودة في زمن المصالح

النصيحة المفقودة في زمن المصالح

من أعظم أخلاق المسلم أن يكون ناصحًا لإخوانه أي حريصًا عليهم، محبًا لهم، يرضى لهم ما يرضاه لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.

وقد بلغ من أهمية ذلك الخلق أنه كان من المبادئ التي يبايع عليها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه مع أركان الدين العظام، ففي حديث جرير بن عبدالله يقول فيه: «بَايَعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والسَّمْعِ والطَّاعَةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»(1)، ويعضد ذلك الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ»(2).

صور من النصيحة الواجبة في ميادين حياتية متنوعة:

1- أن يعطي المعلم كل ما عنده في حصة المدرسة ولا يحجب شيئاً لأجل الدروس الخصوصية.

2- ألا يكلف الطبيب المريض بإجراء أشعة أو فحوصات لا حاجة لها.

3- ألا يستعجل الطبيب إلى إجراء عملية قيصرية في الولادة لأجل مصلحته وهو يعلم إمكانية الولادة الطبيعية.

4- أن يصلح الكهربائي أو الميكانيكي العطل بأرخص تكلفة يقدر عليها؛ ولا يكلف زبونه شراء قطعة جديدة بلا ضرورة.

5- ألا يبيع التاجر سلعة وفيها عيب إلا بينه، وأن ينزل من سعرها بقدر العيب الذي يعلمه، وإلا عد ذلك غشًا وممحقًا لبركة البيع؛ ففي الحديث: «الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما»(3).

6- ألا يستورد التاجر أو يبيع سلعة فاسدة أو طعامًا فاسدًا أو منتهي الصلاحية لا يرضى لنفسه ولا لأولاده بتناوله، فكل جسد نبت من حرام النار أولى به.

7- الشركاء في التجارة، لا يستبيح أحدهم لنفسه من مال الشركة ما لم يأذن به باقي الشركاء، وإلا عدت خيانة وممحقة للبركة، ففي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخُن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما»(4).

8- أن يبيع التاجر سلعته بالسعر المعقول المناسب غير مستغل جهل المشتري فيبالغ في سعرها وهو يعلم أنها لا تساوي ذلك.

9- ألا يسند من يلي أمرًا من أمور المسلمين عملًا لرجل وفيهم من يعلم أنه أكفأ وأرضى لله منه، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين»(5).

ومن خالف دعي يوم القيامة غاشاً ففي الحديث: «ومن غشنا فليس منا»(6).

نماذج تطبيقية في حياة السلف الصالح:

تأمل ذلك التطبيق الدقيق والامتثال الصادق من سيدنا جرير بن عبدالله البجلي لوصية النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أورد أبو القاسم الطبراني في «المعجم»: أن جَريرًا أمر مولاه أن يشتري له فرسًا، فاشترى له فرسًا بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبدالله، فقال: فرسك خير من ذلك، أتبيعه بخمسمائة درهم؟ ثم لم يزل يزيده مائة فمائة وصاحبه يرضى، وجرير يقول: فرسك خير، إلى أن بلغ ثمانمائة درهم، فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.

إن جريرًا لم يرض لمسلم -لا يعرفه- أن يبيع سلعته بثمن أقل من قيمتها، بله أن يستغل جهله بقيمتها ليحصل هو عليها بثمن أقل.

ونتساءل: لماذا يفعل جرير ذلك رغم أنه ربما يوجد اليوم من لو فُعل معه ذلك لربما صفق لخادمه وقال ليتك تأتيني كل بيوم بمغفل كهذا؟ والجواب:

1- أن جريرًا يعلم أن هذا هو الدين والإيمان: بنص حديث النبي العدنان: «الدين النصيحة»(7).

2- يعلم أن حساب الله قادم على الصغير والكبير وأنه «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه»(8).

وكان هذا ديدن جرير لا يبرحه! فقد روى ابن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جده قال: «بايعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على السمعِ والطاعةِ، والنُّصحِ لكلِّ مسلمٍ، فكان إذا اشترى شيئًا أو باعَه؛ يقول لصاحبِه: اعلم أنَّ ما أخذنا منك أحبُّ إلينا مما أعطيناكَه؛ فاختَرْ»(9).

نموذج نصيحة الإمام أبو حنيفة النعمان: «باع شريك له أقمشة من الخمسيات بعشرة عاتبه وقال: ائتني بالمشتري، فجاء به، فقال: يا هذا، إن هذا باعك بالخطأ ما يساوي خمسة بعشرة، قال: وأنا رضيت، قال: وأنا لا أرضى لك إلا ما أرضاه لنفسي، فإما أن تأخذ خمسة دراهم، وإما أن تأخذ ثوباً بعشرة، وإما أن ترد إلينا ثوبنا، فأخذ الرجل خمسة وانصرف(10).

فقد رفض الإمام أبو حنيفة أخذ الربح الذي يرى أنه جاء نتيجة خطأ أو جهل من شريكه، حتى وإن كان المشتري راضيًا، وسارع إلى تصحيح خطأ شريكه الذي أدى إلى غبن المشتري، حتى بعد إتمام عملية البيع.

ويتجلى مبدأ النصح باديًا في قوله: «وأنا لا أرضى لك إلا ما أرضاه لنفسي»، ليكون ميزانًا أخلاقيًا إيمانيًا، فقد رفض أن يستفيد من ضرر وقع على أخيه المسلم، حتى لو كان ذلك الضرر ناتجًا عن رضا المشتري نفسه.

ومما يستشهد به كذلك ما رواه صاحب «تاريخ بغداد»: «كانَ حَفْصُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ شَريكَ أبي حَنيفةَ، وَكانَ أبو حَنيفةَ يُجَهِّزُ علَيهِ (أي يرسل له بضاعة ليبيعها)، فَبعثَ إليهِ دُفعةً مَتاعاً وأعلَمَهُ أنَّ في ثَوبِ كَذا وكَذا عيباً، فَإذا بِعتَهُ فَبَيِّنْهُ، فَباعَ حَفصٌ المَتاعَ كُلَّهُ ونَسِيَ أن يُبَيِّنَ العَيبَ، ولم يَعلمْ مَنِ اشتَراهُ (أي لم يتمكن من الوصول للمشتري)، فَلَمّا عَلِمَ أبو حَنيفةَ تَصَدَّقَ بِثَمَنِ المَتاعِ كُلِّهِ»(11).

لقد تعذر الوصول للمشتري الذي وقع عليه الغبن ليرد عليه حقه، فلجأ الإمام إلى التصدق بثمن البضاعة كاملًا.

ومن أوجب النصيحة: أن ينصح المرء لنفسه فينقذها من غضب الله وعذابه امتثالًا لأمر ربه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم: 6)، وذلك بكفها عن المعاصي؛ وحملها على طاعة الله عز وجل وإخلاص العمل لوجهه الكريم؛ حتى يرد على ربه موفور الأجر مرضياً عنه في جنات النعيم فيكون قد أحسن إلى نفسه ونصح لها أعظم النصيحة، والله الموفق.


اقرأ ايضا

من أدب النصحية

النصيحة في الأدب الفارسي

الهوامش
  • 1 صحيح البخاري (2157).
  • 2 متفق عليه.
  • 3 أخرجه البخاري (2079 )، ومسلم (1532).
  • 4 رواه أبو داود، وصححه الحاكم.
  • 5 الترغيب والترهيب، الحافظ المنذري (3/ 193).
  • 6 رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان بلفظ «من غش فليس مني».
  • 7 رواه مسلم (55).
  • 8 جزء من حديث رواه الترمذي في السنن (2417).
  • 9 أخرجه ابن حبان (4546)، واللفظ له، وأخرجه البخاري (7204)، ومسلم (56) باختلاف يسير.
  • 10 مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، محمد الكردري البزَّازي، الجزء 2.
  • 11 تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وانظر: من أعلام السلف، أحمد فريد (3/ 6).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة