; من أدب النصيحة | مجلة المجتمع

العنوان من أدب النصيحة

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000

مشاهدات 96

نشر في العدد 1415

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 29-أغسطس-2000

أبو معبد الجهني أحد التابعين المخضرمين الكرام، كان في زمن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يحدث الناس ويذكر لهم بعض مآخذه على عثمان -رضي الله عنه- رغم أنه كان يحب عثمان -رضي الله عنه- حبًا شديدًا، كما أخبر بذلك ابنه حيث قال: والله لقد كان أبي يحب عثمان.

استغل هذه المآخذ أصحاب الفتنة من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي. فألبوا الناس على عثمان -رضي الله عنه-، فاستجاب بعض الناس لهم، ثم قاموا على عثمان -رضي الله عنه- فقتلوه وهو يقرأ كتاب الله، وقد جاوز الثمانين من عمره وكان صحابيًّا جليلًا مبشرًا بالجنة، قد صاهر الرسول صلى الله عليه وسلم في ابنتيه فلم يشفع له كل ذلك في قتله والتمثيل به. 

ولما حدث ذلك لعثمان انتبه أبو معبد الجهني، وراجع حساباته، فقال كلمته المشهورة: والله لا أعين على دم عثمان أبدًا، فقيل له: أو أعنت على دم عثمان؟ فقال: إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه.. إن الشبهة أو التهمة إذا قيلت في غير موضعها تضل ولا تهدي وتفسد ولا تصلح.

كم رأينا من شاب صالح غض طري قدم على الله تعالى تائبًا عابدًا، فيتلقفه مثيرو الشبهات، فما هو إلا يوم أو بضعة أيام حتى يلقنوه كمًّا هائلًا من التهم والشبهات على إخوانهم الدعاة المخالفين لهم في الأسلوب والمنهج فتكون النتيجة أن هذا الشاب يترك العبادة وربما تراه بعد ذلك في الشوارع والطرقات والأسواق لاهيًا غافلًا.

وكم رأينا من مشروع إسلامي نافع بذلت فيه الجهود وأنفقت الأموال وكرست له الأوقات ثم تجد السهام تنهال عليه من كل حدب وصوب لا لشيء، إلا لأنه لا يتفق واهتمامات وتوجهات المنتقد، فيكيل عليه الملاحظات والتهم حتى يتحقق قول المتنبي:

رماني الدهر بالأرزاء حتى *** فؤادي في غشاء من نبال

فصرت إذا أصابتني سهام *** تكسرت النصال على النصال

إن على المرء أن يتقي الله قبل أن ينتقد مسلمًا أو مشروعًا أو مؤسسة، وأن يتبين آثار هذا الانتقاد، وهل فيه مصلحة راجحة أم فيه فتنة متوقعة وأن يدرك القاعدة الأصولية التي تقول «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، وكذلك القاعدة الأخرى «فعل أخف الضررين»، وليعلم أنه مؤاخذ على كل كلمة ينطق بها، وصدق المولى عز وجل إذ يقول:

(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (سورة ق: آية:18). 

أعجبني ما روي عن سفيان بن الحصين حيث يقول: «كنت جالسًا عند إياس بن معاوية، فمر رجل، فنلت منه فقال: اسكت، ثم قال لي: يا سفيان، هل غزوت الروم؟ قلت: لا، قال: هل غزوت الترك أي التتار قلت: لا، قال سلم منك الروم، وسلم منك الترك ولم يسلم منك أخوك المسلم!!

قال سفيان فما عدت إلى ذلك بعد. 

يا له من فقه عميق عند أولئك السلف الذين فقهوا حقيقة هذا الدين فأجرى الله الخير على ألسنتهم وعقولهم وجوارحهم.

إن بعض الناس قد أكثروا من إثارة الشبهات والاتهامات على الصالحين والدعاة الذين خالفوهم في الرأي، فلا يلقي أحدهم محاضرة إلا شهَّر بهم، ولا يكتب كتابًا إلا تكلم فيهم ولا يجلس مجلسًا إلا غمزهم، وكأنما هدفه في الحياة هو تصيد عيوبهم وفضحهم والتقول عليهم، في حين لا تجد هذا العداء وهذه الاتهامات موجهة إلى أعداء الله من الصهاينة والشيوعيين والعلمانيين والانحلاليين والحاكمين بغير شرع الله وغيرهم.

إن غاية ما يريده الخصوم أن ننشغل في حرب أنفسنا كي تخلو لهم الساحة ليفعلوا ما شاءوا وليفسدوا كيفما شاءوا، فهل يفقه أحبابنا الدعاة ذلك؟

الرابط المختصر :