6 أعوام على رحيل الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.. إرث علمي ودعوي

سيف باكير

30 سبتمبر 2026

71

ذكرى 6 أعوام على رحيل الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

يسلّط هذا التقرير الضوء على المسيرة الفكرية والدعوية للشيخ عبدالرحمن عبدالخالق في الذكرى السادسة لرحيله، مستندًا إلى شهادته في برنامج "صفحات من حياتي" عبر قناة المجد الفضائية، وأرشيف كتاباته التاريخية في مجلة "المجتمع".

تحلّ الذكرى السادسة لرحيل أحد أبرز أعلام الفكر الإسلامي والعمل الدعوي المعاصر، الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق (1939 - 2020م)، الذي ترك بصمة فارقة في تجديد الخطاب الدعوي وتأصيل العمل المؤسسي. 

وفي شهادة استثنائية وثّقها الشيخ خلال استضافته في برنامج "صفحات من حياتي" على قناة المجد الفضائية، استعرض ملامح محطاته الأولى التي شكّلت شخصيته العلمية، بدءًا من الكتاتيب المصرية وصولاً إلى معاقل العلم بالمدينة المنورة واستقراره الممتد في الكويت؛ ليكشف التقرير التالي عن إرثٍ حافل يجمع بين التأصيل الشرعي والصحافة الفكرية والاجتهاد الفقهي.

الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق.. من كتاتيب الدلتا إلى أروقة العلم

ولد الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق عام 1939م في قرية "عرب الرمل" بمحافظة المنوفية في مصر. وتنتمي عائلته إلى آل العلي الزهيري ذات الجذور اليمنية، والتي شهدت هجرة مبكرة إلى المدينة المنورة عام 1927م.

نشأ الشيخ في بيت علم واهتمام بالأثر؛ إذ كان والده حافظًا للقرآن الكريم ومقتنيًا لأمهات كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم.

بدأ تحصيله العلمي في كُتّاب القرية بالتعليم على الألواح الصفيحية، ثم التحق بمدارس "المساعي المشكورة" النموذجية القائمة على الأوقاف الأهلية، والتي تميزت برصانتها وبنيتها التعليمية العالية.

محطة المدينة وتأسيس الجامعة الإسلامية

انتقلت العائلة للاستقرار النهائي في المدينة المنورة عام 1956م، حيث أتم دراسته الثانوية في "مدرسة طيبة"، وحصل على المركز الثالث على مستوى المملكة العربية السعودية في القسم الأدبي. 

وعقب تخرجه، زاول التدريس الحكومي لأربعة أعوام في عدد من مدارس المدينة. كما وثّق بمعيته عدسة تصوير شخصية معالم المشاعر المقدسة والحياة العمرانية في مكة والمدينة خلال منتصف الخمسينيات.

وفي عام 1961م، شهدت المدينة المنورة تأسيس الجامعة الإسلامية، بناءً على مقترح قدمه والد الشيخ إلى الشيخ عبدالعزيز بن باز الذي رفعه للقيادة؛ فخصصت الدولة ثكنات الحرس الوطني مقرًا لها ودعمتها بثلاثة ملايين ريال. 

وكان الشيخ عبدالرحمن من أبناء الدفعة الأولى الملتحقة بها، وتولى رئاسة النادي الطلابي الذي أدار البرامج الثقافية واللقاءات الأسبوعية للطلاب الوافدين من عشرات الدول.

ملازمة أئمة العصر في المدينة المنورة

تلقى الشيخ علومه على يد نخبة من كبار علماء العالم الإسلامي، كما روى في حديثه لبرنامج "صفحات من حياتي" على قناة المجد الفضائية 

 - الشيخ عبدالعزيز بن باز: تميزت إدارته للجامعة بالرعاية الأبوية والمتابعة الحثيثة لشؤون الطلاب العلمية والاجتماعية.

- الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: لازمه الشيخ بالجامعة وفي بيته، واستفاد من منهجه النقدي في علم الحديث وتخريج الأسانيد.

- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: استفاد من دروسه الارتجالية الموسوعية في التفسير وأصول الفقه الشارحة لديوان العرب والشواهد اللغوية.

- علماء آخرون: نهل من دروس الشيوخ عبدالمحسن العباد، وعطية محمد سالم، ومحمد المجذوب، وعبدالرحمن الأفريقي.

المحطة الكويتية وتأسيس العمل الدعوي

وصل الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق إلى الكويت عام 1965م عقب تخرجه، بنية الإقامة القصيرة التي لا تتجاوز بضعة أيام، غير أن الحاجة الماسة للكوادر التعليمية حوّلت الزيارة إلى إقامة استثنائية امتدت لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا. 

عمل الشيخ مدرسًا لمادة التربية الإسلامية في المدارس الكويتية، مما مكنه من التواصل المباشر مع الشباب والمجتمع.

وفي مواجهة الموجات الفكرية القومية واليسارية السائدة آنذاك، أسهم الشيخ في إرساء دعائم العمل السلفي المنظم والمؤسسي، وشارك بفاعلية في تأسيس "جمعية إحياء التراث الإسلامي" عام 1981م. 

كما أحدث تحولاً فقهيًا مفصليًا من خلال إفتائه بجواز المشاركة في الانتخابات والمجالس النيابية بناءً على فقه المصالح والمفاسد، مما أدخل التيار السلفي في العمل السياسي والدستوري.

الصحافة الفكرية والإسهام في مجلة "المجتمع"

لم تكن علاقة الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق بالمشهد العلمي في الكويت منفصلة عن الصحافة الإسلامية؛ إذ توثق أرشيفات “مجلة المجتمع” الكويتية حضورًا مبكرًا له في صفحاتها، يعود إلى عام 1970، حين نشر مقالًا بعنوان “مفهومات خاطئة.. رجال دين!!” في العدد العاشر من المجلة.

وتواصل حضوره في المجلة خلال السنوات التالية عبر سلسلة من المقالات والدراسات التي تناولت قضايا العقيدة والدعوة والفكر الإسلامي وبناء الأمة. 

ففي عام 1973 نشرت المجلة مادة بعنوان “خطوط رئيسية لبعث الأمة الإسلامية”، بينما شهد عام 1974 نشر سلسلة “نحو بناء جديد للأمة”، التي تناول فيها موضوعات مثل القيم الحضارية للمجتمع الإسلامي، ومكانة الدعوة، ومنزلة العلم في الحضارة الإسلامية.

كما خصص مساحة واسعة من كتاباته في "المجتمع" لمسائل الاعتقاد والتوحيد، من خلال سلسلة “نحو تصور سليم.. وتوحيد خالص: قضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة”، التي تضمنت موضوعات متتابعة حول أسماء الله وصفاته وقضايا الاعتقاد.

وامتد هذا الحضور إلى عام 1975، حين نشر سلسلة “مبادئ لفهم الإسلام”، إلى جانب مقالات تناولت الإعلام في الدعوة، ومكانة الكتاب والسنة في فهم الإسلام. 

ويكشف هذا المسار عن امتداد تجربته الكتابية في “المجتمع” لسنوات مبكرة، وتنوع الموضوعات التي كتب فيها بين التأصيل الشرعي والقضايا الفكرية والدعوية.

إرث علمي ومعالم خلدها التاريخ

توج الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق مسيرته برصيد علمي يربو على ستين كتابًا ورسالة، من أبرزها: "الشورى في ظل النظام الإسلامي"، و"الفصول في السياسة الشرعية"، و"خطوط عريضة للمنهج السلفي".

وظل يواصل عطاءه التعليمي والفكري والصحفي حتى وفاته في الكويت عام 2020م، مخلفًا مدرسة فكرية ودعوية بارزة تركت أثرًا عميقًا في العالم العربي والإسلامي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة