حواجز الضفة لا تظهر على الخرائط.. سرقة الأرض والوقت والطريق

لؤي صوالحة

28 سبتمبر 2026

17

برج مراقبة عسكري وحاجز أمني إسرائيلي في الضفة الغربية

في فلسطين، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، ولا يُقاس الزمن بالساعات، بل بعدد الحواجز والبوابات الحديدية التي تعترض طرق الضفة الغربية، وبطول طوابير الانتظار التي تفرضها هذه القيود على حياة الفلسطينيين.

فالحاجز ليس نقطة تفتيش فحسب؛ وإنما قرار يترجم على الأرض، ويفصل بين المدن والقرى والمخيمات، ويؤثر في حركة الناس والبضائع والعمل والتعليم والعلاج، وهكذا يتحول الطريق القصير إلى رحلة شاقة، والساعة إلى زمن مفتوح على الانتظار.

وبين حاجز وبوابة وطريق التفافي وإغلاق عسكري، تتعقد حركة الفلسطينيين بين مختلف مناطق الضفة الغربية، فيما تحدد القيود المفروضة على الحركة من يمر، ومتى يمر، وإلى أين يصل.

في الضفة، لا تقتصر آثار هذه المنظومة على الأرض، وإنما تمتد إلى الطريق والوقت وإمكانية الوصول.

وتقول الباحثة الفلسطينية مني أبوحمدية: من وجهة نظري كباحثة في الشأن الفلسطيني، فإن الحواجز والإغلاقات في الضفة الغربية لم تعد مجرد إجراءات أمنية متفرقة، بل أصبحت منظومة تتحكم في الجغرافيا الفلسطينية وفي إيقاع الحياة اليومية.

وتضيف أن هذه القيود لا تؤخر حركة الفلسطيني فحسب، وإنما تعيد تشكيل علاقته بالمكان والعمل والتعليم والصحة والاقتصاد، وتحول المسافة بين مدينة وأخرى أو قرية وأخرى إلى عائق فعلي على الأرض يومياً.

حواجز الضفة الغربية.. جغرافيا تتجزأ

وعن تجربتها الشخصية تتحدث أبو حمدية قائلة: أعيش التجربة يومياً وأنا أنتقل دوماً بين المحافظات، فالأخطر أن هذه المنظومة تساهم في تفكيك التواصل الطبيعي بين التجمعات الفلسطينية، فتجعل الوصول من نابلس إلى رام الله أو من الخليل إلى بيت لحم، على سبيل المثال، مرتبطاً بمسارات متغيرة وحواجز وإغلاقات قد تظهر أو تختفي دون أن تظهر على الخريطة، وهذا يخلق واقعاً من التجزئة الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية داخل الضفة.

وتضيف: لذلك أرى أن قراءة الحواجز يجب ألا تقتصر على عددها أو زمن الانتظار عندها، بل يجب أن تُقرأ باعتبارها أداة تؤثر في بنية المجتمع الفلسطيني وقدرته على التواصل والحركة والإنتاج والوصول إلى الخدمات، والأرقام الأممية الحديثة تؤكد اتساع هذه المنظومة؛ إذ وثقت الأمم المتحدة 925 عائقاً للحركة في الضفة حتى نهاية عام 2025م، تؤثر في حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني.

وتتابع: فالحاجز قد يكون قطعة إسمنت أو بوابة حديدية، لكنه حين يتكرر ويتسع يصبح أكثر من عائق على الطريق؛ يصبح واقعاً يعيد رسم الحياة الفلسطينية من دون أن يظهر بالضرورة على الخرائط.

الحواجز والاقتصاد الفلسطيني

ويعلق نعيم حرب سكرتير التجمع الإعلامي الديمقراطي الفلسطيني قائلاً: تُشكّل الحواجز أداة هيكلية لا تقتصر على تنظيم الحركة فحسب، بل تمتد لتعيد تشكيل الجغرافيا السياسية وتُعيد توجيه المسارات الاقتصادية والتنموية لتشمل كافة مناحي الحياة الفلسطينية.

ويضيف: تمثل الحواجز ونقاط التفتيش تجسيداً مادياً لاختلال ميزان القوة حيث السيطرة المطلقة التي يفرضها الاحتلال «الإسرائيلي» والتحكم في مختلف مناحي الحياة الفلسطينية تعمل شبكة الحواجز على تفتيت الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة؛ ما يُقوّض الجدوى الجغرافية والسياسية لإقامة دولة فلسطينية متصلة، ويحول دون تكامل المراكز الحضرية مع محيطها الريفي.

ويتابع: شكلت الحواجز «الإسرائيلية» إعادة الهندسة الاجتماعية والسياسية لحياة الفلسطيني وتعد أحد أهم عوامل عزل المجتمعات المحلية وتفكيك نسيجها الاجتماعي، تُضعف الحواجز التماسك المجتمعي الذي يُعد ركيزة أساسية للصمود السياسي، وتُعيد توجيه الولاءات من المستوى الوطني إلى المستوى العائلي أو المحلي الضيق بسبب الانكفاء الذاتي.

الوقت الضائع.. كلفة لا تظهر على الخريطة

ويمضي قائلاً: على الصعيد الاقتصادي، تعمل الحواجز كـ«ضريبة غير مرئية» تُنهك الاقتصاد الوطني وتُشوه هيكله وتدمير السوق الفلسطينية الموحدة، وقد أدت القيود إلى تفكك السوق المحلية، حيث لم تعد السلع والخدمات تتدفق بحرية بين الضفة وغزة والقدس، وبين المدينة وريفها وأصبحت الضفة الغربية كانتونات معزولة بالحواجز والبوابات الحديدية؛ ما رفع تكاليف التداول الداخلي وقلل من القدرة التنافسية للقطاع الخاص الفلسطيني، بل عمل على تدمير القطاع الزراعي من خلال التحكم بالحركة إضافة الى ما يعانيه من الاستيطان.

وعن التكاليف الباهظة ومناخ الاستثمار يتحدث حرب قائلاً: تُمثل فترات الانتظار وتغير المسارات تكاليف غائرة تتحملها الشركات الفلسطينية، هذا الارتفاع في تكاليف النقل والتشغيل، مقترناً بعدم القدرة على التنبؤ بوقت وصول البضائع (عدم اليقين)، يُعد طارداً رئيساً للاستثمار المحلي والأجنبي، ويُعيق نمو القطاعات الإنتاجية والزراعية.

المرضى والطلاب أمام الحواجز

تعمل الحواجز المنتشرة في عموم الضفة الغربية على استنزاف رأس المال البشري والإنتاجية، الوقت الضائع في الانتظار يمثل خسائر فادحة في الإنتاجية الوطنية، كما أن الضغط النفسي المزمن الناتج عن الإذلال اليومي على الحواجز ينعكس سلباً على صحة القوى العاملة وكفاءتها؛ ما يقلل من العائد على الاستثمار في التعليم والتدريب، بل امتدت الى التحكم المباشر في حياة الناس كم من الحالات التي فارقت الحياة وهي تنتظر فتح الحاجز دون جدوى وأحياناً تتم الإعاقة بالوقوق لغايات التفتيش.

كم من طلاب الجامعات والثانوية العامة حرموا من امتحاناتهم المصيرية بسب إغلاق الحواجز لم يبقَ احتلال عدى الاحتلال «الإسرائيلي» لفلسطين، في العصر الحديث لم يوجد مكان على وجه الكرة الأرضية يعاقب به الناس كما يتم بحق الشعب الفلسطيني.

الحواجز أداة للسيطرة السياسية

ويشير نعيم حرب إلى أن الحواجز ليست مجرد عوائق لوجستية، بل هي أداة للسيطرة السياسية والخنق الاقتصادي وهي علمياً ممارسة فعلية للسياسة «الإسرائيلية» القائمة على القتل والتهجير والإخضاع من خلال التحكم والسيطرة على كافة مناحي الحياة الفلسطينية.

ويكمل قائلاً: تؤثر الحواجز ونقاط التفتيش على حياة الفلسطينيين بصورة مباشرة ومتعددة الأبعاد؛ فهي تقيّد حرية الحركة والتنقل، وتزيد الوقت والتكلفة للوصول إلى أماكن العمل والتعليم والعلاج، كما تعيق حركة التجارة والوصول إلى الأسواق والخدمات، وتؤدي فترات الانتظار والإغلاقات وتغيّر مسارات الحركة إلى الضغط النفسي وعدم الاستقرار وتعطيل الحياة اليومية، وتنعكس بصورة خاصة على المرضى والطلبة والعمال وأصحاب الأعمال.

ويضيف: كما تسهم القيود على الحركة في إضعاف الترابط الاجتماعي والاقتصادي بين المدن والقرى والمناطق الفلسطينية، والحد من فرص التنمية والاستثمار، بما يجعل الحواجز عاملاً مؤثراً في الظروف المعيشية والتنموية للسكان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة